أزمة الغاز والطاقة في مصر.. كيف تحولت التحديات المؤقتة إلى أزمة إدارة مزمنة؟

معركة “العدل” وشعارات الحكومة.. 11 طلب إحاطة عن فجوات الإنتاج وتعطل الحقول وارتفاع فاتورة الاستيراد

حقل ظهر للغاز الطبيعي

تشهد منظومة الطاقة والغاز الطبيعي في مصر واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا خلال السنوات الأخيرة، وسط تحديات متزايدة تتعلق بالإنتاج المحلي، وتطوير الحقول المكتشفة، وارتفاع فاتورة الاستيراد، إلى جانب ضغوط مالية ولوجستية متصاعدة.

وهو ما انعكس على تصريحات وزير البترول والثروة المعدنية، المهندس كريم بدوي، خلال كلمته في اجتماع لجنة الطاقة بمجلس النواب أمس الإثنين، والتي حسم فيها الجدل حول خفض أسعار البنزين من عدمه في أعقاب توقف الحرب بين إيران وأمريكا وإعادة فتح مضيق هرمز، مؤكدا أن هناك نسبة 31% فجوة بين سعر بيع السولار وتكلفة الحصول عليه.

وزير البترول في اجتماع لجنة الطاقة بمجلس النواب

وأشار إلى أن الدولة تتبع آلية إعادة التسعير الدورية لخفض الفجوة بين سعر البيع وتكاليف الإنتاج. كما لفت إلى فجوة أخرى تتراوح ما بين 11% إلى 15% بين سعر بيع البنزين للمستهلك وتكلفة الحصول عليه.

وتابع حديثه أمام النواب قائلًا:” بنشتغل بإخلاص عشان 120 مليون مواطن.. وعمرنا ما قولنا الدنيا سهلة، ولم نخرج بتصريح واحد قولنا فيه الدنيا اتحلت.. حضراتكم عارفين التحديات”.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة استمرار جهودها لتعزيز الإنتاج وتقليص الاعتماد على الواردات، تكشف قراءة تفصيلية لواقع القطاع عن مجموعة من الاختلالات التي تطرح تساؤلات حول كفاءة التخطيط والتنفيذ وإدارة الموارد.

جانب من اجتماع وزير البترول بلجنة الطاقة في مجلس النواب

ويرصد هذا التقرير الصحفي، المستند إلى 11 طلب إحاطة تقدمت بها الهيئة البرلمانية لحزب العدل، أربعة ملفات رئيسية يرى الحزب أنها تمثل جوهر الأزمة الحالية، وتشمل فجوات الإنتاج في مشروعات الغاز، وتعطل تنمية الحقول المكتشفة، والأعباء المالية الناتجة عن تراجع الإنتاج المحلي، إضافة إلى الإخفاقات اللوجستية المرتبطة بإدارة ملف سفن التغويز.

فجوة بين التصريحات الرسمية وواقع الإنتاج
رغم إعلان الحكومة عن خطط لاستعادة مستويات إنتاج الغاز الطبيعي، فإن البيانات الخاصة بعدد من المشروعات الرئيسية تشير إلى وجود فجوة ملحوظة بين المستهدفات المعلنة والإنتاج الفعلية على الأرض.

ففي حقل “ظهر” التابع لشركة إيني، كان المستهدف إضافة نحو 230 مليون قدم مكعب يوميا، بينما بلغ الإنتاج الفعلي نحو 130 مليون قدم مكعب فقط، وهو ما اعتبره التقرير مؤشرا على وجود فجوة بين التوقعات والواقع التنفيذي.

كما شهد مشروع “ريفين” التابع لشركة BP تأخرا في تشغيل بعض الآبار مقارنة بالجداول الزمنية المعلنة، إلى جانب إنتاج فعلي أقل من المستهدف. وتكرر الأمر في مشروعات غرب البرلس والمرحلة الحادية عشرة من البرلس، حيث جاءت معدلات الإنتاج الأولية دون الأرقام التي سبق الإعلان عنها.

ويرى التقرير أن هذه الفجوات لا تقتصر آثارها على قطاع الغاز فقط، بل تمتد إلى منظومة الكهرباء والصناعة، حيث تؤدي التقديرات غير الدقيقة إلى زيادة الاعتماد على الوقود البديل ورفع فاتورة الاستيراد.

نتائج مسار الإنتاج
وخلص التقرير إلى أن الزيادات المعلنة في إنتاج الغاز خلال عامي 2025 و2026 لم تتحقق وفقا للجداول الزمنية المعلنة، وأن الفجوة الإنتاجية امتدت إلى عدد من مشروعات البحر المتوسط، بما انعكس بصورة مباشرة على قرارات الاستيراد وكلفة توفير الطاقة.

حقول مكتشفة تنتظر التنمية
يكشف التقرير عن مفارقة لافتة تتمثل في وجود احتياطيات غازية كبيرة ،مازالت خارج دائرة الإنتاج رغم الحاجة المتزايدة للغاز الطبيعي.

