
تشهد العلاقات الإثيوبية الإريترية خلال المرحلة الراهنة تصاعدًا ملحوظًا في حدة الخطاب الإعلامي الإثيوبي تجاه النظام الإريتري، حيث تنشر وسائل إعلام رسمية وشبه رسمية بصورة متكررة تقارير تتناول الأوضاع السياسية والاقتصادية وحقوق الإنسان في إريتريا، مع التركيز على قضايا اللجوء والخدمة العسكرية الإلزامية، وتقييد الحريات، وغياب المؤسسات الديمقراطية.
ولا يبدو هذا التصعيد الإعلامي حدثًا معزولاً عن السياق الإقليمي، بل يأتي متزامنًا مع مرحلة تشهد إعادة رسم للتوازنات في القرن الإفريقي، وفي مقدمتها الجدل المتصاعد حول مستقبل البحر الأحمر ومساعي إثيوبيا لتأمين منفذ بحري دائم.
ويثير هذا التزامن تساؤلاً جوهريًا: هل تمثل الحملة الإعلامية الإثيوبية مجرد انتقاد للأوضاع الداخلية في إريتريا، أم أنها جزء من استراتيجية سياسية أوسع تستهدف إعادة تشكيل البيئة الإقليمية تمهيدًا لتعزيز الموقف الإثيوبي في ملف البحر الأحمر؟
أولاً: الإعلام كأداة للسياسة الخارجية الإثيوبية
في الأدبيات السياسية، لم يعد الإعلام يؤدي دورًا خبريًا فحسب، بل أصبح أحد أدوات القوة الناعمة وإدارة الصراعات، وتعتمد الحكومات على الإعلام في بناء روايات سياسية تمنحها شرعية داخلية، وتؤثر في الرأي العام الخارجي، وتعيد صياغة صورة الخصوم.
وفي الحالة الإثيوبية، يلاحظ أن الخطاب الإعلامي تجاه إريتريا لم يعد موسميًا أو مرتبطًا يحدث بعينه، وإنما تحول إلى خطاب شبه يومي يعيد إنتاج الرسائل ذاتها؛ فالنظام الإريتري يُصوَّر باعتباره مسؤولاً عن الفقر، والهجرة الجماعية، وتراجع التنمية، وانتهاكات حقوق الإنسان، واستمرار عسكرة المجتمع.
ويشير هذا النمط إلى وجود رسالة سياسية معتمدة أكثر من كونه مجرد معالجة إعلامية للأحداث، إذ إن تكرار الرسائل يعد أحد أساليب ترسيخ السرديات في الوعي العام.
ثانيًا: البحر الأحمر.. المتغير الأكثر تأثيرًا
منذ تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد التي وصف فيها الوصول إلى البحر الأحمر بأنه “ضرورة وجودية” لإثيوبيا، أصبح هذا الملف محورًا رئيسيًا في السياسة الخارجية الإثيوبية.
وتنظر أديس أبابا إلى فقدان منفذها البحري بعد استقلال إريتريا عام 1993 باعتباره أحد أبرز التحديات الاستراتيجية التي تحد من طموحاتها الاقتصادية والإقليمية، خصوصًا مع اعتمادها على ميناء جيبوتي في أكثر من 90٪ من تجارتها الخارجية.
وفي المقابل، تمثل إريتريا الدولة الأكثر حساسية في هذه المعادلة، نظرًا لامتلاكها سواحل طويلة وموانئ استراتيجية، أبرزها ميناء عصب وميناء مصوع، وهو ما يجعلها طرفًا رئيسيًا في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بالبحر الأحمر.ومن ثم، يصعب فصل التصعيد الإعلامي ضد أسمرة عن هذا التحول في التفكير الاستراتيجي الإثيوبي.
ثالثًا: لماذا هذا التوقيت؟
يكتسب توقيت الحملة الإعلامية أهمية خاصة، إذ جاء في مرحلة تشهد عدة تطورات متزامنة، أولها تراجع مستوى التنسيق السياسي بين إثيوبيا وإريتريا بعد انتهاء حرب تيجراي، حيث بدأت تظهر تباينات واضحة بشأن مستقبل الإقليم وترتيبات الأمن في شمال إثيوبيا. وثانيها، انتقال الخطاب الإثيوبي من الحديث عن التنمية الاقتصادية إلى التركيز بصورة غير مسبوقة على قضية المنفذ البحرى، بما يعكس تحولاً في أولويات الأمن القومي الإثيوبي، أما العامل الثالث، فيتمثل في تصاعد التنافس الدولي على البحر الأحمر، في ظل الحضور العسكري والاقتصادي المتزايد للقوى الدولية والإقليمية، وهو ما جعل أي تغيير في موازين القوى بالمنطقة يحظى باهتمام دولي واسع
في ضوء هذه المعطيات، يمكن تفسير تكثيف الحملات الإعلامية باعتباره محاولة لإعادة تشكيل البيئة السياسية المحيطة بإريتريا، بما يمنح إثيوبيا مساحة أوسع للمناورة الدبلوماسية.
