
نشبت في الأشهر الأخيرة خلافات حادة بين الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مع قادة أوروبيين، وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، والمستشار الألماني، فريدريش ميرز، ورئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، سواء لأسباب تتعلق بالرسوم الجمركية الأمريكية والنزاعات حول حلف الناتو وجرينلاند، وصولاً لحرب إيران ورفض الأوروبيين المشاركة فيها نتيجة عدم استشارته لهم قبل قرار شن الحرب على إيران.
وهدد “ترامب” باتخاذ إجراءات انتقامية، بما في ذلك سحب القوات الأمريكية من الدول الأربع الأعضاء في حلف الناتو، لعدم دعمها له، ورغم هذه الخلافات، يسعى حلفاء الولايات المتحدة إلى إحراز تقدم سريع من شأنه تخفيف الأثر الاقتصادي لارتفاع أسعار النفط الناجم عن حصار مضيق هرمز.
انعقدت قمة مجموعة السبع في مدينة “أيفيان” الفرنسية، في منتصف يونيو الجاري، بحضور ضيوف من دول أخرى من بينها مصر،والبرازيل، والهند، وكينيا، وكوريا الجنوبية، للمشاركة في بعض المناقشات.

مجموعة السبع
مجموعة السبع “G7” هي منتدى سياسي واقتصادي دولي بيضم 7 من أكبر الاقتصادات المتقدمة في العالم وأكثرها ثراءً وتأثيرًاً من الناحية التكنولوجية والصناعية، وهي ليست منظمة رسمية ولكنها تعمل كنادي مغلق يجتمع فيه قادة الدول الأعضاء مرة كل سنة لمناقشة وإدارة الأزمات العالمية.
في العام 1973بدأت كـ “تجمع غير رسمي” لوزراء مالية أكبر القوى الاقتصادية “أمريكا، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا الغربية، واليابان” لمواجهة أزمة النفط والركود الاقتصادي العالمي في السبعينات، أما القمة الأولى”1975″ تحول خلالها التجمع لقمة رسمية للقادة، وانضمت إليهم إيطاليا فتحولت لـ”G6″، وتم اكتمال السباعية عام “1976” بانضمام كندا ليتشكل القوام الحالي للمجموعة “G7” .
أما محطة روسيا “G8” ففي عام 1998 انضمت روسيا للمجموعة وتحول اسمها لـ مجموعة الثمانية “G8″، كخطوة لدمجها مع الغرب بعد نهاية الحرب الباردة، لكن تم طردها وتعليق عضويتها في عام 2014 بعد ضمها لشبه جزيرة القرم، ليعود الاسم مجددًا لـ7G.
وتحتاج قمة السبع إلى أن تتحول لتعزيز مكانتها، في وقت تشكل اقتصادات الأسواق الناشئة غير المنتمية للمجموعة حصة أكبر من الاقتصاد العالمي، حيث تلحق الولايات المتحدة تحت إدارة الرئيس ترامب الضرر بالنشاط الاقتصادي العالمي، وتقوض الإمكانات الاقتصادية للعديد من الدول.

الاتفاق الإيراني – الأمريكي
أمضى الرئيس “ترامب” معظم وقته في اجتماعات قمة مجموعة السبع الحالية يروج لاتفاقه المبدئي مع إيران، لكن لا تزال هناك تساؤلات كثيرة حول كيفية إعادة فتح مضيق هرمز الحيوي، وما هي تفاصيل الاتفاق، وعند سