جريمة 15 مايو تفتح ملف الدارك ويب.. كيف يصل السلاح من العالم الافتراضي إلى أيدي المجرمين؟
من التشفير والعملات الرقمية إلى الأدلة الجنائية والذكاء الاصطناعي.. كيف تُكشف خيوط الجريمة في العالم الخفي؟


أعادت قضية اتهام مرتكب مذبحة “15 مايو” بشراء الأسلحة المستخدمة في حادثة قتل أسرة أهل طليقته وأبنائه عبر “الدارك ويب”، الحديث مجددًا عن العالم الخفي للإنترنت، الذي ارتبط خلال السنوات الأخيرة بجرائم الاتجار في الأسلحة والمخدرات والبيانات المسروقة والعملات المزيفة.
ولم تُثر القضية الجدل بسبب طبيعة الاتهامات فقط، وإنما سلطت الضوء أيضًا على كيفية استغلال بعض المنصات الإلكترونية المظلمة في تنفيذ أنشطة غير قانونية بعيدًا عن محركات البحث التقليدية، لتفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة هذا العالم الخفي، وآليات عمله، وكيف يمكن أن تنتقل الجرائم من الفضاء الافتراضي إلى الواقع؟.
ويُقصد بالدارك ويب “Dark Web” جزء من الإنترنت لا يمكن الوصول إليه عبر المتصفحات المعتادة مثل “كروم” أو “إيدج”، وإنما يحتاج إلى برامج خاصة مثل متصفح “تور” “Tor”، الذي يعمل على إخفاء هوية المستخدم وموقعه الجغرافي من خلال تمرير الاتصال عبر عدة خوادم حول العالم.
وقد صُممت تقنية” الإخفاء في الدارك ويب” في الأساس لحماية الخصوصية وحرية الوصول إلى المعلومات، إلا أنها أصبحت أيضًا بيئة تستغلها شبكات الجريمة المنظمة، كما يمثل الدارك ويب نسبة صغيرة جدًا من الإنترنت مقارنة بما يعرف بالويب السطحي والويب العميق، إلا أنه يضم مئات المواقع والمنتديات والأسواق الإلكترونية التي يصعب تتبعها.
وتعرض بعض هذه المنصات سلعًا وخدمات قانونية، لكن العديد منها يستخدم في بيع المواد المحظورة، مثل المخدرات والأسلحة والبرامج الخبيثة، إلى جانب قواعد بيانات مسروقة تحتوي على معلومات شخصية أو مالية.
وتعتمد عمليات البيع والشراء داخل هذه الأسواق غالبًا على العملات الرقمية، وعلى رأسها “بيتكوين” و”مونيرو”، بهدف تقليل إمكانية تتبع المعاملات المالية، كما تستخدم أنظمة تشفير، ورسائل مؤقتة، وآليات لإخفاء هوية البائع والمشتري، وهو ما يجعل ملاحقة المتورطين أكثر تعقيدًا، وإن لم يكن أمرًا مستحيلا.
ورغم الصورة الشائعة عن الدارك ويب باعتباره مساحة خارجة عن القانون، فإن مجرد الدخول إليه أو استخدام متصفح “تور” لا يعد جريمة في حد ذاته في معظم الدول، إذ يعتمد التكييف القانوني على طبيعة النشاط الذي يمارسه المستخدم، فإذا اقتصر الاستخدام على حماية الخصوصية أو الوصول إلى مواقع محجوبة بشكل قانوني، فلا يمثل ذلك مخالفة، أما إذا ارتبط بشراء أسلحة أو مواد محظورة، أو سرقة بيانات، أو الاحتيال الإلكتروني، أو تمويل أنشطة إجرامية، فإن المسؤولية الجنائية تنشأ وفقًا للقوانين الوطنية المحكمة بالدول الخاضعة لها.
مغامرة داخل العالم الخفي لـ”الدارك ويب”
لرصد طبيعة هذا العالم الرقمي المعقد، انتقلنا إلى بيئة الدارك ويب، عبر أدوات الوصول الخاصة، لمتابعة آليات عمل المنصات التي تستغلها بعض الشبكات الإجرامية، وخلال رحلة البحث، رصدنا طبيعة الأسواق الإلكترونية المخفية، وأساليب عرض السلع غير المشروعة، والطرق التي تستخدمها هذه المنصات لإخفاء هوية المستخدمين.
كما تابعنا أساليب الحماية الرقمية المستخدمة داخل هذه الشبكات، مثل التشفير والعملات الرقمية وتقنيات إخفاء الأثر الإلكتروني، وتكشف هذه التجربة أن الدارك ويب لا يعتمد فقط على وجود مواقع مخفية، بل على منظومة تقنية متكاملة تستغلها الجريمة المنظمة، وفي المقابل، يوضح التحقيق كيف أصبحت أدوات التحليل الجنائي الرقمي والذكاء الاصطناعي وسائل أساسية لتتبع هذه الأنشطة وكشف الروابط الخفية بين العالم الافتراضي والجرائم الواقعية.

