
مع تجدد الحديث عن احتمالات موجات جديدة من ارتفاع الأسعار، وتصاعد مخاوف المواطنين والأسواق من تأثير أي تحركات مرتقبة في سعر الصرف أو تكاليف الإنتاج، تبرز أهمية العودة إلى البيانات لفهم ما جرى خلال السنوات الماضية، بدلًا من الاكتفاء بالتوقعات والمخاوف غير المدعومة بالأرقام.
في هذا التقرير، يرصد «ليبرالي» رحلة الجنيه المصري على مدار عشر سنوات، منذ قرار تحرير سعر الصرف في نوفمبر 2016، من خلال تتبع تطورات سعر الدولار ومعدلات التضخم وحركة الأسواق، إلى جانب شهادات عدد من الخبراء للإجابة عن سؤال رئيسي: كيف انتقلت آثار قرارات تحرير سعر الصرف من سوق النقد الأجنبي إلى أسعار السلع وتكاليف الإنتاج، وصولًا إلى الاقتصاد وحياة المواطنين والقدرة الشرائية للجنيه داخل البيت المصري؟.
في صباح 3 نوفمبر 2016، تغيرت واحدة من أهم قواعد الاقتصاد المصري خلال العقود الأخيرة، حيث أعلن البنك المركزي المصري تحرير سعر صرف الجنيه، لينتقل الاقتصاد من نظام يعتمد على تثبيت نسبي لقيمة العملة إلى نظام أكثر مرونة تحدده قوى العرض والطلب.
كان القرار جزءًا من برنامج إصلاح اقتصادي مدعوم من صندوق النقد الدولي بقيمة 12 مليار دولار، استهدف معالجة أزمة نقص الاحتياطي الأجنبي، وإنهاء الفجوة بين السعر الرسمي للدولار والسوق الموازية، لكن القرار الذي أعاد رسم خريطة سوق النقد الأجنبي لم يكن مجرد إجراء مالي، بل تحول إلى نقطة فاصلة في حياة المواطنين، بعدما أدى انخفاض قيمة الجنيه إلى ارتفاع تكلفة الواردات، وانتقال صدمة العملة إلى أسعار الغذاء والطاقة والسلع والخدمات.
وتُظهر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن التضخم الحضري ارتفع بصورة حادة بعد التعويم، ليسجل نحو 29.8% في يناير 2017، قبل أن يصل إلى مستويات مرتفعة، متأثرًا بزيادة أسعار الغذاء والطاقة وتكاليف النقل.
كما أشار صندوق النقد الدولي في مراجعاته لبرنامج الإصلاح المصري إلى أن تحرير سعر الصرف ساعد على معالجة اختلالات سوق العملة وزيادة توافر النقد الأجنبي، لكنه أدى في المدى القصير إلى ضغوط تضخمية نتيجة انخفاض قيمة الجنيه وارتفاع تكلفة الواردات.
وخلال عشر سنوات، مر الجنيه المصري بعدة موجات من إعادة التسعير أمام الدولار، بدأت بتعويم 2016، ثم تخفيضات متتالية في 2022 و2023، وصولًا إلى توحيد سوق الصرف في مارس 2024، ووفق بيانات صندوق النقد الدولي، جاءت هذه التحركات في إطار انتقال مصر إلى نظام سعر صرف أكثر مرونة لمعالجة اختلالات سوق العملة.
بين 2018 و2021.. استقرار نسبي للجنيه قبل موجة الصدمات العالمية
بعد الصدمة الأولى لتحرير سعر الصرف في 2016، دخل الجنيه المصري مرحلة من الاستقرار النسبي خلال الفترة من 2018 وحتى بداية 2022، حيث تحرك سعر الدولار في نطاق يتراوح تقريبًا بين 15.5 و18 جنيهًا، مقارنة بالقفزة الكبيرة التي أعقبت قرار التعويم الأول.
وساعد على هذا الاستقرار تحسن بعض مصادر النقد الأجنبي، خاصة تحويلات المصريين بالخارج، وانتعاش قطاع السياحة، وزيادة التدفقات الاستثمارية في أدوات الدين الحكومية، وأشار صندوق النقد الدولي في مراجعته لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المصري عام 2019 إلى أن تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي خلال هذه الفترة ارتبط بارتفاع إيرادات السياحة وزيادة تحويلات العاملين بالخارج، موضحًا أن احتياطي النقد الأجنبي بلغ نحو 42 مليار دولار في نهاية 2018 بما يعادل حوالي ستة أشهر من الواردات.
كما أظهرت بيانات البنك المركزي المصري أن الاحتياطي النقدي ظل عند مستويات مرتفعة قبل جائحة كورونا، حيث بلغ صافي الاحتياطي نحو 40.06 مليار دولار في ديسمبر 2020، رغم الضغوط التي فرضتها الجائحة على السياحة والتجارة العالمية.
