نيفين ياقوت
نيفين ياقوت

إذا عجزت عن القيادة… فاترك المقعد لغيرك

المنصب ليس وجاهة اجتماعية، ولا لقبًا يسبق الاسم، ولا مكتبًا فخمًا تُلتقط فيه الصور التذكارية، المنصب مسؤولية، وأمانة، وقرار، وقدرة على إدارة الأزمات قبل إدارة الأشخاص.

فليس المطلوب من المدير أن يعمل في الظروف المثالية، بل أن يثبت كفاءته عندما تضيق الإمكانات وتتعقد المشكلات، فالقائد الحقيقي هو من يصنع الحلول، لا من يعدد العقبات، ومن يبحث عن الفرص، لا عن الأعذار.

مدير المستشفى الذي يواجه نقصًا في الأدوية أو المستلزمات الطبية، أو عجزًا في التمريض أو الأطباء أو عمال النظافة، لا يجوز أن يكتفي بالشكوى أو انتظار الفرج، أول واجباته أن يرفع الأمر إلى الجهات المختصة كتابةً لإثبات الواقع وإخلاء مسؤوليته، وأن يطالب بالدعم اللازم بصورة مستمرة.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن تتوقف جهوده عند حدود المخاطبات الرسمية، بل عليه أن يتحرك خارج الصندوق، وأن يفتح أبواب التعاون مع رجال الأعمال، والمستثمرين، ومؤسسات المجتمع المدني، والجمعيات الأهلية، والمتبرعين، وكل من يستطيع المساهمة في سد الاحتياجات، وفق الضوابط القانونية والشفافية الكاملة، فكم من مستشفى ومدرسة نهضت بفضل مدير امتلك الإرادة قبل الإمكانات.

أما إذا استنفد المدير جميع الوسائل، وعجز عن توفير الحد الأدنى الذي يضمن سلامة المرضى وجودة الخدمة، فعليه أن يتحلى بالشجاعة الأدبية، ويعلن أسباب عجزه بوضوح، ثم يترك المسؤولية لمن يملك القدرة على إدارتها. فالاستمرار في منصب لا يستطيع صاحبه أداء واجباته فيه ليس بطولة، وإنما تحميل للمواطنين ثمن هذا العجز.

والأمر ذاته ينطبق على مدير المدرسة، فالمدرسة ليست مبنىً يفتح أبوابه صباحًا ويغلقها ظهرًا، وإنما مؤسسة تصنع الإنسان، ومدير المدرسة ليس مسؤولًا عن الجداول الدراسية فقط، بل عن الانضباط، والأمن، والسلوك، والقيم، والبيئة التعليمية بأكملها.

يجب أن يكون على علم بكل ما يدور داخل المدرسة، وأن يتابع أداء المعلمين والإداريين والعمال، ويحتوي مشكلات الطلاب قبل أن تتفاقم، ويستخدم الثواب والعقاب بعدل، ويطور أساليب الإدارة والتربية، ويهتم بالدعم النفسي والاجتماعي، ويبني جسور الثقة مع أولياء الأمور، لأن الأسرة والمدرسة شريكان في التربية.

وعندما يواجه مشكلة تتجاوز صلاحياته، فإن واجبه أن يخطر الإدارة التعليمية فورًا، وأن يطلب الدعم والمساندة، لا أن يترك الأزمة تتفاقم حتى تتحول إلى كارثة. فالإدارة العليا لا تستطيع معالجة مشكلة لا تعلم بوجودها.

إن ثقافة الصمت أخطر من نقص الإمكانات، لأن المشكلة التي لا تُبلغ لا يمكن حلها، بينما المشكلة التي تُعرض بشفافية تفتح أبواب الدعم والمساندة.

لسنا بحاجة إلى مدير يجلس خلف مكتبه يوقع الأوراق، بل إلى قائد ميداني يرى بعينيه، ويسمع بأذنيه، ويتخذ القرار في الوقت المناسب، ويستثمر كل الموارد المتاحة لخدمة المؤسسة التي يقودها.

إن الاعتراف بعدم القدرة ليس ضعفًا، بل شجاعة. أما التمسك بالمنصب مع استمرار الفشل فهو ظلم للمواطن، وإهدار للمال العام، وتعطيل لمصالح الناس.

مصر تمتلك الكفاءات، لكنها تحتاج إلى أن يتصدر المشهد أصحاب الفكر، وأهل المبادرة، والقادرون على تحويل الأزمات إلى فرص، لا من يكتفون بإحصاء المشكلات وانتظار من يحلها نيابة عنهم.

فالقيادة ليست كرسيًا… بل مسؤولية. ومن لا يستطيع حمل هذه المسؤولية، فليتركها لمن هو أقدر عليها، احترامًا للوطن، ولحق المواطن في خدمة تليق به.