«15 ألف جنيه» تُفرح رئيس الوزراء.. راتب يُصور كإنجاز ويعجز عن «فتح بيت»
من الإيجار إلى فواتير المعيشة.. شهادات حية لشباب يوضحون كيف تتلاشى رواتبهم قبل نهاية الشهر

الحديث عن وصول رواتب الشباب في المناطق الصناعية إلى 15 ألف جنيه بعد ثلاث سنوات من العمل، يُعد خطوة إيجابية إذا ما قورنت بشركات القطاع الخاص التي لا يتقاضى فيها آلاف الشباب نصف هذا المبلغ رغم قضاء سنوات في الخدمة.
لكن الصورة الكاملة تستوجب النظر إلى الواقع المعيشي الضاغط، فهذا المبلغ الذي يُطرح كإنجاز، يجد الشاب المقبل على الزواج أو حديث الزواج نفسه أمامه في مواجهة التزامات أسرية لا ترحم، ليتحول الرقم من خطوة للأمام إلى مجرد سير بالكد على كفاف الحياة.
والاحتفاء براتب الـ 15 ألف جنيه للشباب، عبر عنه الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، خلال افتتاحه مشروعات صناعية جديدة بالمنطقة الاقتصادية، قائلًا إنه يشعر بالفرح عندما يقوم بافتتاح المصانع ويقف مع الشباب، ويجد أن هناك شباب حديثي التخرج من المدارس الفنية، ويحصلون على رواتب بين 14 ألف و15 ألف جنيه بعد 3 سنين من العمل، إلا أن حديث رئيس الوزراء، عن المبلغ سالف الذكر كإنجاز، لا يكفي”لفتح بيت” أو لأسرة حديثة الزواج في الظروف الراهنة.

تكلفة معيشة 4 أفراد تحتاج 31 ألفًا و784 جنيهًا شهريًا
كشفت دراسة صادرة عن مركز العدل لدراسات السياسات العامة، التابع لحزب العدل، عن تكلفة معيشة الأسرة المصرية من 4 أفراد تحتاج إلى نحو 31 ألفًا و784 جنيهًا شهريًا لتغطية احتياجاتها، بما يعادل نحو 1059 جنيهًا يوميًا.
وتصدر الغذاء قائمة بنود الإنفاق في الدراسة بقيمة بلغت نحو 7420 جنيهًا شهريًا، بما يمثل 23.3% من إجمالي الميزانية، يليه السكن بنحو 6 آلاف جنيه بنسبة 18.9%، ثم التعليم بقيمة 5133 جنيهًا بنسبة 16.1%، والنقل بنحو 3440 جنيهًا بنسبة 10.8%.
وتشير أرقام استرشادية، نستخلصها من الدراسة، إلى أن تكلفة معيشة الفرد تصل حسابيًا إلى نحو 7946 جنيهًا شهريًا، وبالتالي فإن زوجًا وزوجة، باعتبارهما فردين فقط، يحتاجان نظريًا إلى نحو 15 ألفًا و892 جنيهًا شهريًا وفق هذا المتوسط الحسابي، في حين أن بنودًا مثل السكن والمرافق والاتصالات لا تنخفض إلى النصف بمجرد انخفاض عدد أفراد الأسرة من أربعة إلى اثنين، ومن ثم التكلفة الفعلية لزوجين حديثي الزواج ممكن ترتفع أعلى من هذا الرقم، لاسيما في حالة تحمل الزوجين تكلفة إيجار مستقل ومستوى إنفاق متوسط.

