جميل راتب.. 7 عقود من الفن صنعت “خواجة” السينما المصرية

لم تبدأ حكاية جميل راتب من شاشة السينما، ولم تكن النجومية هدفه الأول، بل بدأت من خشبة مسرح المدرسة والجامعة، حين وجد الشاب الخجول نفسه أمام الجمهور، ليكسر تدريجيًا حاجز الخجل ويكتشف موهبة قادته إلى الحصول على جائزة الممثل الأول على مستوى المدارس المصرية والأجنبية في مصر.
ومن هنا بدأت رحلة طويلة امتدت لأكثر من سبعة عقود، تنقل خلالها بين المسرح والسينما والتليفزيون، وعاش سنوات طويلة في فرنسا، وشارك في أعمال عالمية، قبل أن يعود إلى مصر ليصبح واحدًا من أبرز أصحاب الحضور الخاص في تاريخ الفن المصري.

من الخجل إلى خشبة المسرح
في سنوات شبابه الأولى، وجد جميل راتب في المسرح مساحة لاكتشاف نفسه، وسرعان ما تحولت المشاركة المدرسية والجامعية إلى موهبة حقيقية لفتت الأنظار.
وحصل على جائزة الممثل الأول على مستوى المدارس المصرية والأجنبية في مصر، وهو ما فتح أمامه بابًا مبكرًا نحو السينما، بعدما رشحه المخرج توجو مزراحي لتقديم مشهد مع الفنانة ماري منيب في فيلم «الفرسان الثلاثة» عام 1941.
لكن هذه الخطوة لم تكتمل، حيث أصرت أسرته على حذف المشهد، في أول مواجهة بين رغبته في التمثيل والاختيارات التي كانت العائلة ترسمها لمستقبله.
الأسرة اختارت له السياسة.. وهو اختار الفن
رضخ جميل راتب لرغبة أسرته في البداية، فالتحق عام 1945 بكلية الحقوق الفرنسية في مصر، ودرس السياسة، قبل أن يسافر إلى فرنسا لاستكمال تعليمه.
لكن باريس كانت نقطة التحول الحقيقية في حياته فهناك قرر أن يبتعد عن الطريق الدبلوماسي الذي اختارته له عائلته، وأن يمنح نفسه فرصة حقيقية في الفن، فالتحق بمعهد خاص لدراسة التمثيل.
ولم يكن القرار سهلًا فبعد أن حُرم من المصروف الشهري الذي كان يساعده على الحياة اضطر إلى الاعتماد على نفسه فعمل “كومبارس” في بعض الأعمال، واتجه إلى الترجمة كما عمل نادلًا في أحد المقاهي.
كان عليه أن يبدأ من الصفر، لكن تلك المرحلة صنعت جانبًا مهمًا من شخصيته، وأثبتت له أن التمثيل بالنسبة إليه لم يكن مجرد هواية عابرة.

