فن ومنوعات

من الموانئ إلى الملفات السرية.. رحلة صالح مرسي إلى عالم الجواسيس

لم يبدأ صالح مرسي حياته كاتبًا للجواسيس، ولم يكن عالم المخابرات هو الباب الذي دخل منه إلى الأدب، على العكس، جاءت بداياته من أماكن تبدو بعيدة تمامًا عن الملفات السرية: البحر، والموانئ، وحكايات البحارة، والصحافة، والفلسفة، ثم القصة القصيرة.

قبل “رأفت الهجان” و”دموع في عيون وقحة” و”الصعود إلى الهاوية”، كان هناك كاتب آخر يراقب البشر أكثر مما يراقب العمليات السرية؛ يستمع إلى الحكايات، يلتقط التفاصيل، ويبحث عن الإنسان المختبئ خلف الخوف والهزيمة والحلم.

وحين وصل إلى عالم المخابرات، لم يترك ذلك الكاتب وراءه، بل حمله معه إلى الملفات المغلقة، لذلك لم تكن أهميته في أنه نقل قصصًا من ملفات المخابرات إلى الأدب والدراما فحسب، وإنما في أنه منح تلك الملفات حياة وشخصيات وصراعًا، وحوّل وقائع تبدو أقرب إلى الوثائق إلى حكايات عاشت طويلًا في ذاكرة الجمهور.

في بحري، المراكب مش مجرد وسيلة نقل أو منظر على البحر… دي جزء من روح المكان وحكاياته. بين الميناء، والصيادين، والأزقة القديمة، تفضل المراكب الخشبية واحدة من أجمل المشاهد اللي بتعبر عن

البحر.. الفصل الذي سبق الجواسيس

قبل أن يصبح صالح مرسي أحد أشهر الأسماء المرتبطة بدراما الجاسوسية، عاش تجربة مختلفة تمامًا، اقترب من البحر والبحارة والموانئ، واستمع إلى حكاياتهم وأساطيرهم، واستفاد من سنواته في هذا العالم في بناء رؤيته للشخصيات والمجتمع.

كان البحر بالنسبة إليه أكثر من مجرد مكان؛ كان مدرسة للإنسان، ومن هذه التجربة خرجت أعمال مثل “زقاق السيد البلطي” و”البحار مندي”، وهي كتابات تكشف أن اهتمامه المبكر لم يكن بالبطولة بمعناها التقليدي، وإنما بالناس الذين تصنع الظروف حكاياتهم.

ولهذا تبدو العودة إلى بداياته ضرورية لفهم الكاتب الذي سيظهر لاحقًا داخل عالم الجاسوسية فالرجل الذي سيكتب عن العملاء الذين يعيشون بأسماء مختلفة، كان قد تعلم أولًا كيف يقرأ الإنسان العادي.

الخوف-نهضة مصر-صالح مرسي|بيت الكتب

“الخوف”.. البداية التي لم تكن تعرف شيئًا عن المخابرات

مع التحاقه بمجلة “صباح الخير”، بدأ صالح مرسي يثبت حضوره في الصحافة والأدب، ونشر مجموعته القصصية الأولى “الخوف”، وكانت هذه المجموعة بمثابة إعلان مبكر عن اهتمام الكاتب بالحالة الإنسانية، بعيدًا عن البطولة الصريحة أو الحكايات الأمنية التي ستصبح لاحقًا علامته الأشهر.

حتى الجدل الذي رافق المجموعة بسبب كتابة الحوار باللهجة المصرية يكشف جانبًا من مشروعه المبكر؛ فقد كان مرسي يبحث عن لغة أقرب إلى الشخصيات والحياة، لا عن لغة أدبية منفصلة عنها.

وبعدها اتسعت تجربته، من القصة إلى الرواية، ومن الصحافة إلى عوالم البحر والموانئ، حتى أصبحت لديه أدوات الكاتب التي سيحتاج إليها لاحقًا عندما دخل أكثر العوالم تعقيدًا وسرية.

من الأدب إلى الملفات السرية

في أواخر السبعينيات، بدأ التحول الكبير، اقترب صالح مرسي من ملفات المخابرات المصرية، وبدأ في تحويل وقائع مرتبطة بالصراع مع إسرائيل إلى أعمال درامية، كانت الخطوة مختلفة عن تجاربه الأدبية السابقة، لكنها في الوقت نفسه لم تكن قطيعة معها، فالملف المخابراتي بالنسبة إليه لم يكن مجرد مجموعة معلومات؛ كان وراءه إنسان.