نشعر بأننا نعيش في بلد آخر
وعلى أرض الواقع، يقول كريم حسن، ” 27 عامًا”، ويعمل محاسب بشركة قطاع خاص خارج نطاق المناطق الصناعية، إنه عندما يسمع التصريحات الرسمية التي تتحدث عن وصول أجور الشباب في المناطق الصناعية إلى 15 ألف جنيه وكأنها تعميم، نكاد نشعر بأننا نعيش في بلد آخر.
وأضاف حسن في حديثه لـ”ليبرالي”، أنه يعمل منذ 4 سنوات في الشركة حاليًا، وراتبه لا يتعدى الـ 9 آلاف جنيه، وهناك زملاء له في شركات أخرى يخوضون نفس ساعات العمل ولا يتجاوز رابتهم حاجز الـ 8 آلاف جنيه، منوهًا بأنه إذا رغب في الزواج وبناء مستقبل بهذا الأجر، يحتاج لسنوات “كتير” من الادخار الكامل “دون أن أكل أو أشرب”، مؤكدًا على أن القطاع الخاص بعيدًا عن المصانع الكبرى يعاني من تهميش حقيقي في مستوى الأجور، ما يجعله هو وما على شاكلته محاصر بين رواتب ضئيلة وغلاء يلتهم كل شيء.
ووفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، كشفت النشرة السنوية لإحصاءات التوظف والأجور وساعات العمل عن عام 2024، عن تسجيل متوسط الأجر النقدي الشهري للعاملين في القطاع العام وقطاع الأعمال 14.66 ألف جنيه، مقابل 5796 جنيهًا للعاملين في القطاع الخاص، أي أن القطاع العام يتفوق بقرابة الـ 2.5 ضعف القطاع الخاص.

الشاب الذي يتقاضى 15 ألف جنيه.. يؤمن يومه “بشق الأنفس”
معاناة أخرى يسردها، عبدالرحمن عبدالقادر، “30 عامًا”، ويعمل مدرس لغة عربية في إحدى المدارس الخاصة بمدينة نصر، ويقطن حاليًا في العبور، ومتزوج منذ 6 أشهر، كاشفًا عن جانب أكثر ضبابية من المعيشة في ظل دخل شهري ينفق عليه وعلى زوجته يُقدر بقرابة الـ 15 ألف جنيه شهريًا، متضمنًا الراتب الأساسي بالإضافة للحصيلة من الدروس الخصوصية.
وبتعبيرات وجه يكسوها الحزن أوضح عبدالقادر في حديثه لـ”ليبرالي”، أنه يعمل في التدريس عقب انتهاء فترة الجيش، منذ 8 سنوات تقريبًا، تنقل بين المدارس حتى استقر في المدرسة التي يعمل بها حاليًا وراتبه 8500 جنيه، والدروس الخصوصية تساعده على استكمال الشهر دون سلف – كما يقول-، قائلًا:” الشاب الذي يتقاضى 15 ألف جنيه يصرخ من ضغط المصاريف ولا يستطيع تأمين يومه إلا بشق الأنفس”.
ما يعزز من حديث عبدالرحمن عبدالقادر، ما كشفت عنه أرقام التضخم، حيث شهدت معدلات التضخم في مصر 2025 تراجع متوسط معدل التضخم الحضري السنوي إلى 11.8%، قبل أن يعاود الارتفاع خلال 2026، إذ سجل التضخم الحضري السنوي 14.9% في يوليو 2026، وفق أحدث بيانات منشورة من البنك المركزي.
تكلفة السكن أحد أهم البنود لتحديد حجم الإنفاق الشهري
وفي السياق ذاته، قال الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، إن تحديد الدخل الشهري الذي تحتاجه الأسرة المكونة من زوج وزوجة لا يمكن اختزاله في رقم واحد ثابت، لأن احتياجات الأسرة تختلف وفق طبيعة السكن وموقعه، وما إذا كانت الشقة تمليكًا أو إيجارًا، فضلا عن نمط الاستهلاك ومستوى المعيشة.
وأضاف “عبدالهادي” في حديثه لـ”ليبرالي”، أن تكلفة السكن تُمثل أحد أهم البنود التي تحدد حجم الإنفاق الشهري، خاصة بالنسبة لحديثي الزواج الذين يتحملون في كثير من الحالات قيمة إيجار شهرية إلى جانب باقي المصروفات الأساسية.
وأشار الخبير الاقتصادي، إلى أن الزوجين يحتاجان شهريًا إلى تغطية مجموعة من النفقات الأساسية، في مقدمتها الطعام والشراب، ثم السكن والمرافق من كهرباء ومياه وغاز، إلى جانب المواصلات، والاتصالات، والإنترنت، والاحتياجات المنزلية.