من الشاشة إلى الواقع.. رحلة السلاح داخل الشبكات الخفية
تطرح واقعة حادثة 15 مايو تساؤلات جديدة حول الطريقة التي يمكن أن تنتقل بها الأسلحة من العالم الرقمي المخفي إلى الشوارع، فبحسب السيناريو الذي يجري فحصه ضمن التحقيق، لم تعد عملية الحصول على السلاح تعتمد فقط على الطرق التقليدية للتهريب، بل قد تمر عبر سلسلة معقدة تبدأ بالتواصل داخل منصات مشفرة، ثم استخدام وسائل دفع رقمية، وصولًا إلى تسليم فعلي خارج الفضاء الإلكتروني.
وهنا يظهر دور التحقيقات الجنائية الرقمية، التي لا تبحث فقط عن الموقع أو الحساب المستخدم، بل تحاول إعادة بناء سلسلة كاملة من الأدلة: حركة الأموال الرقمية، توقيتات الاتصال، البصمات التقنية، الروابط بين الحسابات، وأنماط السلوك التي قد تكشف وجود شبكة منظمة.
كما تطورت أيضًا أدوات الرصد والتحليل، وأصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على تحليل كميات ضخمة من البيانات وربط العلاقات غير الظاهرة بين الحسابات والمعاملات الرقمية، بما يساعد المحققين على الانتقال من تتبع أثر إلكتروني صغير إلى كشف خريطة أوسع للشبكات التي تقف خلف الجرائم الواقعية.
وفي مصر، ينظم قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 عددًا من الجرائم المرتبطة باستخدام الشبكات الإلكترونية، مثل اختراق الأنظمة، والاستيلاء على البيانات، واستخدام الوسائل التقنية في ارتكاب الجرائم أو تسهيلها، كما تُطبق نصوص قانون العقوبات وقوانين الأسلحة والذخائر إذا ارتبط النشاط الإلكتروني بجرائم تقليدية مثل الاتجار في الأسلحة أو تهريبها.
الرأي القانوني.. متى يتحول استخدام الدارك ويب إلى جريمة؟
يفرض استخدام الدارك ويب في قضايا شراء وتداول الأسلحة، تحديات قانونية تتعلق بحدود التجريم وإثبات المسؤولية الجنائية، حيث أوضح أسامة عبد العزيز، المحامي المتخصص في جرائم الجنايات والجرائم الإلكترونية، الإطار القانوني الذي يحكم هذه الجرائم، والضوابط التي تعتمد عليها جهات التحقيق لإثبات الأدلة الرقمية وربطها بالمتهم أمام القضاء.
وقال “عبد العزيز” لـ”ليبرالي” إن مجرد تصفح الدارك ويب أو الدخول إلى منصاته لا يُعد جريمة في حد ذاته، ما لم يقترن بتجاوز التدابير الأمنية التي تحظرها قوانين مكافحة جرائم تقنية المعلومات، أو بارتكاب فعل مجرم قانونًا.

أسامة عبد العزيز المحامي المتخصص في جرائم الجنايات والجرائم الإلكترونية
وأشار إلى أن الدخول إلى بعض المنصات قد يشكل قرينة تدفع جهات التحقيق إلى التحقق من طبيعة النشاط الذي قام به المستخدم، خاصة إذا كان الولوج إلى مواقع مخصصة لأنشطة إجرامية، أما إذا انتقل الأمر من مجرد التصفح إلى شراء أو تداول أو إبرام اتفاقات تتعلق بالأسلحة أو غيرها من الأنشطة غير المشروعة، فإن التكييف القانوني يتغير، وتقوم المسؤولية الجنائية على السلوك الإجرامي الرقمي المقترن بجرائم المعلوماتية.
وأكد “عبد العزيز” أن جهات التحقيق تعتمد على مجموعة من الأدلة الرقمية، من أبرزها: تتبع حركة المحافظ الإلكترونية وربط التحويلات المالية الصادرة من المتهم بعمليات شراء الأسلحة أو المنصات المستخدمة، وفحص الأجهزة الإلكترونية المضبوطة، سواء الهواتف أو الحواسيب، واستخراج البصمة الإلكترونية والبصمة التعريفية الخاصة بالمستخدم، وتتبع عناوين IP وسجلات الاتصال، وبيانات مزود خدمة الإنترنت، وتحليل الحسابات الرقمية وربطها بالمتهم من خلال الأدلة الفنية، كما يتم فحص الأجهزة بواسطة الجهات الفنية المختصة بوزارة الداخلية، لاستخراج الأدلة الرقمية والتحقق من سلامتها وربطها بالمتهم.
