
أعاد مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، عقب موافقة مجلس الوزراء، فتح واحد من أكثر الملفات الاجتماعية والقانونية حساسية في مصر، لما يمثله من ارتباط مباشر باستقرار الأسرة وتنظيم العلاقات داخل الطوائف المسيحية. وبينما يحمل المشروع ملامح حسم تشريعي لقضايا ظلت محل جدل، فإنه في الوقت ذاته يثير نقاشًا واسعًا حول قدرته على تحقيق التوازن بين المرجعية الدينية ومتطلبات الواقع الاجتماعي.
البرلمانية السابقة مارجرت عازر ، أكدت أن مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، عقب موافقة مجلس الوزراء عليه، يمثل خطوة تشريعية طال انتظارها نحو توحيد وتنظيم القواعد الحاكمة للأسرة داخل الطوائف المسيحية في مصر، بما يسهم في الحد من تضارب الأحكام وتعدد المرجعيات. وأشارت إلى أن بند إلغاء الاعتداد بتغيير الملة أو الطائفة كسبب للتطليق يأتي في صدارة المواد الأكثر إثارة للنقاش، لما يحمله من أبعاد قانونية وإنسانية متشابكة.

وأوضحت عازر في تصريحاتها لـ”ليبرالي” أن هذا التوجه يعكس حرصًا واضحًا على غلق أحد أبرز أبواب التحايل التي استُخدمت لسنوات للالتفاف على القيود المنظمة للطلاق، وهو ما يعزز من استقرار المنظومة القانونية ويحفظ قدسية الزواج وفقًا للتعاليم الدينية لكل طائفة، كما يرسخ مبدأ أن عقد الزواج لا يجوز التحلل منه بإجراءات شكلية، وإنما يخضع لضوابط موضوعية محددة.
وأضافت أنه في المقابل، يطرح هذا البند تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة القانون على استيعاب الحالات الإنسانية المعقدة، التي قد تصل فيها العلاقة الزوجية إلى طريق مسدود دون توافر أسباب التطليق التقليدية، لافتة إلى أنه في غياب بدائل قانونية مرنة تعالج هذه الحالات، قد يجد بعض الأفراد أنفسهم أمام أوضاع صعبة تتطلب حلولًا أكثر توازنًا.
وشددت عازر على أن التحدي الحقيقي أمام هذا المشروع لا يكمن فقط في سد الثغرات القانونية، بل في تحقيق معادلة دقيقة بين احترام المرجعية الدينية وضمان الحق في حياة أسرية مستقرة وكريمة، مؤكدة أن نجاح القانون سيُقاس بقدرته على تحقيق الانضباط دون أن يفقد حسه الإنساني، وعلى حماية المؤسسة الأسرية دون أن يغفل واقعها.

أكد عضو مجلس النواب وعضو المجلس الإنجيلي العام فريدي البياضي، أن موافقة مجلس الوزراء على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين تمثل تطورًا مهمًا في ملف ظل معلقًا لسنوات طويلة، مشيرًا إلى أن أهمية هذه الخطوة لا تقتصر فقط على تحريك مشروع قانون طال انتظاره، وإنما تمتد لما يمكن أن تحققه من إنهاء لحالة ممتدة من الغموض التشريعي التي أثرت على أوضاع عدد كبير من الأسر المسيحية.
وأضاف البياضي أن هذا الملف جاء نتيجة مسار طويل من المتابعة والمشاركة، موضحًا أنه كان ضمن أول لجنة شُكلت من الكنائس المصرية قبل أكثر من 12 عامًا لوضع الخطوط الأساسية للقانون، كما شارك لاحقًا في مناقشات المسودة النهائية مع وزارة العدل، وهو ما يجعله أكثر إدراكًا لحجم الجهد المبذول عبر هذه السنوات، وكذلك لحجم الحاجة الملحة لإصدار هذا القانون.
وأشار إلى أن القانون المنتظر لا يتعامل مع مسألة نظرية أو خلاف محدود، بل يرتبط بشكل مباشر بحياة المواطنين واستقرار الأسرة، نظرًا لتنظيمه قضايا بالغة الحساسية مثل الزواج والانفصال وتداعياتهما، إضافة إلى ملفات الحضانة والرؤية والولاية التعليمية، مؤكدًا أن مثل هذه القضايا لا يجوز أن تظل رهينة التأجيل أو البطء أو غياب الحسم التشريعي.
وأوضح أن من أبرز مزايا هذا القانون أنه يرسخ إطارًا قانونيًا أكثر وضوحًا واستقرارًا للأحوال الشخصية للمسيحيين، بما يسهم في الحد من تضارب التفسيرات والاجتهادات، ويقلل من حالة الارتباك التي عانت منها الأسر لسنوات. كما لفت إلى أنه يساعد في غلق أبواب التحايل والالتفاف، وينظم مسائل دقيقة مثل الحضانة والرؤية والولاية التعليمية بشكل أكثر وضوحًا، بما يحقق توازنًا أفضل بين احترام المرجعية الدينية ومواجهة التحديات الواقعية التي تعيشها الأسرة.

كان مجلس الوزراء، خلال اجتماعه أمس الأربعاء برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، قد وافق على مشروع قانون الأسرة للمصريين المسيحيين (الأحوال الشخصية)، تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بسرعة الانتهاء من مشروعات قوانين الأسرة للمسيحيين والمسلمين، إلى جانب مشروع قانون صندوق دعم الأسرة، تمهيدًا لإحالتها إلى مجلس النواب.
وأكد رئيس مجلس الوزراء خلال الاجتماع أنه سيتم إحالة مشروعات القوانين الثلاثة إلى البرلمان تباعًا، بواقع مشروع قانون كل أسبوع، في خطوة تستهدف تلبية تطلعات المواطنين، وتعزيز الاستقرار الأسري والمجتمعي، وضمان حفظ حقوق جميع الأطراف.
ويأتي إعداد مشروع القانون تنفيذًا لنص المادة الثالثة من الدستور المصري، التي تنص على أن مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين هي المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية وشؤونهم الدينية واختيار قياداتهم الروحية. وفي هذا الإطار، كان صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2172 بتشكيل لجنة قانونية برئاسة ممثل عن وزارة العدل وعضوية ممثلين عن الوزارات والجهات المعنية، إلى جانب ممثلين عن الطوائف المسيحية المختلفة، وذلك لدراسة مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر وإعداده في صورته النهائية.
وعقدت اللجنة 35 اجتماعًا حتى 20 أبريل 2026، بحضور ممثلي جميع الطوائف المسيحية، وتم إعداد مشروع القانون بعد سلسلة من المناقشات والحوار المجتمعي الموسع، بمشاركة القيادات الدينية ومستشاريها القانونيين وأعضاء من مجلسي النواب والشيوخ، بهدف الوصول إلى صيغة توافقية تراعي الخصوصيات العقائدية للطوائف المسيحية المختلفة، دون المساس بالثوابت الدينية، مع ضمان شمول المشروع لكافة مسائل الأحوال الشخصية.
وأوضح المستشار محمود الشريف، وزير العدل، أن الوزارة أجرت حوارًا مجتمعيًا موسعًا تنفيذًا للتوجيهات الرئاسية، حيث تم عرض مشروع القانون على أبناء الطوائف المسيحية المخاطبة بأحكامه للاستماع إلى آرائهم وملاحظاتهم، وأسفرت جلسات الحوار عن توافق الحضور على غالبية أحكام المشروع.
وأضاف الوزير أنه تم أيضًا استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى، والمجلس القومي لحقوق الإنسان، والمجلس القومي للمرأة، والمجلس القومي للطفولة والأمومة بشأن مشروع القانون، تنفيذًا لأحكام الدستور، وقد أُخذت الملاحظات الواردة من هذه الجهات في الاعتبار أثناء الصياغة النهائية.
وأشار وزير العدل إلى أن المشروع يمثل خطوة تشريعية مهمة، حيث جمع كافة الأحكام المنظمة لشؤون الأسرة المسيحية في قانون موحد، بعدما كانت هذه الأحكام موزعة على عدة أدوات تشريعية متفرقة، الأمر الذي يسهم في تسهيل اطلاع المواطنين على حقوقهم والتزاماتهم، كما يساعد القضاة في سرعة الفصل في القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية.
وأكد أن مشروع القانون يتميز بسهولة التبويب وسلاسة الصياغة، بما يتيح للمواطنين فهم نصوصه بوضوح، حتى لغير المتخصصين في القانون، مما يعزز الوعي القانوني لدى المواطنين بحقوقهم وواجباتهم الأسرية. وشدد الوزير على أن المشروع راعي في صياغته مبدأ المساواة أمام القانون، حيث تم توحيد الأحكام المتعلقة بالمسائل غير العقائدية، مثل مسكن الزوجية، والرؤية، والحضانة، ووثيقة التأمين، وملحق عقد الزواج، والعقوبات المترتبة على مخالفة الأحكام، بحيث تكون موحدة لجميع أبناء الوطن، وبما يتوازى مع الأحكام المقابلة لها في مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسلمين. كما أوضح أن المشروع جاء نتيجة توافق كامل بين مختلف الطوائف المسيحية في مصر، سواء في الجوانب الموضوعية أو الإجرائية، بما يعكس حرص الدولة على احترام الخصوصية الدينية وتحقيق العدالة التشريعية.
ويمثل مشروع القانون نقلة تشريعية كبيرة، بعدما جمع جميع القواعد المنظمة للأحوال الشخصية للمسيحيين في قانون واحد، بدلاً من تشتتها في عدة لوائح وأدوات تشريعية مختلفة، مع الحفاظ على خصوصية كل طائفة في المسائل العقائدية.
ونص مشروع القانون على أن الخطبة لم تعد مجرد اتفاق اجتماعي، بل أصبحت عقدًا رسميًا موثقًا يتضمن الشبكة بشكل صريح، ويتم الإعلان عنه داخل الكنيسة لمدة شهر قبل الزواج لإتاحة الفرصة لتقديم أي اعتراض.
كما أصبح الزواج يتضمن ملحقًا تعاقديًا يحدد الشروط المتفق عليها بين الزوجين، مثل عمل الزوجة أو الالتزامات المالية، بحيث يصبح الإخلال بهذه الشروط سببًا قانونيًا لرفع دعوى طلاق أو تعويض.
وأكد المشروع أن الطلاق يظل خاضعًا لعقيدة كل كنيسة، مع الإبقاء على خصوصية بعض الطوائف التي تعتمد الانفصال الجسدي بدلًا من الطلاق. كما تم توسيع مفهوم الزنا ليشمل صور الخيانة الزوجية المختلفة، مع ترك سلطة تقديرها للقاضي، فيما تم تقسيم إنهاء العلاقة الزوجية إلى ثلاث حالات: البطلان، والانحلال، والتطليق.
ويتضمن المشروع حالات واضحة لبطلان الزواج، مثل إخفاء مرض نفسي أو عقلي، أو تقديم شهادة خلو موانع مزورة، أو وجود مانع صحي أو قانوني لم يتم الإفصاح عنه.
ومن أبرز البنود التي يتضمنها المشروع، عدم الاعتداد بتغيير الملة أو الطائفة حال وقوع نزاع بين الزوجين، لمنع التحايل أو الهروب من الالتزامات القانونية.
كما يمنح المشروع الحق لمن يحصل على حكم بالطلاق في التقدم بطلب للزواج مرة أخرى، لكن القرار النهائي يظل للكنيسة وفقًا لعقيدتها.
وشمل المشروع مواد خاصة بالميراث والنفقات والحضانة، حيث أكد على مساواة الرجل والمرأة في الميراث، إلى جانب منح المرأة المسيحية الحقوق المالية نفسها المقررة في قوانين الأحوال الشخصية للمسلمين.
كما استحدث المشروع نظام “الاستزارة” الذي يسمح للطفل بالمبيت مع والده والسفر معه لمدة أسبوع سنويًا إلى جانب إقرار الرؤية الإلكترونية للأب المسافر عبر وسائل التواصل الاجتماعي.





