بعد استبعاد من تجاوزوا 35 عامًا.. حلم شقق الإيجار التمليكي يتحول إلى صدمة للشباب
بين أحلام تكوين الأسرة وشروط الاستحقاق.. أصوات متضررة تطالب بمراجعة سقف السن وخبراء يدعون إلى ربط الدعم بالاحتياج الفعلي

الدكتورة هالة يسري: ربط الدعم السكني بسن معينة يتجاهل واقع الشباب ويعمق شعورهم بالتهميش
الدكتور محمد السعيد: فلسفة الدعم يجب أن تقوم على الحاجة ومستوى الدخل لا العمر
كمن يسير عكس التيار، وبخطوات تثقلها الهموم، يطرق جيل من الشباب أبواب الثلاثينيات باحثًا عن مكان يبدأ فيه رحلته نحو تكوين حياته الأسرية، وفي اللحظة التي ينتظر فيها يدًا تمتد لتعينه على مواجهة جنون العقارات والإيجارات، يأتي قرار الإسكان ليضع خطًا أحمر عند سن الـ 35 كحد أقصى للحصول على شقق الإيجار التمليكي.
وما بين رغبة مشروعة في الستر، وقرارات تبدو بعيدة عن نبض الشارع، يرتفع السؤال المؤلم: هل أصبح حق الشاب في مسكن يأويه مؤجلاً بحكم السن؟.

تلبية مطالب عدد كبير من المواطنين
أعلنت المهندسة راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، عن استعداد صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري التابع للوزارة، لطرح 15 ألف وحدة سكنية بنظام الإيجار بعددٍ من المحافظات والمدن الجديدة، وذلك خلال شهر، وفقًا للشروط التي اعتمدها مجلس الوزراء.
وأضافت “المنشاوي”، أن هذا الطرح يأتي تنفيذًا للتوجيهات الصادرة من الرئيس عبدالفتاح السيسي، بشأن طرح وحدات سكنية بنظام الإيجار الشهري للمواطنين، بما يسهم في تلبية مطالب عدد كبير من المواطنين على مستوى الجمهورية فيما يتعلق بالحصول على وحدات سكنية وفقا لإمكاناتهم وقدراتهم المالية.
ومن جانبها، أشارت مي عبد الحميد، الرئيس التنفيذي لصندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري، إلى أن الإعلان الجديد بنظام الإيجار للصندوق يتضمن طرح 8384 وحدة بمساحة 90 م²، و80 وحدة بمساحة 75 م² بالمحافظات.

لا يزيد سن المتقدم عن 35 عامًا
وأضافت “عبد الحميد”، أن الوحدات المطروحة من خلال الصندوق بالمحافظات، بمساحة 90 م²، تقع في محافظات: القاهرة، الجيزة، القليوبية، المنوفية، دمياط، الإسماعيلية، السويس، البحيرة، بني سويف، الفيوم، أسيوط، سوهاج، قنا، الأقصر، أسوان، مطروح، بينما تشهد محافظة المنيا فقط طرح وحدات بمساحة 75 م².
وأوضحت أن الإعلان يتضمن عدة شروط، موضحة بصورة تفصيلية في كراسة الشروط الخاصة بالإعلان، ومن أبرزها ألا يزيد سن المتقدم عن 35 عامًا، وألا تزيد القيمة المستقطعة شهريًا عن 25% من إجمالي دخل المتقدم لسداد القيمة الإيجارية، علمًا بأن باقي القيمة الإيجارية يتم سدادها في صورة دعم مقدم للمستفيدين.
إعلان سن الـ 35 سنة كحد أقصى لقبول الشباب للحصول على شقة ضمن الـ 15 ألف شقة المزمع طرحها خلال شهر، كما صرحت وزيرة الإسكان، أحدث غُصة وصدمة في نفوس فئة كبيرة من الشباب.