وتابع أنه في هذه الحالة تكون هناك جريمة إلكترونية ارتبطت بجريمة تقليدية، ويجرى تقييم الواقعة وفقًا لقواعد الارتباط بين الجرائم، فإذا اقترنت جريمة شراء أو تداول السلاح إلكترونيًا بجريمة قتل عمد أو جريمة أخرى أشد، فإن المحكمة تطبق أحكام الجريمة الأشد وفقًا للقانون، مع مراعاة ظروف الاقتران والارتباط والعقوبات المقررة لكل جريمة.
وتتمثل أبرز التحديات في قدرة مرتكبي الجرائم على إخفاء هوياتهم باستخدام تقنيات التشفير وإخفاء الهوية، إلا أن جهات التحقيق تعتمد على وسائل فنية متعددة، منها تتبع المحافظ الإلكترونية، وتحليل البصمة الرقمية، وفحص الأجهزة الإلكترونية، وتتبع عناوين IP، وربط الحسابات الرقمية بالمتهم، وتظل حجية الدليل الرقمي مرهونة بسلامة إجراءات جمعه وفحصه، وإثبات نسبته إلى المتهم وفقًا للضوابط القانونية والفنية، حتى يكون صالحًا للاحتجاج به أمام القضاء.
الذكاء الاصطناعي في ميزان العدالة.. كيف تكتسب الأدلة الرقمية حجيتها أمام القضاء؟
مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في التحقيقات الجنائية، لم يعد التحدي يقتصر على الوصول إلى الأدلة الرقمية داخل بيئات معقدة مثل الدارك ويب، بل امتد إلى إثبات موثوقية هذه الأدلة وقابليتها للاحتجاج بها أمام القضاء، فبينما توفر تقنيات الذكاء الاصطناعي قدرة كبيرة على تحليل البيانات وتتبع الأنماط وربط الأدلة، يبقى قبول نتائجها القضائية مرهونًا باستيفاء الضوابط القانونية والفنية التي تضمن سلامة الدليل، ومشروعية الحصول عليه، وإمكانية مراجعته والتحقق منه.

المستشار محمود علي المجبيري محامي جنائي، مدير مركز علوم الأدلة الجنائية
وفي هذا السياق، أوضح المستشار محمود علي المجبيري، محامي جنائي، مدير مركز علوم الأدلة الجنائية، الأسس التي تحكم حجية الأدلة الرقمية المستخرجة باستخدام الذكاء الاصطناعي، وأبرز التحديات التي تواجه اعتمادها في القضايا المرتبطة بالدارك ويب والجرائم الإلكترونية.
وأكد أنه يتطلب من جهات الإنفاذ التحقق من موثوقية الأدلة الرقمية المستخرجة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي من الدارك ويب، باتباع منهجية إثبات دقيقة تجمع بين سلامة الدليل تقنيًا، والنزاهة التشفيرية للبيانات، وشفافية الخوارزميات المستخدمة في التحليل، ونظرًا للطبيعة المعتمة والعدائية للشبكات المظلمة، فإن قبول هذه الأدلة أمام القضاء يتوقف على توافق النتائج التي توصل إليها الذكاء الاصطناعي مع الأدلة الرقمية الأصلية، وأن تكون آلية استخراجها وتحليلها قابلة للفحص والمراجعة الفنية المستقلة، بما يتيح للمحكمة التحقق منها والرد على أي طعن يتعلق بها.
وأشار إلى أن اكتساب الأدلة الرقمية حجيتها ليس لمجرد ثبوت محتواها فقط، وإنما تتعزز قيمتها الإثباتية متى ثبتت مشروعية الحصول عليها، وأصالتها، وسلامتها التقنية، واستمرارية سلسلة حيازتها، وصحة إجراءات فحصها، وإمكانية التحقق من مصدرها ونسبتها إلى المتهم، فسلامة المحتوى وحدها لا تكفي لدرء الطعن في الدليل أو القطع بحجيته أمام القضاء.
وتابع محمود علي، أنه يجوز توظيف الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الأدلة الرقمية وتحليلها وربط عناصرها، دون أن يمس ذلك قيمتها الإثباتية بذاته، شريطة الحفاظ على الدليل الأصلي وتوثيقه، وثبوت مشروعية إجراءات جمعه وفحصه، وقابليتها للتحقق والمراجعة، ولا يجوز أن تُتخذ مخرجات الذكاء الاصطناعي وحدها أساسًا للجزم بصحة الدليل أو نسبته إلى المتهم، بل يجب إخضاعها للتحقق البشري، ومساندتها بأدلة أو قرائن مستقلة، وتظل القيمة الإثباتية للدليل الأصلي المستوفي لضوابطه القانونية والفنية، لا للاستنتاج الخوارزمي المجرد.
وأوضح أنه لا يكمن التحدي الحقيقي في قدرة الذكاء الاصطناعي على اكتشاف الدليل الجنائي أو تحليله، وإنما في إثبات أن النتائج التي توصل إليها يمكن الوثوق بها قانونيًا وفنيًا، ولا تتحدد قابلية قبول الدليل الجنائي الذكي أمام القضاء بمدى تطور التقنية المستخدمة في إنتاجه أو تحليله، وإنما بمدى استيفائه لضوابط المشروعية، والأصالة، والسلامة التقنية، وقابليته للتفسير وإعادة الفحص، وإمكان التحقق من نسبته إلى المتهم، مع إخضاع مخرجات الذكاء الاصطناعي للرقابة البشرية وتأييدها، عند الاقتضاء، بأدلة أو قرائن مستقلة، وكلما ازداد الاعتماد على الخوارزمية في إنتاج النتيجة أو تفسيرها، ازدادت الحاجة إلى الشفافية، وقابلية التحقق من البيانات والمدخلات والمنهج الذي أفضى إلى تلك النتيجة؛ إذ لا تكفي دقة الخوارزمية وحدها لإضفاء القيمة الإثباتية على مخرجاتها ما لم تكن قابلة للفحص والمراجعة والتحقق القضائي.
وأشار المحامي الجنائي إلى أن أن هذه الإجابات تستند إلى برنامج الاختبار “MAM-TIFE” الخاص بمعايير”محمد علي المجيبري” في معيار قبول الدليل الجنائي الذكي، باعتباره معيارًا عربيًا قابلًا للقياس، خصوصا في مثل الجرائم الإلكترونية التي تعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي والتتبع الإلكتروني.
الأمن السيبراني.. الدارك ويب بين إخفاء الهوية وسقوط الأقنعة الرقمية
تؤكد قضية شراء الأسلحة عبر الدارك ويب، أن الجرائم الإلكترونية لم تعد منفصلة عن الجرائم الواقعية، بل أصبحت امتدادًا لها باستخدام أدوات رقمية أكثر تعقيدًا، تعتمد على إخفاء الهوية، والتشفير، والعملات الرقمية، وهو ما يفرض تحديات جديدة أمام جهات إنفاذ القانون.

أيمن قاسم، خبير أمن المعلومات السيبرانية
من جانبه، أوضح أيمن قاسم، خبير أمن المعلومات االسيبرانية، أن مثل هذه القضايا تُعزز الوعي بالأمن السيبراني، وعدم التعامل مع المواقع والمنصات المجهولة باعتبارها مناطق خارج نطاق القانون، فالتقنيات التي تمنح المستخدم قدرًا من الخصوصية لا تعني الحصانة من المساءلة الجنائية.
وأشار إلى أن الأدلة الرقمية وتقنيات التحليل الجنائي الرقمي والذكاء الاصطناعي أدوات رئيسية في كشف الأنشطة الإجرامية، من خلال تتبع الأنماط الرقمية، وتحليل المعاملات الإلكترونية، وربط الحسابات والأجهزة بالأشخاص محل الاشتباه، والتي أصبحت قادرة على تقصي بعض الآثار الإلكترونية و كشف تحركات المستخدمين، سواء عبر أخطاء بشرية، أو ثغرات تقنية، أو عمليات تحليل متقدمة تربط بين البيانات المتناثرة، إذ تبقى التوعية بالأمن السيبراني ضرورة، لأن حماية الهوية الرقمية تبدأ من معرفة المخاطر، وعدم التعامل مع المنصات المجهولة باعتبارها مناطق آمنة أو بعيدة عن الرقابة والمساءلة.
وتكشف الأدلة الرقمية والقضايا التي تم تتبعها عالميًا أن الدارك ويب لم يعد مجرد مساحة مجهولة على الإنترنت، بل أصبح بيئة قد تستغلها بعض الشبكات الإجرامية في أنشطة محلية أو عابرة للحدود، بينما تتيح تقنيات التحليل الجنائي الرقمي تتبع الآثار الإلكترونية وربط الحسابات والمعاملات بالأشخاص.
وتؤكد الوقائع أن تطور أدوات التشفير والعملات الرقمية يقابله تطور في وسائل الرصد والذكاء الاصطناعي، لتصبح الأدلة الرقمية والبراهين الفنية عنصرًا حاسمًا في كشف الجرائم، مع بقاء الوعي بالأمن السيبراني خط الدفاع الأول أمام مخاطر العالم الرقمي الخفي.