فبينما تبلغ الاحتياطيات المقدرة للحقول المطورة نحو 18 تريليون قدم مكعب، توجد حقول مكتشفة وغير مطورة تقدر احتياطياتها الأولية بنحو 25 تريليون قدم مكعب.

ومن بين هذه الحقول “نرجس” و”رحمات” و”نور” و”سلامات”، إضافة إلى امتدادات لحقول قائمة لم تدخل بعد مرحلة التنمية الكاملة.

كما أشار التقرير إلى وجود عدد من الحقول المكتشفة التي لا تتوافر بشأنها بيانات حكومية معلنة، وهو ما يحد من القدرة على تقييم حجم الموارد المتاحة وفرص الاستفادة منها.

وأوصت الهيئة البرلمانية لحزب العل بإطلاق برنامج وطني عاجل لتطوير الحقول المكتشفة غير المستغلة، مع تطبيق مبدأ “استخدمه أو افقده” في اتفاقيات الامتياز، وإعادة طرح المناطق غير المطورة على شركات قادرة على تسريع عمليات التنمية والإنتاج.

فاتورة الطاقة تضغط على الاقتصاد
أحد أبرز انعكاسات أزمة الإنتاج يتمثل في الارتفاع الحاد لفاتورة واردات الطاقة، ووفقا للتقرير المتضمنت طلبات الإحاطة، ارتفعت واردات الطاقة إلى مستويات قياسية خلال السنوات الأخيرة، مع توقعات بأن تصل إلى نحو 25.3 مليار دولار خلال عام 2025/2026، مقابل صادرات تقل عن 5 مليارات دولار.

وتكشف الأرقام عن تحول ميزان الطاقة من فائض بلغ 4.4 مليار دولار في عام 2021/2022 إلى عجز متوقع يتجاوز 20 مليار دولار خلال العام المالي الحالي، ويرى التقرير أن هذا التحول يفرض ضغوطا كبيرة على ميزان المدفوعات والاحتياطيات الأجنبية، كما يزيد من الأعباء الواقعة على الموازنة العامة.

وأشار التقرير إلى أن قطاع الطاقة يستحوذ على نحو 65% من إجمالي الضمانات الحكومية، بما يعادل أكثر من 3.4 تريليون جنيه، وهو ما يعكس حجم التحديات المالية المرتبطة بالقطاع.

كما رصد التقرير ارتفاع متوسط تكلفة الطاقة بصورة مستمرة، لتصل إلى أكثر من 10 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية خلال عام 2026، مقارنة بنحو 4.17 دولار فقط في عام 2022.

إخفاقات لوجستية في ملف سفن التغويز
في الملف الرابع، سلط التقرير الضوء على إدارة ملف سفن التغويز ووحدات الغاز الطبيعي المسال العائمة.

وأشار إلى أن مصر نجحت في السابق في تشغيل وحدات تغويز خلال فترات زمنية قصيرة نسبيا، إلا أن التجربة الأخيرة شهدت تأخيرات وتكاليف إضافية مرتبطة بعدم جاهزية بعض الوحدات في المواعيد المحددة.

كما تحدث التقرير عن ضعف التنسيق بين مواعيد وصول شحنات الغاز المستوردة وجاهزية وحدات الاستقبال، وهو ما أدى إلى انتظار بعض الناقلات لفترات طويلة وتحمل غرامات تأخير مرتفعة.

ويرى التقرير أن هذه الوقائع تكشف عن خلل في منظومة التخطيط اللوجستي والتنسيق بين الجهات المختلفة المعنية بإدارة ملف الطاقة.

من إدارة أزمة إلى مراجعة شاملة للسياسات
يخلص التقرير إلى أن التحديات الحالية في قطاع الطاقة لا ترتبط فقط بتراجع الإنتاج أو نقص التمويل، وإنما تعكس الحاجة إلى مراجعة شاملة لآليات التخطيط والتنفيذ وإدارة المشروعات.

كما يؤكد أن معالجة الأزمة تتطلب تسريع تنمية الحقول المكتشفة، وتحسين إدارة المشروعات القائمة، ورفع كفاءة التخطيط اللوجستي، بما يضمن تقليص الاعتماد على الواردات واستعادة التوازن لمنظومة الطاقة خلال السنوات المقبلة.

مناقشات موسعة
وكانت لجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب شهدت مناقشات موسعة حول تطورات قطاع الغاز الطبيعي، خلال حضور وزير البترول والثروة المعدنية، حيث طرح نواب حزب العدل عددًا من التساؤلات والملاحظات المتعلقة بمستويات الإنتاج وخطط مواجهة التحديات التي يشهدها القطاع.

وخلال الاجتماع، استعرض كل من النائبة فاطمة عادل، والنائب حسين هريدي، والنائب حسام حسن نائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، رؤية الحزب بشأن ملف الغاز والطاقة، مؤكدين أهمية مراجعة السياسات التنفيذية المرتبطة بتنمية الحقول المكتشفة، وتسريع وتيرة الإنتاج، والحد من الأعباء الناتجة عن استيراد الطاقة.