كنت حاطط أمل على الإيجار التمليكي “علشان أتجوز”
قال محمود هشام، فني كاميرات مراقبة، مقيم في حي المطرية، ويبلغ من العمر 38عامًا، إنه خطب مرتين وكان سبب فسخ الخطبة الأولى عدم قدرته على توفير شقة تمليك كانت أو إيجار، وتأجل حفل الزفاف في الخطوبة الثانية لعجزه عن توفير شقة.
وأضاف محمود في حديثه لـ”ليبرالي”، أنه كان يُمني النفس بشقة من شقق الإيجار التمليكي، قائلًا:” كنت حاطط أمل على الإيجار التمليكي علشان أتجوز وأستقر وأنا في سن معقول، ولما يطلع قرار يحدد سن الـ 35 كحد أقصى للحصول على شقة، يبقى كأن الحكومة بتقول لنا: عيشوا في الشارع”.
ومن حيث انتهى محمود هشام، واصل محمد سميح، صاحب الـ 36 عامًا، ويمتهن “النقاشة” والمقيم في الحي العاشر بمدينة نصر، قائلًا:” الـ 35 سنة دول مش نهاية العمر.. بس واضح إنه نهاية الأمل!”.

خارج “الحسبة“
وأضاف سميح في حديثه لـ”ليبرالي”، بنبره لا تخلو من الغُصة وفقدان الأمل: “أنا قضيت سنين عمري بكافح عشان أكون نفس وأقدر أفتح بيت، ويوم ما أقول أخيرًا البلد هتقف جنبي في شقة إيجار تمليكي، يطلع لي قرار يقول لي أنت عديت السن!، يعني عقابنا إننا كافحنا وتأخرنا في الاستقرار بسبب الظروف الصعبة إللي على الكل؟، والمفروض دعم إللي تعب، مش نرميه برا الحسبةَ!”.
تبخُر حلم شقة الإيجار التمليكي، قابله عدد من المختصين برفض تحديد سن الـ 35 سنة كحد أقصى للحصول على الشقة، حيث قالت الدكتورة هالة يسري، أستاذ علم الاجتماع، إن الارتفاع المستمر وغير المسبوق في متوسط سن الزواج في مصر لم يعد مجرد ظاهرة عابرة أو خيارًا شخصيًا للشباب، بل أصبح “عزوفًا قسريًا” فرضته الأزمات الاقتصادية المتتالية.
وأضافت “يسري” في تصريحها لـ”ليبرالي”، أن الشاب المصري في مقتبل حياته المهنية والعملية بات يقف عاجزًا ومحبطًا أمام الفجوة الهائلة بين دخله المحدود والتكلفة الباهظة لتأسيس مسكن مستقل، مضيفة أن أسعار الأجهزة الكهربائية، ومستلزمات التجهيز، وتشطيب الشقق تضاعفت بصورة جعلت أبسط حقوق الإنسان في الاستقرار وتكوين أسرة بمثابة “الحلم المستحيل” أو المغامرة غير المحسوبة النتائج.

تأجيل خطوة الارتباط لسنوات
وأوضحت أستاذ علم الاجتماع أن هذا الوضع الاقتصادي الضاغط أدى إلى تداعيات سلبية خطيرة على المستوى النفسي والاجتماعي للشباب، من أبرزها حالة الإحباط العام، وتأجيل خطوة الارتباط لسنوات متقدمة تتجاوز الثلاثين بكثير.
وأفادت “يسري”، بأن القرارات الحكومية المنقوصة أو التي تضع شروطًا تعجيزية، مثل تقييد الدعم السكني بسن معينة تتجاهل الواقع وتضاعف من شعور الشباب بالتهميش وعدم الأمان، وتعمق الفجوة بين طموحاتهم وبين ما هو متاح على الأرض، داعية إلى تقديم حزم دعم نفسي واجتماعي واقتصادي حقيقية ومدروسة ترتفع بالمعاناة عن كاهل الشباب وتعيد إليهم اليقين بقدرتهم على بناء مستقبلهم بشكل آمن.
وقُدرت بيانات نشرة الزواج الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، عدد عقود الزواج في مصر بـ 936 ألف و739 عقدًا 2024، مقابل 961 ألف و220 عقدًا 2023 بنسبة انخفاض 2.5%، وسجلت أعلى نسبة زواج في الفئة العمرية 25 -30 سنة، حيث بلغ عدد العقود بها 384 ألف و166 عقدًا تمثل 41% من جملة العقـود، وقد بلغ متوسط سن الزوج 30.6 سنة عام 2024.