ومن هنا جاءت قيمة تجربته، فقد تعامل مع العميل والجاسوس والضابط بوصفهم شخصيات درامية لها دوافعها ومخاوفها ونقاط ضعفها، وليس مجرد أسماء تتحرك داخل عملية أمنية.

الصعود إلى الهاوية (فلم) - ويكيبيديا

“الصعود إلى الهاوية”.. أول اختبار حقيقي

جاء “الصعود إلى الهاوية” كواحد من الأعمال التي رسخت علاقة صالح مرسي بدراما الجاسوسية، مستندًا إلى وقائع من ملفات المخابرات المصرية.

تحولت القصة من مادة إذاعية إلى عمل سينمائي أخرجه كمال الشيخ، لتصبح الجاسوسية المرتبطة بالصراع المصري الإسرائيلي جزءًا أكثر حضورًا في الدراما المصرية، لكن التجربة، رغم أهميتها، لم تكن النهاية التي يبحث عنها مرسي.

كانت هناك قصة أكبر، وشخصية أكثر تعقيدًا ومساحة زمنية تسمح للكاتب بأن يتحرك بحرية أكبر داخل عالمه، وهنا ظهر اسم رفعت الجمال.

رفعت الجمال.. الشخصية التي فتحت الباب لـ”رأفت الهجان”

إذا كان “الصعود إلى الهاوية” قد فتح الباب، فإن قصة رفعت الجمال كانت اللحظة التي دخل منها صالح مرسي إلى المنطقة التي ستصنع شهرته الأكبر.

الجمال، الذي عُرف داخل إسرائيل باسم “جاك بيتون”، عاش سنوات طويلة داخل المجتمع الإسرائيلي في إطار مهمة للمخابرات المصرية، وكانت قصته تحمل كل العناصر التي يحتاجها الكاتب لصناعة عمل طويل: هوية مزدوجة، سنوات من الترقب، حياة داخل مجتمع معادٍ، وعلاقة مع وطن ظل حاضرًا رغم المسافة، لكن مرسي لم يكتفِ بالمعلومات المتاحة.

للوصول إلى تفاصيل أكثر، التقى بضابط المخابرات الحقيقي المسؤول عن تجنيد رأفت الهجان، وقرأ في أدب الجاسوسية، وحاول الاقتراب من الشخصية بعيدًا عن الصورة البطولية الجاهزة، وهنا تحديدًا بدأت الرواية تأخذ شكلًا مختلفًا.

Amazon.com: ‫رافت الهجان‬ (Arabic Edition) eBook : صالح مرسي: Kindle Store

“رأفت الهجان”.. من ملف مخابرات إلى ذاكرة جماهيرية

نُشرت قصة رأفت الهجان في حلقات قبل أن تتحول عام 1988 إلى مسلسل تلفزيوني، أخرجه يحيى العلمي، وامتد لاحقًا إلى ثلاثة أجزاء، لم يكن نجاح العمل قائمًا على عنصر السرية وحده، فالجمهور لم يكن يتابع عملية مخابراتية فقط، وإنما كان يتابع حياة رجل يعيش لسنوات داخل شخصية ليست شخصيته، ويحاول أن يؤدي مهمته دون أن يفقد نفسه، وهذه هي النقطة التي جعلت صالح مرسي مختلفًا عن مجرد كاتب ينقل وقائع من ملفات رسمية.

وتكشف شهادات مرتبطة بمرحلة إعداد العمل مدى تأثر مرسي بالقصة نفسها؛ إذ روت زوجته أنه خرج من مكتبه باكيًا أثناء اطلاعه على الوثائق المتعلقة برأفت الهجان، متأثرًا بما اعتبره ملحمة عاشها الرجل في صمت لسنوات طويلة.

دموع فى عيون وقحة - كتاب صوتي - صالح مرسي - ISBN 9789188655394 - ستوريتل

“دموع في عيون وقحة”.. بطل من الحياة اليومية

قبل “رأفت الهجان”، كانت هناك تجربة أخرى تركت بصمتها في ذاكرة الجمهور”دموع في عيون وقحة”، وفيها ابتعدت الحكاية عن صورة العميل المحترف القادم من عالم الأسرار، واقتربت أكثر من رجل عادي يجد نفسه في مواجهة محاولة تجنيد من الموساد.