لكن هذا الاستقرار لم يكن يُعني اختفاء التحديات الهيكلية للاقتصاد، إذ ظل الاعتماد على الواردات يمثل عامل ضغط رئيسيًا على سوق العملة، خاصة في قطاعات مثل الغذاء والطاقة والصناعة، حيث تحتاج المصانع إلى استيراد نسبة كبيرة من الخامات ومستلزمات الإنتاج.
وأشار الخبير الاقتصادي هاني جنينة، إلى أن استقرار سعر الصرف خلال هذه الفترة كان مرتبطًا بتدفقات النقد الأجنبي وليس فقط بتحسن الإنتاج المحلي، موضحًا أن الاقتصاد ظل حساسًا لأي صدمة خارجية تؤثر على موارد الدولار.
وأكدت مراجعات صندوق النقد الدولي أن نظام سعر الصرف المرن ساعد مصر على امتصاص بعض الصدمات، لكنه ظل بحاجة إلى تعزيز القدرة الإنتاجية وزيادة الصادرات غير النفطية لتقليل الاعتماد على مصادر النقد الأجنبي قصيرة الأجل.
ثم جاءت جائحة كورونا عام 2020 لتكشف هشاشة بعض مصادر العملة الأجنبية، خاصة قطاع السياحة، قبل أن تتعرض مصر والعالم لموجة ضغط أكبر في 2022 مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة عالميًا، وخروج استثمارات أجنبية من الأسواق الناشئة.
وبذلك كانت الفترة بين 2018 و2021 مرحلة «هدوء مؤقت» للجنيه، فقد استقر سعر الصرف نسبيًا، لكن الاقتصاد ظل معرضًا لتأثير أي أزمة خارجية تعيد الضغط على الدولار.
2023.. عندما انتقل أثر انخفاض الجنيه من سوق الصرف إلى مائدة المواطن
بعد موجتي خفض قيمة الجنيه خلال عام 2022، دخل الاقتصاد المصري عام 2023 مرحلة جديدة من الضغوط، حيث استمر نقص العملة الأجنبية وارتفع الطلب على الدولار، ما دفع إلى تحركات جديدة في سعر الصرف خلال يناير 2023، ليتراجع الجنيه أمام الدولار.
لم يكن هذا التغير مجرد رقم في سوق العملات، بل بدأ تأثيره يظهر بصورة مباشرة في تكلفة الإنتاج والأسعار النهائية للسلع. فمع اعتماد قطاعات عديدة على مدخلات إنتاج مستوردة، أصبح ارتفاع سعر الدولار يعني زيادة تكلفة الخامات والآلات ومستلزمات التشغيل، وهو ما انتقل تدريجيًا إلى المستهلك.
ووفق تقرير صندوق النقد الدولي، ارتبطت موجات انخفاض قيمة الجنيه في 2022 و2023 بارتفاع التضخم نتيجة انتقال أثر تغير سعر الصرف إلى الأسعار المحلية، إضافة إلى ارتفاع أسعار السلع العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد. وأوضح الصندوق أن انخفاض قيمة العملة ساهم بصورة مباشرة في زيادة التضخم خلال الفترة من ديسمبر 2022 إلى يونيو 2023.
ارتبطت هذه الفترة بشكل وثيق بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، والتي تسببت في ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء عالميًا، واضطرابات في سلاسل الإمداد، وخروج جزء من الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة من الأسواق الناشئة.
وبالنسبة لمصر، جاءت الأزمة في وقت يعتمد فيه الاقتصاد بدرجة كبيرة على تدفقات العملة الأجنبية لتغطية احتياجات الاستيراد، خاصة السلع الغذائية الأساسية ومدخلات الإنتاج. ومع زيادة الطلب على الدولار وتراجع المعروض منه، بدأ البنك المركزي المصري سلسلة تحركات لإعادة تسعير الجنيه.
في 21 مارس 2022، خفض البنك المركزي قيمة الجنيه، ليتحرك الدولار من مستوى يقارب 15.7 جنيهًا إلى أكثر من 18 جنيهًا، ثم جاءت موجة أخرى في 27 أكتوبر 2022 مع إعلان الانتقال إلى نظام سعر صرف مرن، ليفقد الجنيه جزءًا إضافيًا من قيمته، حيث يشير صندوق النقد الدولي إلى أن الجنيه انخفض بنحو 55% بين نهاية فبراير وبداية نوفمبر 2022 مقارنة بمستواه السابق.
لم تتوقف الضغوط عند هذا الحد، ففي يناير 2023 شهد سعر الصرف تعديلًا جديدًا، وصل معه الدولار إلى حدود 30 جنيهًا تقريبًا، لتبدأ مرحلة انتقال تأثير أزمة العملة بصورة أكبر إلى السوق المحلية.