آثار مدمرة لتأخر سن الزواج
وفي السياق ذاته، حذر الدكتور محمد السعيد، الاستشاري النفسي والاجتماعي، من الآثار العميقة والمدمرة التي يتركها تأخر سن الزواج وصعوبة الحصول على مسكن ملائم في نفسية الشباب المصري، مؤكدًا أن غياب الأفق الاقتصادي والسكني يضع أجيال كاملة تحت طائلة الاكتئاب والشعور بالعجز.
وانتقد “السعيد” في تصريحه لـ”ليبرالي”، شرط وزارة الإسكان الذي يحدد الحد الأقصى لعمر المتقدم لشقق الإيجار المدعوم بـ 35 عاما، معتبرا إياه “شرطًا ضيقًا ومنفصلاً تمامًا عن نبض السوق وواقع الشباب”.
وأكد الاستشاري النفسي، على أن الضغوط الهائلة المرتبطة بغلاء المعيشة وتأمين تكاليف الزواج تفرز حالة من “الإحباط المزمن” لدى الشباب، حيث يجد الشاب نفسه غير قادر على تلبية أبسط احتياجاته الفطرية والاجتماعية في الاستقلال وتكوين أسرة، وهو ما ينعكس سلباً على إنتاجيته وصحته النفسية واستقراره الداخلي.

سقف عمري صارم
وشدد “السعيد” على أن الأرقام الرسمية والواقع العملي، يؤكدان أن متوسط سن الزواج في مصر تجاوز الثلاثين عامًا نتيجة الضغوط الاقتصادية المتلاحقة، مما يعني أن شريحة واسعة وعريضة من الشباب الذي يحلم بالزواج، وتجاوز منتصف الثلاثينات بقليل سيجد نفسه محرومًا تعسفياً من التقديم أو الحصول على شقة من شقق الإيجار التكميلي مستقبلًا.
وأوضح الاستشاري النفسي، أن فلسفة الدعم الحكومي يجب أن تستند بالأساس إلى “الحاجة الفعلية ومستوى الدخل” لا إلى الرقم المكتوب في بطاقة الرقم القومي، منوهًا بأن وضع سقف عمري صارم بهذا الشكل يُحرم الأسر الناشئة الأكثر احتياجا للمسكن الإيجاري، مطالبًا وزارة الإسكان باستبدال شرط السن بمعايير أكثر مرونة.
كما تضمنت التفاصيل الخاصة بالحصول على وحدة إيجار تمليكي، أن المدة الإيجارية للوحدات المطروحة تمتد لمدة 3 سنوات، يمكن أن تجدد لمدة إيجارية إضافية أخرى، وذلك حسب رغبة المواطنين المستفيدين، بشرط أن يكون المواطن المستفيد أوفى بجميع التزاماته المترتبة على التعاقد أو أي تعديل كتابي يطرأ عليه، ويكون التجديد لمدة أخرى مماثلة بالشروط والضوابط والقيمة التي يحددها صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري في حينه.

استكمال الإيجار وفقًا للقيمة الإيجارية السوقية
وأضافت الرئيس التنفيذي لصندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل، مي عبد الحميد، أنه في حالة رغبة المستأجر في الاستمرار فيقوم بتقديم طلب قبل نهاية المدة الثانية بحد أدنى 3 أشهر محدد به رغبته في تملك الوحدة أو استكمال الإيجار وفقًا للقيمة الإيجارية السوقية.
وأشارت “عبدالحميد” إلى إمكانية التحويل من محور الإيجار إلى محور التمليك خلال مدة التعاقد بعد مرور سنة كحد أدنى، وسيتم عمل بحث اجتماعي تقرير استعلام من خلال مديريات وزارة التضامن الاجتماعي أو شركات الاستعلام للتأكد من صحة المستندات المقدمة من المواطنين، واستحقاقهم للحصول على دعم الإيجار، وكذلك إجراء استعلام سبق استفادة من خلال الصندوق للمواطن المتقدم وأسرته (الزوج /الزوجة و/أولاده القصر) الراغبين في التأجير للتأكد من عدم حصولهم على وحدة سكنية إيجار أو تمليك أو قطعة أرض من الدولة أو أي دعم سكنى آخر ومبادرات التمويل العقاري لإقرار مدى استحقاقهم لدعم الايجار من عدمه.
وأكدت مي عبد الحميد أن الإعلان الجديد سيساهم في تنويع الخيارات التي يطرحها صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري أمام المواطنين للحصول على وحدة سكنية، بما يتناسب مع الظروف الاجتماعية والمالية الخاصة بهم.