شخصية “جمعة الشوان” المستندة إلى قصة أحمد الهوان، أتاحت لمرسي مساحة أكبر للعب على التناقض بين الحياة اليومية والعالم السري، رجل له أسرة ومسؤوليات ومخاوف، يجد نفسه داخل لعبة أكبر بكثير من حياته الخاصة، وهنا عاد صالح مرسي إلى أداته الأولى الإنسان.

الحفار-نهضة مصر-صالح مرسي|بيت الكتب

“الحفار”.. حين تصبح العملية السرية حكاية وطنية

لم تتوقف تجربة مرسي عند الشخصيات الفردية، جاءت قصة “الحفار” لتقدم نموذجًا آخر لتحويل العملية المخابراتية إلى دراما، بعدما حاولت إسرائيل استخدام حفار للتنقيب عن البترول في سيناء بعد حرب يونيو 1967.

كانت العملية تحمل خلفية سياسية وعسكرية شديدة الحساسية، لكن مرسي تعامل معها باعتبارها مادة درامية يمكن أن تُروى للجمهور، وتتحول فيها الوثيقة إلى أحداث وشخصيات وصراع.

ومن هنا تكررت التجربة في أعمال أخرى ارتبطت بعالم المخابرات بينها “حرب الجواسيس” إلى جانب أعماله الأشهر في هذا المجال، لكنه لم يكن كاتب الجاسوسية فقط

رغم أن الجمهور اختصر تجربة صالح مرسي في “رأفت الهجان” و”دموع في عيون وقحة” و”الصعود إلى الهاوية” فإن مشروعه الأدبي كان أوسع من ذلك بكثير، كتب “زقاق السيد البلطي” و”البحار مندي” و”الكذاب” و”السير فوق خيوط العنكبوت” كما كتب “أنا قلبي دليلي” عن سيرة ليلى مراد، وهذه الأعمال مهمة لأنها تعيد وضع تجربة مرسي في إطارها الصحيح، فالجاسوسية لم تكن بدايته، ولم تكن كل مشروعه، وإنما كانت مرحلة وجد فيها الكاتب مادة تتوافق مع أدواته في قراءة البشر وصناعة الشخصيات.

ذكرى رحيل صالح مرسى رائد أدب الجاسوسية كتب «الحفار» بعد لقاء أبطاله الحقيقيين - الأهرام اليومي

لماذا رفض صالح مرسي أن يصبح “عميد أدب الجاسوسية”؟

المفارقة أن صالح مرسي، رغم ارتباط اسمه الشعبي والنقدي بهذا النوع من الكتابة، لم يكن متحمسًا لفكرة اختزال الأدب في تصنيف واحد، وربما كان ذلك منطقيًا بالنسبة إلى كاتب بدأ من القصة والبحر والصحافة، ثم وجد نفسه فجأة صاحب الأعمال الأشهر في الجاسوسية، فهو لم يدخل هذا العالم لأنه أراد أن يصبح “كاتب جواسيس” وإنما لأن قصصًا حقيقية وجد فيها مادة إنسانية ودرامية تستحق أن تُروى، وهنا تكمن خصوصية تجربته.

في النهاية، قد تبدو المسافة شاسعة بين “زقاق السيد البلطي” و”رأفت الهجان” وبين حكايات البحارة وملفات المخابرات، لكن عند النظر إلى تجربة صالح مرسي كاملة، يبدو الخيط أكثر وضوحًا، في الحالتين كان يبحث عن الإنسان الموجود خلف الحكاية.

البحر علّمه الإصغاء، والصحافة علمته البحث، والفلسفة منحته مساحة للتأمل، والأدب علّمه بناء الشخصية، ثم جاءت ملفات المخابرات لتضع كل هذه الأدوات داخل عالم جديد.

لهذا لم يكن التحول الحقيقي في مسيرة صالح مرسي هو انتقاله من البحر إلى الجاسوسية، وإنما انتقاله من مراقبة الإنسان في حياته العادية إلى مراقبته وهو يعيش حياة سرية.

وهنا تحديدًا صنع صالح مرسي أثره الأهم؛ لم يكتفِ بأن يروي ما حدث داخل غرف المخابرات، بل جعل الجمهور يرى الحكاية من الداخل، ويتعلق بأصحابها ويحولهم من أسماء في ملفات إلى شخصيات حية لا تزال حاضرة في الذاكرة المصرية.

زر الذهاب إلى الأعلى