مقالات

“دار الكرامة”.. مبادرة وطنية لرعاية المطلقات غير القادرات ممن تجاوزن الخمسين

هناك فئة من النساء عاشت عمرها كله تؤمن بأن رسالتها الأولى هي بناء الأسرة، فتخلت عن العمل والطموح الشخصي، وكرست سنوات شبابها لخدمة زوجها وتربية أبنائها، ولكن ربما تنتهي رحلة الزواج بالطلاق لبعضهن،

فتصدم بالواقع المرير الذي تجد فيه نفسها وحيدة، بلا مصدر دخل، ولا معاش، ولا حق في نفقة الحاضنة، سواء لأنها لم تُرزق بأبناء، أو لأن حضانة أبنائها انتهت وانتقلوا إلى والدهم وفقًا لأحكام القانون.

هذه المرأة لم ترتكب خطأ، ولم تقصر في أداء رسالتها، لكنها استنفذت سنوات من العطاء حتى أصبحت في خريف العمر لتواجه الحياة بلا سند ولا مأوى.

من هنا أردت أن أطلق مبادرة اسميتها “دار الكرامة”، لتكون مشروعًا إنسانيًا وتنمويًا يتبناه رجال الأعمال وأصحاب الثروات وأهل الخير، تحت إشراف وزارة التضامن الاجتماعي، بهدف إنشاء دور إقامة متكاملة في مختلف المحافظات، تراعي المستوى الاجتماعي والبيئي لكل منطقة، وتوفر للمستفيدات حياة كريمة وآمنة.

ولا يتم قبول أي حالة إلا بعد إجراء بحث اجتماعي دقيق بواسطة فريق من الباحثين الاجتماعيين، للتأكد من استحقاقها الفعلي للدعم، بما يضمن وصول المساعدة إلى مستحقيها بكل عدالة وشفافية.

ولا تقوم فكرة الدار على الإيواء فقط، بل على استعادة قيمة الإنسان، فكل سيدة تمتلك خبرة أو مهارة أو علمًا يمكن أن يصبح وسيلة لخدمة المجتمع، فمن تجيد الطهي تشارك في المطابخ الإنتاجية، ومن تجيد الخياطة تساهم في مشروعات الملابس والأسر المنتجة، ومن تمتلك خبرة في التمريض تقدم خدمات الرعاية للمسنين، ومن تستطيع القراءة والكتابة تشارك في فصول محو الأمية، ومن تمتلك أي حرفة أو موهبة تُمنح الفرصة لتوظيفها في خدمة الآخرين.

وبذلك تتحول الدار إلى مجتمع منتج، تشعر فيه المرأة بأنها ما زالت قادرة على العطاء، وأنها عضو فاعل في وطنها، لا عبء على أحد.

إن هذه المبادرة ليست مشروعًا خيريًا فحسب، بل رسالة وفاء لنساء قدمن أجمل سنوات أعمارهن في بناء أسرهن، ومن حقهن أن يجدن في وطنهن من يرد لهن الجميل ويحفظ لهن الكرامة.

وأتشرف بأن أكون صاحبة هذه المبادرة والمشرفة عليها، داعيةً كل رجال الأعمال والمؤسسات الوطنية وأهل الخير إلى المشاركة في تأسيس هذا المشروع الإنساني، ليصبح نموذجًا للتكافل الاجتماعي، ورسالة تؤكد أن المجتمع الذي يحترم المرأة في ضعفها هو مجتمع يحترم نفسه ويصون قيمه.

أرى أيضًا أن هذه المبادرة يمكن أن تُطوَّر إلى مشروع قانون أو مبادرة قومية تتبناها وزارة التضامن الاجتماعي بالشراكة مع القطاع الخاص والمجتمع المدني، بحيث لا تقتصر على الإيواء، بل تشمل التأمين الصحي، والدعم النفسي، والتدريب، وفرص العمل المناسبة، مما يجعلها أكثر استدامة وتأثيرًا.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى