ملفات

«الذهب من زينة وخزينة إلى مصدر للسيولة».. ركود يضرب الصاغة ومبيعات المعدن الأصفر تتراجع بأكثر من 50%

%63 زيادة في سعره خلال عامين.. والشارع يتساءل: «نشتري ولا نبيع؟»

الذهب في مواجهة الدولار والفائدة.. من يتنصر في سباق الادخار طويل الأجل؟

«الزبون بيفكر ألف مرة وبيفاصل في المصنعية».. سوق الذهب يعيش مرحلة ركود ومبيعاته تتراجع لـ11 طنًا

 «بعت الدهب القديم عشان أخد كاش».. المصريون يواجهون زيادة الـ 2385 جنيها في سعر الجرام

 تراجع المبيعات 50%.. وقناعة الشارع: «الأسعار وصلت مستويات قياسية والبيع هو الحل»

«زينة وخزينة» للنساء، و«سبيكة أمان» للرجال، واقع يفرضه الذهب من مكانته التي لا ينافسه فيه أعتى الصناديق الادخارية، كونه الملاذ والأمان وصندوق «ادخار الشعب المصري الأول»، ومهما تحركت أسعار الفائدة صعودًا كما حدث مؤخرًا أو ثباتًا كما حدث في مرات آخرى، فضلًا عن التغير المتصاعد في سعر الدولار، تظل الصاغة ومحلات الذهب المنتشرة في المناطق، هي الملجأ والملاذ الذي يثق به المواطن لحماية ما قدر له ادخاره بشق الأنفس من تقلبات الزمن.

الإقبال على الملاذ والملجأ لاستثمار «الذهب» شهد تراجعًا على مستوى المؤشرات العامة للسوق، وفقًا لما قاله هاني ميلاد، رئيس شعبة الذهب والمجوهرات باتحاد الغرف التجارية، موضحًا أن تقلبات الأسعار وعدم وضوح اتجاه السوق تسببا في حالة من القلق لدى المواطنين، التي انعكست على قرارات الشراء.

تراجع مبيعات الذهب بأكثر من 50%

وكشف «ميلاد» عن تراجع مبيعات الذهب بأكثر من 50% مقارنة بالعام الماضي، منوهًا بأن التراجع طال المشغولات الذهبية والسبائك على حد سواء، فضلًا عن تأثر المبيعات بتوقف أنظمة التقسيط والائتمان التي كانت تتيح لبعض المواطنين شراء الذهب على فترات.

وأضاف رئيس شعبة الذهب بالغرفة التجارية، أن سوق الذهب يمر حاليًا بمرحلة تشبه الركود، نتيجة حالة القلق لدى المواطنين وعدم وضوح اتجاهات الأسعار، وهو ما انعكس على قرارات الشراء والطلب على المشغولات والسبائك، متوقعًا أن يشهد الربع الأول من عام 2027 عودة الذهب إلى الارتفاع، حال انتهاء الحرب أو تجاوز مراحلها الحالية.

وعلى أرض الواقع، ومن داخل أروقة محلات الذهب، رصدت«ليبرالي»، تراجع الشراء والإقبال على البيع، في مفارقة قلما تحدث في الفترة الأخيرة، حيث قال محمد مصطفى، صاحب محل المصطفى للذهب بعزبة شلبي في حي المطرية، إن حركة شراء المشغولات الذهبية العادية ضعيفة حاليًا، لافتًا إلى أن بيع المشغولات مقتصر في الأغلب على الشبكة الضرورية للعرسان الجدد.

الزبون بيفكر ألف مرة.. وبيفاصل في المصنعية

وأضاف «مصطفى» في حديثه لـ«ليبرالي»، أن الإقبال بات على الأوزان الخفيفة من السبائك، قائلًا:« تذبذب الأسعار العالمي والمحلي مخلي الناس كل ما السعر ينزل شوية تنزل تشتري بسرعة خايفة يرفع تاني، لكن أنا كصاحب محل، الركود في بيع الغوايش وسلاسل العيار 18 و21 مأثر على حركة المحل مقارنة بالسنين إللي فاتت، لأن هامش الربح والمصنعية إللي بنعتمد عليهم موجودين في المشغولات أكتر من السبائك».

