دراسة: 8.3 مليون مهاجر داخلي في مصر.. والبحث عن “لقمة العيش” وحياة أفضل تحفز المواطنيين على الانتقال

حسام حسن: لابد من مراجعة سياسات التخطيط وفتح آفاق جديدة للاستثمار خاصة في الصعيد

الإسكندرية تحولت لمحافظة طاردة وتراجع الهجرة للقاهرة والبحر الأحمر وجنوب سيناء أصبح ملاذاً جديداً

كشفت دراسة حديثة صادرة عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية عن تحولات عميقة في أنماط الهجرة الداخلية داخل مصر، أظهرت أن النموذج التقليدي القائم على انتقال السكان من الريف إلى المدن الكبرى (القاهرة والإسكندرية)، لم يعد هو المسار الغالب كما كان في العقود الماضية. بسل كانت المحافظة أن عروس البحر المتوسط تحولت إلى طاردة للسكان، بينما تراجعت الهجرة للعاصمة بشكل كبير.

 ووفقا للدراسة، أصبح المصريون أكثر ميلا للانتقال داخل محافظاتهم أو إلى مناطق قريبة من مجتمعاتهم الأصلية بحثا عن فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة، في وقت ظهرت فيه محافظات جديدة كمناطق جاذبة للسكان، بينما تحولت محافظات ذات ثقل اقتصادي وصناعي إلى مناطق طاردة للهجرة.

وتأتي هذه النتائج في وقت تقدم فيه النائب حسام حسن الخشت، نائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل بمجلس النواب، بطلب إحاطة إلى وزراء التخطيط والتنمية الاقتصادية والتنمية المحلية والإسكان، مطالبا بمراجعة مدى اتساق سياسات التخطيط المكاني وتوزيع الاستثمارات العامة مع أنماط الهجرة الداخلية الفعلية وقدرتها على خلق فرص عمل محلية والحد من الضغوط التي تدفع السكان إلى الهجرة.

8.3  مليون مهاجر داخلي

وأظهرت الدراسة أن عدد المهاجرين الداخليين ارتفع من نحو 4.8 مليون شخص في تعداد عام 2006 إلى نحو 8.3 مليون شخص في تعداد عام 2017، بما يمثل قرابة 8% من إجمالي السكان، مع احتمال أن تكون الأرقام الفعلية أعلى نتيجة عدم رصد بعض أشكال العمالة الموسمية والمتنقلة بشكل كامل.

وتزامن ذلك مع تسارع وتيرة التحضر، حيث ارتفع عدد سكان المناطق الحضرية من نحو 24.4 مليون نسمة عام 1990 إلى نحو 43.7 مليون نسمة عام 2021، بينما تستقبل المدن المصرية ما يقرب من مليون مقيم جديد سنويا.

ورغم هذا التوسع الحضري، تشير المؤشرات إلى أن الخدمات الأساسية لم تنم بالوتيرة نفسها، إذ تراجع عدد أسرة المستشفيات من 14.3 سرير لكل 100 ألف نسمة عام 2010 إلى 11.3 سرير فقط عام 2020، ما يطرح تساؤلات حول قدرة المدن على استيعاب الزيادة السكانية المتواصلة.

الهجرة لم تعد من الريف إلى المدينة فقط

وبحسب الدراسة، أصبحت أنماط الهجرة الداخلية أكثر تنوعا مما كانت عليه في السابق، فالهجرة بين المدن تمثل حاليا نحو 37% من إجمالي التحركات السكانية، بينما تمثل الهجرة بين القرى نحو 24%، والهجرة من الريف إلى الحضر نحو 26%، في حين لا تتجاوز الهجرة من الحضر إلى الريف 13%.

وتكشف الأرقام أن غالبية المصريين يفضلون الانتقال داخل نطاق محافظاتهم الأصلية، حيث ينتقل نحو 73.2% من المتجهين إلى المناطق الحضرية داخل المحافظة نفسها، فيما ينتقل 81.4% من المتجهين إلى المناطق الريفية داخل حدود محافظاتهم، وهو ما يعكس تفضيل المواطنين البحث عن فرص العمل والاستقرار بالقرب من أسرهم ومجتمعاتهم المحلية بدلا من الانتقال لمسافات بعيدة.

محافظات جديدة تجذب السكان

وأظهرت الدراسة تحولا ملحوظا في خريطة المحافظات الجاذبة والطاردة للسكان، فقد جاءت محافظة البحر الأحمر في صدارة المحافظات الجاذبة بصافي معدل هجرة بلغ 7.56%، تلتها جنوب سيناء بنسبة 4.67%، ثم الجيزة بنسبة 3.73% والقليوبية بنسبة 3.10%.

في المقابل، تصدرت محافظة السويس قائمة المحافظات الطاردة للسكان بصافي معدل هجرة بلغ 6.59%، تلتها بورسعيد بنسبة 4.80%، ثم دمياط بنسبة 2.82%، والقاهرة بنسبة 2.71%، بينما سجلت الإسكندرية صافي هجرة سالبا بلغ 0.34%.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة لأنها تتعلق بمحافظات تعد من أبرز المراكز الاقتصادية والصناعية في البلاد، ما يثير تساؤلات حول مدى نجاح الاستثمارات والمشروعات المنفذة فيها في توفير فرص عمل مستدامة تسمح بالاحتفاظ بالسكان داخل محافظاتهم.

هل المدن الجديدة تحقق أهدافها؟

وتفتح نتائج الدراسة الباب أمام تساؤلات بشأن مدى نجاح سياسات التوسع العمراني والمدن الجديدة في تحقيق أهداف إعادة توزيع السكان، ففي الوقت الذي ضخت فيه الدولة استثمارات ضخمة في إنشاء مجتمعات عمرانية جديدة، تشير أنماط الحركة السكانية الفعلية إلى أن المواطنين ما زالوا يفضلون الانتقال لمسافات قصيرة داخل النطاقات الجغرافية القريبة منهم، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى توافق سياسات التخطيط المكاني الحالية مع السلوك الفعلي للسكان واحتياجات سوق العمل.