من الدولار إلى الأسعار.. كيف انعكست أزمة العملة على السوق؟
مع انخفاض قيمة الجنيه، ارتفعت تكلفة الحصول على الدولار بالنسبة للمستوردين والمصانع، وهو ما انعكس على تكلفة السلع والخدمات.
وكان قطاع الغذاء من أكثر القطاعات تأثرًا، بسبب ارتباطه بالاستيراد بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كما انعكس التضخم على الأسعار، والسوق، المنتجات، وأسعار الطاقة.
وفي سبتمبر 2023، وصل التضخم الحضري السنوي إلى نحو 38%، وهو أعلى مستوى مسجل في تلك الموجة، مدفوعًا بصورة أساسية بارتفاع أسعار الغذاء وتأثير انخفاض سعر الصرف.
هل كان خفض الجنيه ضرورة أم تكلفة؟
يرى أنصار سياسة سعر الصرف المرن أن التحركات التي حدثت في 2022 و2023 كانت محاولة لمعالجة اختلالات تراكمت في سوق العملة.
وقالت بعثة صندوق النقد الدولي إن نظام سعر الصرف المرن يهدف إلى منع تراكم الاختلالات التي تؤدي إلى أزمات مفاجئة في العملة، والحفاظ على احتياطيات النقد الأجنبي، والسماح للاقتصاد بامتصاص الصدمات الخارجية.
في المقابل، يرى خبراء اقتصاديون أن خفض قيمة العملة وحده لا يكفي إذا لم يصاحبه زيادة في الإنتاج والصادرات، لأن انخفاض الجنيه يؤدي في الاقتصادات التي تعتمد على الاستيراد إلى ارتفاع تكلفة السلع قبل أن تظهر فوائده على التنافسية والتصدير.
ويرى الدكتور فخري الفقي، رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب وأستاذ الاقتصاد، أن استقرار سعر الصرف وحده لا يحقق نتائج مستدامة ما لم يصاحبه توسع في الإنتاج المحلي وزيادة الصادرات وجذب الاستثمارات المنتجة، بما يسهم في توفير موارد دائمة من النقد الأجنبي وتقليل الاعتماد على الواردات.
المواطن أمام فاتورة جديدة
بالنسبة للمواطن المصري، ظهر أثر الأزمة في تفاصيل الحياة اليومية من مأكل، وملابس، وتنقل، واحتياجات يومية وأسرية، فلم تعد أزمة الدولار مجرد مشكلة في سوق النقد، بل أصبحت مرتبطة بالسؤال اليومي للمواطن«كم يستطيع الجنيه الذي أحصل عليه كل شهر أن يشتري احتياجاتي؟».
مارس 2024.. توحيد سوق الصرف وإعادة ضبط العلاقة بين الجنيه والدولار
في 6 مارس 2024، اتخذ البنك المركزي المصري خطوة جديدة نحو نظام سعر صرف أكثر مرونة، مع توحيد سوق الصرف الرسمية والموازية، في محاولة لإنهاء الفجوة السعرية وتوفير الدولار عبر القنوات المصرفية.
قبل القرار كان السعر الرسمي للدولار يدور حول 30.9 جنيهًا، وبعد تحريك سعر الصرف ارتفع إلى نطاقات اقتربت من 47–50 جنيهًا.
ووفق صندوق النقد الدولي، أدى توحيد سوق الصرف في مارس 2024 إلى انخفاض قيمة الجنيه بنحو 38% مقابل الدولار، كما ساعد في تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي وإنهاء جزء كبير من طلبات العملة الأجنبية المتراكمة لدى البنوك، والتي قدرت بنحو 7–8 مليارات دولار قبل القرار.
من 2024 حتى الآن.. استقرار نسبي ومخاوف من موجة تضخم جديدة
بعد قرار توحيد سوق الصرف في مارس 2024، بدأت الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية في التراجع، وتحسنت قدرة البنوك على توفير النقد الأجنبي، كما اتجهت معدلات التضخم إلى الانخفاض تدريجيًا مقارنة بذروة عام 2023. إلا أن هذا التراجع لم يعنِ انخفاض الأسعار، بل تباطؤ وتيرة ارتفاعها، في حين ظلت مستويات الأسعار أعلى مما كانت عليه قبل الأزمة.
مخاوف عودة موجة ارتفاع الأسعار إذا حدثت صدمات جديدة في العملة أو الطاقة أو سلاسل الإمداد
ورغم مؤشرات الاستقرار، لا تزال المؤسسات الاقتصادية الدولية تحذر من أن الاقتصاد المصري يظل عرضة لصدمات خارجية قد تؤدي إلى عودة الضغوط التضخمية، خاصة إذا ارتفعت أسعار الطاقة أو تعرضت سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات جديدة أو شهد سوق الصرف ضغوطًا إضافية، كما يشير صندوق النقد الدولي إلى أن استمرار الإصلاحات وزيادة الإنتاج والصادرات يمثلان عاملين أساسيين للحد من مخاطر التضخم مستقبلًا.