ومن قلب الصاغة، قال أمير عمر، مالك محل في الصاغة: «حاليًا توجد فئة كبيرة من المواطنين، تُفضل بيع الذهب لتجني أرباح وتوفر سيولة»، منوهًا بأن المستهلك لديه قناعه أن الأسعار وصلت لمستويات قياسية ومن الممكن أن تهبط في أي وقت، فيُفضل البيع الآن والحصول على الفلوس«كاش».

وأضاف «عمر» في حديثه لـ«ليبرالي»، أن القوة الشرائية تعتبر متراجعة سواء في الرغبة في اقنتاء المشغولات الذهبية أو السبائك والجنيهات الذهب، قائلًا:« الزبون بيفكر ألف مرة وبيفاصل في المصنعية قبل ما ياخد القرار».

بيع بعض المشغولات القديمة.. للاستفادة من أرباحها

شكوى أصحاب محلات الذهب، تتفق مع قرارات المواطنين، حيث قالت إسراء محمد، مدرسة لغة إنجليزية، وأم لبنت رضيعة، إنها طوال السنين الماضية كانت تتعامل مع الذهب «كزينة وادخار» في آن واحد، كونه قيمة محفوظة في البيت «هتنفع وقت اللزوم».

وأوضحت «إسراء» في حديثها لـ«ليبرالي»، أن الارتفاعات الأخيرة وشراء المشغولات الذهبية للزينة بات مكلفًا بشكل غير منطقي، لاسيما مع ارتفاع قيمة المصنعية والضريبة على الجرام الواحدة، ما دفعها للتوقف عن شراء المشغولات، بخلاف استغلالها وصول الذهب لأسعار قياسية و«بيع» بعض المشغولات القديمة بهدف الاستفادة من أرباحها.

أما تراجع مشتريات المصريين من الذهب والإقبال على السبائك، فكشف عنه مجلس الذهب العالمي، حيث تراجعت حجم مشتريات المصريين من الذهب خلال الربع الثاني من عام 2026 إلى 11.1 طن من الذهب، منخفضا بنسبة 4.3% عن مشتريات الربع الثاني من عام 2025 والتي كانت بقيمة 11.6 طن، إلا أنه ظل أعلى من مشتريات المصريين من المشغولات الذهبية خلال الربع الثاني 2026 ، حيث سجلت 4.9 طن لتنخفض بنسبة 14% عن مشتريات الربع الثاني 2025 التي سجلت 5.7 طن، كما جاءت أقل من مشتريات الربع الأول من 2025 التي كانت عند 5.2 طن.

رصد «ليبرالي» لأسعار الذهب أخر عامين

وأفاد مجلس الذهب العالمي، بأن مشتريات السبائك والعملات الذهبية خلال الربع الثاني 2026 سجلت 6.2 طن مرتفعة بنسبة 6% بالمقارنة مع مشتريات الربع الثاني 2025 التي كانت عند 5.9 طن، بينما كانت مشتريات الربع الأول من هذا العام من السبائك والعملات الذهبية عند 5.7 طن.

وأشار مجلس الذهب العالمي إلى أن الانخفاض الكبير في الطلب من المصريين على المشغولات الذهبية خلال الربع الثاني من العام، يرجع إلى استمرار التضخم المرتفع وتقلبات العملة المحلية مقابل الدولار.

ووفقًا لرصد «ليبرالي» لأسعار الذهب أخر عامين، لاسيما بداية من نوفمبر 2024 إلى اليوم، تكشف المقارنة الزمنية لأسعار الذهب عن ارتفاع جرام عيار 21 من 3780 جنيهًا في 1 نوفمبر 2024 إلى 5350 جنيهًا في 1 نوفمبر 2025، بزيادة بلغت 1570 جنيهًا تعادل نحو 41.53%، قبل أن يواصل الصعود إلى 6120 جنيهًا في 1 أكتوبر 2026، بزيادة 14.39% مقارنة بمستواه في نوفمبر من العام السابق.

زيادة سعر الجرام 2385 جنيهًا

وخلال شهر أكتوبر 2026 وحتى بداية نوفمبر الجاري، ارتفع سعر الجرام من 6120 إلى 6165 جنيهًا، بزيادة 45 جنيهًا تعادل نحو 0.74%، لتصل الزيادة الإجمالية خلال عامين إلى 2385 جنيهًا، بنسبة ارتفاع بلغت 63.1% مقارنة بمستواه في نوفمبر 2024.

