مقالات

ديون الأسرة.. صورة مصغرة من ديون الدولة

رغم أنني لم أدرس الاقتصاد، ولست متخصصة في المحاسبة أو الإدارة المالية، فإنني أحيانًا أتساءل: هل تحتاج إدارة اقتصاد الأسرة إلى شهادة في الاقتصاد؟!.

كل ربة منزل تعرف بالفطرة كيف تحسب ميزانية بيتها؛ تجمع راتب الزوج والزوجة إن كانت تعمل، وتضيف أي دخل آخر للأسرة، ثم تبدأ في حساب المصروفات والاحتياجات الأساسية.

وفي النهاية، تظهر الحقيقة ببساطة: إذا كانت الإيرادات أقل من المصروفات، فهناك خلل.

وقد تلجأ الأسرة إلى الاقتراض من البنك لتوفير احتياجات لا تستطيع شراءها من دخلها الحالي، لكن السؤال الأهم: هل القرض حل للمشكلة، أم أنه مجرد تأجيل لها؟.

القرض قد يحل أزمة مؤقتة، لكنه لا يستطيع أن يعالج عجزًا مستمرًا، العلاج الحقيقي هو زيادة الدخل، وتقليل الإنفاق غير الضروري، وزيادة الإنتاج.

وهنا يبدأ التشابه بين الأسرة والدولة.

الدولة أيضًا أسرة كبيرة.

الدولة، مثل الأسرة، لديها موارد وإيرادات، ولديها في المقابل التزامات ومصروفات، وإذا أصبح الإنفاق أكبر من الموارد بصورة مستمرة، تبدأ الدولة في البحث عن الاقتراض.

لكن الاقتراض في حد ذاته ليس هو المشكلة؛ فالدول تقترض لأسباب كثيرة، وقد يكون الاقتراض منطقيًا إذا كان موجَّهًا إلى مشروعات تزيد الإنتاج وتخلق موارد جديدة.

أما الخطورة فتبدأ عندما يتحول الاقتراض إلى وسيلة لسد فجوة تتكرر عامًا بعد عام، دون أن تتواكب معه زيادة حقيقية في الإنتاج والدخل.

فلا يمكن أن نعالج عجز الميزانية بالديون إلى ما لا نهاية.

وكما نقول داخل الأسرة: “بدل ما نستلف كل شهر، نشوف إزاي نزود دخل البيت”، يجب أن يكون السؤال على المستوى الوطني: كيف نزيد إنتاج الدولة؟ وكيف نفتح أبوابًا جديدة للدخل والتصدير؟.

أين قوة الشباب في المعادلة؟

داخل الأسرة، إذا كان هناك أبناء في سن العمل ولا يعملون، أو يعملون ولا يساهمون في تحمل مسؤوليات البيت، فإن العبء يقع على عدد أقل من أفراد الأسرة.

والأمر نفسه يحدث في المجتمع.

نحن نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا بصدق: هل كل طاقات شبابنا يتم توجيهها إلى ما يزيد إنتاج المجتمع؟.

شباب يتركون التعليم أو لا يجدون فيه طريقًا واضحًا إلى سوق العمل، ثم يتجهون إلى أعمال سريعة العائد، مثل قيادة التوك توك، أو يقضون ساعات طويلة على منصات التواصل الاجتماعي بحثًا عن مشاهدات وأرباح.

أنا لا أقلل من قيمة أي عمل شريف، ولا أقول إن قيادة التوك توك عمل غير محترم، كما أن صناعة المحتوى يمكن أن تكون مهنة حقيقية ومفيدة إذا كانت منتجة وهادفة.

لكن المشكلة عندما يتحول العمل السهل والسريع إلى بديل دائم عن التعليم والمهارة والإنتاج.

هنا نخسر شيئًا أكبر من وظيفة؛ نخسر طاقة بشرية كان يمكن أن تتحول إلى مهندس، وفني، ومبرمج، وصانع، ومزارع حديث، ومصدر للمنتجات والخدمات.

