من مدرسة المتفوقين إلى أزمة التنسيق
عندما قررت الدولة تبني ووضع نظام تعليمي خاص للطلبة المتفوقين بالمرحلة الإعدادية، وإلحاقهم بمدارس حكومية مخصصة لهم بعد التأكد من اجتيازهم اختبارات غاية في الدقة والشفافية، حيث أنه ليس كل طالب متفوق مجرد رقم في كشف درجات، وليس كل تعليم يمكن أن يخضع للقواعد نفسها.
لكنهم طلاب اختارتهم الدولة بعناية، للالتحاق بمدارس STEM التي أنشئت من الأساس لاكتشاف ورعاية المتفوقين في العلوم والرياضيات والتكنولوجيا والهندسة، فما نوعية الدراسة التي يتلقاها هذا الطالب؟.
هذا الطالب يدخل منظومة تعليمية قائمة على البحث والتجربة والمشروعات والعمل الجماعي، ويخوض سنوات دراسية في بيئة مختلفة، وفي كثير من الحالات يضطر إلى الدراسة بعيدًا عن محل إقامته؛ لأن مدارس STEM ليست موجودة في كل المحافظات.
ثم فوجئوا بأن وجدوا أنفسهم عند بوابة الجامعة، أمام قواعد تنسيق تثير أسئلة مشروعة حول مدى توافقها مع طبيعة المسار التعليمي الذي خاضوه.
وهنا تحديدًا تبدأ أزمة طلاب مدارس المتفوقين للعلوم والتكنولوجيا STEM ، حيث أنهم فوجئوا بتطبيق قواعد التوزيع الجغرافي في تنسيق 2026، بعد أن كانت القواعد السابقة تتضمن إعفاء خريجي STEM من التوزيع الجغرافي عند ترشيحهم للكليات الجامعية.
فأي تناقض هذا !!؟، كيف نطلب من الطالب أن يتجاوز حدوده الجغرافية عندما يلتحق بمدرسة STEM، ثم نعيد تقييده بها عند دخوله الجامعة؟.
لقد أشارت تقارير عن الأزمة الحالية إلى أن بعض الطلاب يدرسون في محافظة غير محافظة محل إقامتهم، وأن تطبيق التوزيع الجغرافي في التنسيق أصبح يمثل قيدًا جديدًا على اختياراتهم الجامعية.
هذه ليست مسألة رفاهية، وإنما مسألة اتساق في السياسات التعليمية.
صحيح أن الأزمة الحالية لا تخص مئات الآلاف، ولكنها تخص دفعة يقدر عددها بنحو 1900 طالب وطالبة، ولكن قيمة القضية أكبر كثيرًا من عدد الطلاب؛ لأن هؤلاء هم جزء من الثروة البشرية التي تقول الدولة إنها تريد الاستثمار فيها، والأهم من ذلك أن الطلبه الملتحقين بها من كافة الطبقات، ولكنهم اشتركوا في شئ واحد وهو التفوق والعبقرية، فطالب STEM لا يعيش تجربة الثانوية العامة التقليدية.
الدولة تستثمر في الطالب.. ثم ماذا؟
إذا كانت الدولة قد أنشأت مدارس STEM لتكتشف النوابغ وتدفعهم نحو العلوم والتكنولوجيا والبحث والابتكار، فإن منظومة التعليم يجب ألا تتوقف عند باب المدرسة.
إذا كان أغلب طلاب هذه المنظومة من أصحاب المستويات المرتفعة جدًا، فهل من المنطقي أن تكون المعركة الأساسية بعد التخرج حول قواعد توزيع المقاعد بدلا من استثمار هذا التفوق؟.
إذا كانت الدولة تريد تعديل قواعد قبول طلاب STEM، فيجب إعلان ذلك مبكرًا، وليس قبيل التنسيق.
فالقاعدة التي تؤثر بصورة جوهرية في مستقبل الطالب يجب أن تكون معلومة له ولأسرته قبل أن يبدأ الرحلة، لا أن تظهر عند نهايتها.
وفي النهاية أود أن أقول إن مراحل اختيار المتفوق تتلخص في تعليمه بصورة مختلفة ، تنمية قدراته ، إتاحة مسار جامعي مناسب ، توجيهه إلى البحث والابتكار ثم الاستفادة منه في سوق العمل ومشروعات الدولة.
أما أن ننجح في المرحلة الأولى والثانية، ثم نترك الطالب أمام نظام قبول لا يعكس طبيعة دراسته، فهنا يجب أن نسأل أنفسنا: هل نمتلك منظومة لاكتشاف المتفوقين فقط، ثم لا نمتلك قرار استكمالها بصورة حقيقية لصناعة العلماء؟ طالما أن مصدر الإنفاق عليها المعونة الأمريكية!.