رابعًا: توظيف ملف اللاجئين
يلاحظ أن معظم التقارير الإثيوبية تركز بصورة لافتة على أعداد اللاجئين الإريتريين، وعلى مسؤولية النظام الإريتري عن موجات النزوح.
ومن الناحية السياسية، يخدم هذا الخطاب عدة أهداف، فهو يقدم إثيوبيا باعتبارها دولة تتحمل أعباء إنسانية نيابة عن المجتمع الدولي، كما يعزز صورة النظام الإريتري باعتباره مصدرًا لعدم الاستقرار الإقليمي، وفي الوقت نفسه، يربط بين استمرار النظام الحالي واستمرار أزمة الهجرة، بنت يمنح الخطاب الإثيوبي بعدًا أخلاقيًا وإنسانيًا يتجاوز الخلافات الثنائية.
خامسًا: الحرب النفسية وصناعة الشرعية
تكشف طبيعة الرسائل الإعلامية عن محاولة للتأثير في شرعية النظام الإريتري أكثر من استهداف المجتمع الإريتري نفسه، فالتركيز على غياب الانتخابات، وتعطيل الدستور، والاعتقالات، والأزمات الاقتصادية، يهدف إلى تكوين صورة ذهنية لدى الرأي العام الدولي بأن إريتريا تمثل دولة تعاني من أزمة حكم مزمنة.
وتعد هذه إحدى أدوات الحرب النفسية الحديثة، التي تسعى إلى تقويض صورة الخصم وإضعاف قدرته على كسب التعاطف الدولي دون اللجوء إلى المواجهة العسكرية.
سادسًا: هل تمهد الحملة لمعركة البحر الأحمر؟
لا توجد حتى الآن أدلة معلنة تثبت وجود علاقة مباشرة بين الحملة الإعلامية الإثيوبية وبين أي تحرك رسمي تجاه إريتريا في ملف البحر الأحمر، لكن من منظور التحليل السياسي، فإن تزامن الحملتين الإعلامية والسياسية يسمح بطرح فرضية مفادها أن أديس أبابا تسعى إلى تحسين مواقعها التفاوضي عبر إضعاف صورة الطرف الأكثر رفضًا لمطالبهم البحرية.
وبمعنى آخر، فإن إعادة تقديم إريتريا باعتبارها دولة مأزومة قد يسهم في خلق بيئة سياسية أقل تعاطفًا معها إذا تصاعدت الخلافات الإقليمية مستقبلاً. وتظل هذه الفرضية بحاجة إلى متابعة التطورات العملية، لكنها تستند إلى مؤشرات تتعلق بالتوقيت، وطبيعة الخطاب، وأولويات السياسة الخارجية الإثيوبية.
سابعًا: السيناريوهات المحتملة
إذا استمرت إثيوبيا في اعتبار البحر الأحمر جزءًا من أمنها القومي، فمن المرجح استمرار الحملات الإعلامية ضد إريتريا باعتبارها وسيلة منخفضة التكلفة لإدارة الصراع، أما السيناريو الثاني فيقوم على احتواء التوتر عبر وساطات إقليمية، بما يخفف من حدة الخطاب الإعلامي ويفتح المجال أمام ترتيبات أمنية جديدة في البحر الأحمر.
ويبقي السيناريو الثالث، وهو الأقل ترجيحًا لكنه الأكثر خطورة، ويتمثل في انتقال الحرب الإعلامية إلى ضغوط سياسية أو أمنية أوسع إذا تدهورت العلاقات بين البلدين بصورة أكبر.
ويبقى السيناريو الثالث، وهو الأقل ترجيحًا لكنه الأكثر خطورة، ويتمثل في انتقال الحرب الإعلامية إلى ضغوط سياسية أو أمنية أوسع إذا تدهورت العلاقات بين البلدين بصورة أكبر.