أين الإنتاج الذي يواجه الاستهلاك؟

لا يمكن أن نطلب من المواطن أن يستهلك منتجات محلية بينما لا نوفر له إنتاجًا محليًا كافيًا ومنافسًا.

ولا يمكن أن نطالب الشباب بإنشاء مشروعات صغيرة، ثم نتركهم يواجهون التعقيدات الإدارية، وارتفاع تكلفة التشغيل، وصعوبة الحصول على المواد الخام، ومشكلات التسويق والتراخيص.

المشروع الصغير لا يحتاج فقط إلى أن نقول لصاحبه: “ابدأ مشروعك”.

إنه يحتاج إلى بيئة تسمح له بأن يعيش وينمو ويبيع ويحقق ربحًا ويوظف آخرين ثم يتوسع ويصدر.

وهنا أتوقف عند ملف المشروعات الصغيرة والحرف اليدوية.

هل المعارض تساعد أصحاب المشروعات الصغيرة فعلًا؟.

لدينا مبادرات ومعارض تستهدف دعم أصحاب الحرف والمنتجات اليدوية، وهو أمر مهم ومطلوب، ومن بينها معرض “ديارنا” الذي أصبح اسمًا معروفًا في هذا المجال.

لكن الدعم الحقيقي لا يقاس بعدد اللافتات والصور والافتتاحات، وإنما بالسؤال البسيط:

كم ربح صاحب المشروع من مشاركته؟.

خلال وجودي في أحد المعارض، تحدثت مع إحدى السيدات المشاركات وسألتها عن تكلفة إيجار المكان، فأخبرتني – بحسب ما ذكرت لي – أن المشاركة في أحد المعارض بمكتبة الإسكندرية لمدة ثلاثة أيام بلغت نحو 7 آلاف جنيه، بينما ذكرت أن المشاركة في معرض “ديارنا” في مارينا بلغت نحو 40 ألف جنيه.

وهنا أطرح السؤال، وليس اتهامًا لأحد:

إذا كان صاحب المشروع الصغير يحقق هامش ربح محدودًا، فهل هذه التكلفة تمثل دعمًا حقيقيًا له؟.

صاحب الحرفة يحتاج إلى سوق يستطيع دخولها، لا إلى مكان يدفع فيه مبلغًا كبيرًا لمجرد أن يضع منتجاته أمام الجمهور.

نحن نريد أن يتحول المعرض من مناسبة إعلامية إلى منصة بيع حقيقية.

نريد أن يخرج صاحب المشروع من المعرض وقد باع منتجاته، واستعاد تكلفته، وحقق ربحًا، وتعرف على عملاء جدد، وربما فتح أمامه بابًا للتصدير.

هذا هو معنى الدعم.

والمشروعات المتنقلة.. لماذا نُصعّب الطريق على أصحابها؟

لدينا أيضًا نماذج لشباب حاولوا الدخول إلى سوق العمل من خلال مشروعات صغيرة، ومنها وحدات الطعام المتنقلة.

الفكرة في الأصل جيدة: شاب يمتلك عربة، يعمل بيده، ويكسب رزقه، وربما يشغل معه آخرين.

لكن إذا تحول تجديد الترخيص إلى معاناة، وأصبح صاحب المشروع يشعر أنه في مواجهة مستمرة مع الإجراءات والجهات المحلية، فكيف نطلب منه أن يستثمر ويتوسع؟.

المستثمر الصغير لا يحتاج إلى معاملة استثنائية، لكنه يحتاج إلى قانون واضح، وإجراءات واضحة، وجهة إدارية تساعده على الالتزام بدلًا من أن تجعله يخشى كل خطوة.

والدولة التي تريد زيادة الإنتاج يجب أن تجعل الطريق أمام المنتج أسهل من الطريق أمام البطالة.

نريد شبابًا منتجًا.. لا شبابًا مستهلكًا فقط

نحن أمام معادلة بسيطة:

المستهلك يحتاج إلى منتج، والمنتج يحتاج إلى عامل، والعامل يحتاج إلى تعليم ومهارة، والمشروع يحتاج إلى تمويل وسوق، والسوق يحتاج إلى قوة شرائية، والدولة تحتاج إلى ضرائب وعوائد وتصدير.

كلها حلقات متصلة.

فإذا أضعنا حلقة منها، تأثرت باقي الحلقات.

ولهذا فإن مواجهة الديون لا تكون فقط بالبحث عن مصادر اقتراض جديدة، وإنما ببناء اقتصاد يستطيع أن ينتج أكثر مما يستهلك، ويصدر أكثر مما يستورد في القطاعات التي نملك فيها ميزة وقدرة تنافسية.

لماذا نصدر الخام ثم نستورد المنتج؟

من أكثر الأسئلة التي يجب أن تشغلنا:

لماذا لا نستفيد من ثرواتنا ومواردنا الطبيعية في إقامة صناعات تقوم عليها داخل مصر، بدلًا من تصدير المواد الخام ثم استيراد منتجات مصنعة منها بأسعار أعلى؟.

القيمة الحقيقية ليست دائمًا في المادة الخام.

القيمة الأكبر تكون في التصنيع، والتكنولوجيا، وسلاسل الإنتاج، وفرص العمل، والتصدير.

عندما نصنع المادة الخام محليًا، فإننا لا نبيع منتجًا فقط؛ نحن نوفر فرص عمل، ونشغل مصانع، ونحرك النقل والخدمات، ونزيد الخبرات، ونفتح أبوابًا للتصدير.

وهكذا تتحول الثروة من مجرد مورد يُستخرج ويُباع إلى اقتصاد متكامل يولد دخلًا متكررًا.

الدولة تحتاج إلى “ربة منزل” تدير اقتصادها!

ربما تبدو الفكرة ساخرة، لكنها ليست كذلك.

ربة المنزل الناجحة لا تقول: “ليس معي مال، إذن سأقترض كل شهر”.

بل تقول:

ماذا أحتاج فعلًا؟.

ماذا يمكنني الاستغناء عنه؟.

كيف أزيد دخلي؟.

كيف أستفيد من إمكانيات أفراد الأسرة؟.

كيف أستثمر ما أملك؟.

وكيف أجعل ما يدخل البيت أكبر من أو يساوي ما يخرج منه؟.

وهذه ليست محاسبة معقدة، وإنما ثقافة إدارة.

لذلك، نحن لا نحتاج فقط إلى مواجهة الديون، وإنما إلى مواجهة أسبابها.

نحتاج إلى تعليم ينتج مهارات حقيقية، وصناعة قوية، ومشروعات صغيرة قابلة للنمو، وزراعة حديثة، وتشجيع حقيقي للتصدير، وتسهيل الحصول على المواد الخام، وتقليل التعقيدات أمام المستثمر الصغير، وربط التعليم باحتياجات سوق العمل.

نحتاج إلى أن تصبح الدولة معينا وسندا للمنتج، لا مجرد جهة تطلب منه الرسوم والتراخيص.

وأخيرًا…

كما أن الأسرة لا يمكن أن تعيش على القروض إلى الأبد، فإن الدولة أيضًا لا يمكن أن تبني مستقبلها على الاقتراض وحده.

الدين قد يمنحنا وقتًا، لكنه لا يصنع اقتصادًا.

أما الإنتاج والعمل والتصنيع والتصدير والاستثمار في الإنسان، فهي التي تصنع الموارد.

وإذا أردنا دولة قوية اقتصاديًا، فعلينا أن نبدأ من السؤال الذي تعرفه كل ربة منزل:

“إحنا دخلنا كام.. وإحنا بنصرف كام.. وإزاي نزود الدخل؟”.

لأن الحل في النهاية ليس أن نستدين أكثر…

بل أن ننتج أكثر

زر الذهاب إلى الأعلى