باريس.. بداية الطريق إلى المسرح العالمي
في فرنسا، بدأ جميل راتب مشواره مع الفرق المسرحية الصغيرة، واحتك بعدد من الشخصيات الثقافية والفنية البارزة، كما ارتبط اسمه بأجواء الحركة الفكرية والفنية الفرنسية في ذلك الوقت.
وكان وجوده هناك نقطة انطلاق نحو أدوار مسرحية أكبر، بعدما رشحه الفنان سليمان نجيب للانضمام إلى الفرقة الفرنسية التي كانت تشارك في عروض بدار الأوبرا المصرية.
ومع هذه الفرصة، بدأ راتب يحصل على أدوار رئيسية في المسرح، وقدم عروضًا في مصر ولبنان وسوريا وتركيا، كما شارك في تقديم أعمال لعدد من كبار الكتاب العالميين، ومن بينهم وليام شكسبير.
وهكذا لم تعد تجربة جميل راتب مجرد محاولة لممثل شاب يبحث عن فرصة، وإنما تحولت إلى مسيرة مسرحية حقيقية صنعت له اسمًا خارج مصر.
1974.. ستة أشهر أعادته إلى مصر
ظل انشغاله بالمسرح والسينما في فرنسا سببًا في ابتعاده عن مصر لسنوات طويلة، حتى عاد عام 1974 لمتابعة بعض الأمور الأسرية، وكان يخطط للإقامة لمدة ستة أشهر فقط.
خلال وجوده في مصر، عرض عليه المخرج والفنان كرم مطاوع المشاركة في بطولة مسرحية “دنيا البيانولا” لتفتح التجربة الباب أمام عودة راتب إلى الساحة الفنية المصرية.
وبعدها رُشح لتقديم فيلم تلفزيوني عن حياة الموسيقار كامل الخلعي، منذ طفولته وحتى وفاته، لتصبح هذه الشخصية نقطة انطلاق جديدة فتحت أمامه أبواب التليفزيون والسينما المصرية.
وبدلًا من أن يعود إلى فرنسا بعد انتهاء الأشهر الستة، وجد جميل راتب نفسه أمام مرحلة جديدة من حياته الفنية في مصر.
من “البداية” إلى “الراية البيضاء”.. ممثل لا يشبه نفسه
تميز جميل راتب بقدرته على الانتقال بين الشخصيات المتناقضة، فلم يحصر نفسه في قالب واحد، ولم يسمح لنجاح شخصية أن يفرض عليه شكلًا معينًا في أدواره التالية.
قدم “نبيل بيه الأربوطلي” في فيلم “البداية” مع المخرج صلاح أبو سيف، وظهر في “وداعًا بونابرت” مع يوسف شاهين، وجسد شخصية “البهظ بيه” في “الكيف”.
وفي التليفزيون، ترك بصمته من خلال شخصية السفير المتقاعد “مفيد أبو الغار” في مسلسل “الراية البيضاء” الشخصية التي تحولت إلى واحدة من أشهر شخصيات الدراما المصرية، ثم قدم “لطفي بيه” في “سنبل بعد المليون” و”أبو الفضل” في “يوميات ونيس” و”الخواجة” في “زيزينيا”.
وبين شخصية المتسلط وتاجر المخدرات والسفير المتقاعد ورب الأسرة، ظل راتب قادرًا على تقديم شخصيات تحمل أبعادًا إنسانية مختلفة، وتجمع أحيانًا بين الخير والشر، والقوة والضعف، بصورة جعلت كل شخصية تبدو مستقلة عن الأخرى.
حتى بعد استقراره في مصر، لم يتوقف جميل راتب عن خوض تجارب سينمائية خارجها، فشارك في عدد من الأعمال العربية والدولية، من بينها الفيلم المغربي “كش ملك” الذي تقاسم بطولته مع شريهان، والفيلم التونسي “شيشخان” إلى جانب الفيلم المغربي “صيف حلق فريد”.
كما ارتبط اسمه بعدد من التجارب السينمائية العالمية، من بينها مشاركته في فيلم “لورانس العرب” إلى جانب مشاركته بالأداء الصوتي في فيلم “عمر المختار” من خلال شخصية الضابط الإيطالي توميللي، فضلًا عن مشاركته في الفيلم الفرنسي “ارتكاب جريمة قتل”.
أدوار صغيرة.. وحضور أكبر من المساحة
المفارقة اللافتة في مسيرة جميل راتب أن نجاحه لم يكن مرتبطًا دائمًا بحجم الدور.
فحتى مع حصوله على أدوار رئيسية في المسرح، ظل يقدم في السينما أحيانًا أدوارًا أصغر من أن توصف بأنها بطولات مطلقة، لكنه كان قادرًا على ترك بصمة واضحة في كل ظهور.
ومع مرور السنوات، أصبح اسمه في حد ذاته عنصرًا يجذب الانتباه إلى العمل، لأن الجمهور كان يعرف أنه أمام ممثل يستطيع أن يمنح الشخصية تفاصيل خاصة، مهما كانت مساحتها.
أكثر من سبعة عقود أمام الكاميرا
لم تكن قيمة جميل راتب في عدد الأعمال التي شارك فيها فحسب، وإنما في تنوع التجربة نفسها من مسرح المدرسة إلى المسرح الفرنسي، ومن الأدوار العالمية إلى السينما المصرية، ومن الشخصيات الشريرة إلى الأدوار الإنسانية، ومن الشاشة الكبيرة إلى الدراما التليفزيونية.
وفي ذكرى ميلاده، تظل مسيرته واحدة من التجارب التي تؤكد أن الممثل الحقيقي لا تصنعه البطولة المطلقة وحدها، وإنما تصنعه قدرته على ترك أثر.