نواب حزب العدل فاطة عادل وحسام حسن وحسين هريدي

وأشار النواب إلى وجود تحديات تتعلق بمعدلات الإنتاج الحالية مقارنة بالمستهدفات المعلنة، إلى جانب الحاجة إلى تطوير آليات إدارة البنية التحتية الخاصة بالغاز الطبيعي وتعظيم الاستفادة من الإمكانات المتاحة، بما يسهم في تقليل الضغوط على قطاع الطاقة خلال الفترة المقبلة.

من جانبه، أكد وزير البترول والثروة المعدنية أن الحكومة لم تدّعِ انتهاء التحديات التي تواجه القطاع، مشددًا على أن الوزارة تتعامل مع واقع معقد وتسعى إلى تحقيق أفضل النتائج الممكنة في ظل الظروف الحالية، مضيفًا أن ملف الطاقة يتطلب جهودًا مستمرة وخططًا طويلة الأجل للتعامل مع المتغيرات المحلية والدولية.

وشهدت المناقشات تفاعلًا لافتًا عندما عقب النائب حسام حسن على حديث الوزير قائلًا: “كل الاحترام والتقدير لشخصك.. لكن إحنا عايزين نتائج”، في إشارة إلى أهمية ترجمة الخطط والإجراءات إلى مؤشرات ملموسة يشعر بها المواطن والاقتصاد الوطني.

وتواصلت المناقشات داخل اللجنة حول أسباب تراجع إنتاج الغاز خلال السنوات الأخيرة، وخطط الوزارة لاستعادة معدلات الإنتاج، إلى جانب آليات تسريع تنمية الحقول الجديدة وتحسين كفاءة إدارة الموارد، بما يضمن تعزيز أمن الطاقة وتلبية الاحتياجات المتزايدة للسوق المحلية.

قضية تتجاوز الأرقام
الباحث والمتخصص في شئون الطاقة وعضو الهيئة العليا لحزب العدل المهندس محمد عطية، قال لـ”ليبرالي” إن أزمة الغاز والطاقة الحالية تكشف عن قضية تتجاوز أرقام الإنتاج والاستيراد، لتصل إلى جوهر إدارة الأزمات وبناء الثقة بين الدولة والمواطن.

وأضاف:” ما يثير التساؤلات ليس وجود الأزمة في حد ذاته، فالأزمات تواجه جميع الدول، وإنما التباين الواضح بين التصريحات الرسمية التي صدرت خلال الفترة الماضية، والتي أكدت أن الأمور مستقرة ولا توجد مشكلات جوهرية، وبين ما نسمعه اليوم من اعترافات بوجود فجوات في الإمدادات، وتراجع في الإنتاج، وارتفاع كبير في فاتورة الاستيراد”.

وأشار إلى أن الجلسة الأخيرة للجنة الطاقة بملجس النواب تكشف أن تحديات قطاع الطاقة لم تكن وليدة اللحظة، بل تراكمت نتيجة تراجع إنتاج بعض الحقول، وتأخر تطوير احتياطيات مكتشفة، وارتفاع الاعتماد على الاستيراد لتغطية الطلب المحلي. وهنا يبرز السؤال المشروع: إذا كانت هذه التحديات موجودة منذ فترة، فلماذا لم يتم عرض الصورة كاملة للرأي العام منذ البداية؟

خبير الطاقة محمد عطية

وأوضح “عطية” أن المواطن المصري أثبت في محطات كثيرة أنه قادر على تحمل الأعباء الاقتصادية والوقوف بجوار الدولة وقت الأزمات، لكنه يحتاج إلى المصارحة والشفافية. فالثقة تُبنى عندما يتم عرض الإنجازات والتحديات معًا، لا عندما يتم التركيز على جانب واحد ثم يفاجأ المواطن لاحقًا بواقع مختلف.

وأكد أن ما طرحته الأحزاب والنواب من طلبات إحاطة ودراسات فنية يعكس تطورًا مهمًا في الحياة السياسية، حيث أصبحت المناقشات تعتمد على الأرقام والتحليل بدلاً من الشعارات. ومن ثم فإن التعامل مع هذه الطروحات يجب أن يكون من خلال الحوار والاستفادة من التوصيات، وليس الاكتفاء بالردود التقليدية.

ولفت إلى أن الأزمة الحالية ليست أزمة موارد بقدر ما هي أزمة إدارة وتخطيط وتواصل. ولذلك فإن الحل يبدأ بإعادة بناء جسور الثقة عبر المكاشفة الكاملة، وتقديم تقديرات واقعية، وربط الخطط الحكومية بالقدرات الفعلية لا بالتوقعات المتفائلة. فالمصارحة المبكرة قد تكون مؤلمة، لكنها أقل تكلفة بكثير من صدمة اكتشاف الحقيقة بعد فوات الأوان.