وفي واحدة من أبرز نتائج الدراسة، تبين أن الانتقال من الريف إلى المدن لا يؤدي بالضرورة إلى تحسين مستوى المعيشة. فقد أظهرت البيانات أن الهجرة من الريف إلى الحضر ترتبط بانخفاض مستوى الرفاه بنحو 2.4% نتيجة ارتفاع تكاليف السكن والمعيشة وصعوبة الحصول على فرص عمل مستقرة.

في المقابل، حققت الهجرة من الحضر إلى الحضر أكبر مكاسب في مستوى الرفاه بلغت نحو 3.7%، تلتها الهجرة من الحضر إلى الريف بنسبة 2.9%.، وتعكس هذه النتائج أن جودة الخدمات وفرص العمل أصبحت عوامل أكثر تأثيرا من مجرد الانتقال إلى المدن الكبرى.

فرص العمل المحرك الأساسي للهجرة

وأكدت الدراسة وجود ارتباط وثيق بين الهجرة الداخلية وفرص العمل. فمعدل البطالة بين المهاجرين بلغ نحو 6.2% مقارنة بـ9.5% بين غير المهاجرين، بينما تنخفض النسبة إلى 2.6% فقط بين الأفراد الذين كانت فرص العمل السبب الرئيسي وراء انتقالهم، وتشير هذه الأرقام إلى أن الهجرة أصبحت في كثير من الحالات وسيلة فعالة لتحسين فرص التشغيل والدخل، خاصة في المناطق التي تشهد نشاطا اقتصاديا أكبر.

الزحف العمراني يدفع سكان الريف إلى الرحيل

وفي المقابل، لا تزال المناطق الريفية تواجه ضغوطا هيكلية تدفع سكانها إلى الهجرة. وتوضح الدراسة أن فقدان الأراضي الزراعية نتيجة الزحف العمراني والتعديات يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة، إذ تفقد مصر سنويا ما يقرب من 30 ألف هكتار من أجود الأراضي الزراعية القديمة أو الملاصقة لنهر النيل نتيجة التوسع العمراني، بينما يؤدي فقدان كل 100 هكتار إلى اختفاء نحو 400 فرصة عمل زراعية.

ويؤدي هذا التراجع في النشاط الزراعي إلى زيادة الضغوط الاقتصادية على سكان الريف ودفع المزيد منهم إلى البحث عن فرص بديلة في مناطق أخرى.

النائب حسام حسن الخشت

الهجرة مؤشر على كفاءة التخطيط

ويرى النائب حسام حسن الخشن، مقدم طلب الإحاطة أن الهجرة الداخلية لم تعد مجرد حركة سكانية طبيعية، بل أصبحت مؤشرا مهما على كفاءة التخطيط المكاني وعدالة توزيع الاستثمارات العامة وقدرة المحافظات على خلق فرص العمل وتحسين جودة الحياة.

وأكد أن خريطة المحافظات الجاذبة والطاردة للسكان تكشف مفارقات تنموية مهمة، حيث جاءت البحر الأحمر وجنوب سيناء والجيزة والقليوبية في مقدمة المحافظات الجاذبة للسكان، بينما تصدرت السويس وبورسعيد ودمياط والإسكندرية قائمة المحافظات الطاردة، رغم ما شهدته بعض هذه المحافظات من استثمارات ومشروعات كبرى خلال السنوات الأخيرة، مطالباً بفتح آفاق جديدة للتنمية والاستثمار خاصة في المحافظات الريفية والزراعية والصعيد.

وتابع أن هذه المؤشرات تطرح تساؤلات حول قدرة الاستثمارات العامة على خلق فرص عمل محلية مستدامة والاحتفاظ بالسكان داخل محافظاتهم، خاصة في المحافظات ذات الثقل الاقتصادي والصناعي.

وأشار الطلب إلى أن بيانات سوق العمل تعكس ارتباطا وثيقا بين الهجرة وفرص التشغيل، إذ يبلغ معدل البطالة بين المهاجرين نحو 6.2% مقابل 9.5% بين غير المهاجرين، فيما تنخفض النسبة إلى 2.6% فقط بين الأفراد الذين كانت فرص العمل هي الدافع الرئيسي وراء هجرتهم.

كما حذر من استمرار الضغوط الهيكلية في الريف المصري، وعلى رأسها فقدان الأراضي الزراعية نتيجة الزحف العمراني والتعديات، حيث تشير التقديرات إلى فقدان نحو 30 ألف هكتار سنويا من الأراضي الزراعية، بما يؤدي إلى تراجع فرص العمل في القطاع الزراعي ودفع مزيد من السكان إلى الهجرة.

هجرة من أجل البقاء

وخلصت الدراسة إلى أن الهجرة الداخلية في مصر باتت أقرب إلى “هجرة من أجل البقاء”، حيث يتحرك المواطنون بحثا عن فرص اقتصادية أفضل وتحسين ظروف المعيشة، مع الحرص في الوقت نفسه على البقاء بالقرب من أسرهم ومجتمعاتهم المحلية.

وأوصت بضرورة التركيز على استكمال البنية التحتية للمناطق الصناعية القائمة، خاصة في المحافظات الطاردة للسكان، والتوسع في برامج توفير فرص العمل داخل المجتمعات المحلية، مؤكدة أن نقل الفرص إلى المواطنين قد يكون أكثر فاعلية واستدامة من نقل المواطنين إلى أماكن الفرص.