الزوج والزوجة يحتاجان 20 ألف جنيه شهريًا لتغطية احتياجاتهما الأساسية
وأفاد “عبدالهادي”، بأن ارتفاع الأسعار خلال الفترة الماضية جعل الأسرة مطالبة بإعادة ترتيب أولوياتها بصورة مستمرة، موضحًا أن ارتفاع تكلفة السلع والخدمات لا يأتي فقط من التضخم المحلي، وإنما يتأثر أيضًا بتكلفة الاستيراد وأسعار الطاقة وسعر الصرف والتغيرات في الاقتصاد العالمي.
وأوضح الخبير الاقتصادي، أن الأسرة المكونة من زوج وزوجة، في حالة الاعتماد على مسكن بالإيجار والعيش بمستوى متوسط، يمكن أن تحتاج إلى مبلغ شهري يتراوح ما بين 15 إلى 20 ألف جنيه شهريًا لتغطية احتياجاتهما الأساسية، مع اختلاف الرقم من أسرة لأخرى وفقًا لمكان السكن وقيمة الإيجار وطبيعة العمل ومستوى الاستهلاك، منوهًا بأن الأرقام لا تعني حياة “مرفهة”، وإنما لتوفير الاحتياجات الأساسية مع وجود هامش محدود للمصروفات الطارئة.
ولفت “عبد الهادي” إلى أن فاتورة الكهرباء والمياه والغاز يمكن أن تُقدر في المتوسط بـ 1500 جنيه شهريًا، إلى جانب 2500 جنيه للمواصلات، لاسيما إذا كان الزوجين يعملان ويحتاجان إلى التنقل يوميًا، بخلاف 700 جنيه للاتصالات والإنترنت، وهي مصروفات أصبحت أساسية وليست من بنود الرفاهية بالنسبة للأسرة الحديثة.

المشكلة لا تتعلق بحجم المصروفات
وشدد الخبير الاقتصادي، على أن التفاوت في الدخل ما بين 15 لـ 20 ألف جنيه، يكون كافيًا لأسرة في منطقة منخفضة التكلفة، بينما من الممكن أن لا يكفي أسرة أخرى في مدينة ذات إيجارات مرتفعة، وهو ما يجعل تكلفة السكن تحديدًا العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد الدخل المطلوب للأسرة حديثة الزواج.
بدوره، قال الدكتور عاطف الشيتاني، مقرر المجلس القومي للسكان السابق، إن تكلفة المعيشة أصبحت أحد أبرز التحديات التي تواجه الشباب بعد الزواج، لافتًا إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بحجم المصروفات، وإنما بقدرة الدخل على ملاحقة الارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات.
وأضاف “الشيتاني” في حديثه لـ”ليبرالي”، أن الزوجين حديثي الزواج يحتاجان إلى دخل شهري يقترب من 20 ألف جنيه على الأقل لتغطية الاحتياجات الأساسية بصورة مقبولة، إذا كانا يعيشان في مسكن مستقل ويتحملان نفقات الطعام والمرافق والانتقالات والاتصالات والاحتياجات المنزلية، مع اختلاف الرقم بطبيعة الحال من منطقة إلى أخرى وفقًا لقيمة الإيجار ونمط الإنفاق ومستوى المعيشة.
التضخم يرفع تكلفة الحياة اليومية بالكامل
وأكد مقرر المجلس القومي للسكان السابق، أن الأعباء الاقتصادية لا تبدأ بعد الزواج فقط، وإنما تسبق تكوين الأسرة، بداية من تكاليف تجهيز المسكن وشراء الأثاث والأجهزة المنزلية، وصولا إلى المصروفات الشهرية التي يتحملها الزوجان بعد بدء حياتهما المستقلة، وهو ما يدفع كثيرًا من الشباب إلى الاعتماد على مساعدة الأهل خلال السنوات الأولى.
وأشار “الشيتاني” إلى أن التضخم لا يضغط على ميزانية الأسرة من خلال زيادة سعر سلعة واحدة، وإنما يرفع تكلفة الحياة اليومية بالكامل، منوهًا بأن ارتفاع أسعار الغذاء والمواصلات والخدمات والاحتياجات المنزلية يجعل الدخل يتآكل بصورة أسرع، ويضطرهما إلى إعادة ترتيب الأولويات والتنازل عن بعض البنود غير الأساسية، وتزداد حدة المشكلة عندما لا تتحرك الدخول بنفس سرعة ارتفاع الأسعار، لأن زيادة الراتب اسميًا لا تعني بالضرورة تحسن القدرة الشرائية للأسرة.