وفي السياق ذاته، أكد أسامة أحمد، سكرتير شعبة الذهب باتحاد الغرف التجارية، على تقييم أداء الذهب من منظور طويل الأجل، بدلًا من التركيز على تحركاته خلال أسابيع أو أشهر، لافتًا إلى ارتفاع قيمة الذهب 3 أضعاف تقريبًا منذ عام 2020 وحتى الوقت الحالي، وهو ما يعكس حجم المكاسب التي حققها الذهب خلال السنوات الماضية، رغم فترات التراجع والتذبذب التي شهدها السوق.

وأشار «أحمد» في حديثه لـ«ليبرالي»، إلى أن الارتفاعات القياسية التي شهدها الذهب مؤخرًا، وسجل سعر الأوقية 5500 دولار، من الممكن أن لا تتكرر بالمعدلات نفسها، لافتًا إلى أن التوقعات السابقة بمواصلة الصعود استندت إلى تصاعد التوترات الجيوسياسية وحالة عدم اليقين عالميًا، لكن تحركات الأسواق الأخيرة أظهرت أن الحرب لم تعد تضمن ارتفاع الذهب.

الاستثمار في المشروعات أفضل من شراء الذهب

وأوضح سكرتير شعبة الذهب، أن توجيه الأموال إلى إقامة مشروع حاليًا أفضل من شراء الذهب، لاسيما إذا كان المشروع قادرًا على تحقيق عائد، بينما يظل الذهب أحد البدائل المتاحة لمن لا يمتلك القدرة على دخول البورصة أو تأسيس مشروع.

وفيما يخص الرأي الاقتصادي، قال الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، إن التراجعات الأخيرة التي شهدتها أسعار الذهب عالميًا ومحليًا تأتي في إطار موجة تصحيح سعري بعد الارتفاعات القياسية التي سجلها المعدن الأصفر خلال الفترة الماضية.

وأفاد «الشافعي» بأن أبرز أسباب الهبوط، تتمثل في ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، وصعود الدولار، وتراجع توقعات خفض أسعار الفائدة، وهو ما دفع بعض المستثمرين إلى إعادة توزيع محافظهم الاستثمارية والاتجاه نحو أدوات مالية تحقق عوائد دورية أكثر جاذبية.

ارتفاع عوائد السندات يُقلل جاذبية الذهب

وأوضح الخبير الاقتصادي، أن ارتفاع عوائد السندات يُقلل جاذبية الذهب باعتباره أصلًا لا يدر عائدًا دوريًا، ويرفع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ به، فيما تؤدي قوة الدولار إلى زيادة تكلفة شراء المعدن الأصفر بالنسبة للمتعاملين بالعملات الأخرى، ما يحد من الطلب عليه.

وأضاف «الشافعي»، أن التوترات الدولية لا تزال من العوامل الداعمة للذهب، لكنها لم تعد تؤدي تلقائيًا إلى ارتفاع أسعاره، لاسيما أن بعض المستثمرين يضطرون إلى بيع حيازاتهم لتوفير السيولة أو تغطية خسائر والتزامات في أسواق أخرى، وهو ما يضغط على الأسعار حتى في أوقات الحروب والأزمات.

وعلى مستوى السوق المصرية، أشار الخبير الاقتصادي إلى أن الأسعار المحلية تتحدد وفق حركة الأوقية عالميًا وسعر صرف الدولار أمام الجنيه، إلى جانب العرض والطلب وحجم السيولة، ولا ينعكس التراجع العالمي بالكامل على السوق المحلية إذا صاحبه ارتفاع في الدولار.

شراء تدريجي للذهب.. وادخار طويل الأجل

وبشأن قرار الشراء، أكد «الشافعي» أن انخفاض الأسعار يتيح فرصة لإعادة تقييم مستويات الدخول، لكنه لا يعني بالضرورة الوصول إلى القاع، ناصحًا الراغبين في الادخار طويل الأجل للذهب بالشراء التدريجي وعلى مراحل بدلًا من ضخ كامل السيولة دفعة واحدة، مع الاحتفاظ بجزء من الأموال للطوارئ وتجنب الاقتراض بغرض المضاربة.

وشدد الخبير الاقتصادي على أن الذهب خلال الفترة المتبقية من 2026 سيظل مرتبطًا بالدولار والفائدة والعوائد الحقيقية ومشتريات البنوك المركزية والتطورات الجيوسياسية، مع تباين التوقعات العالمية بين سيناريوهات أكثر تفاؤلًا وأخرى أكثر تحفظًا.

 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى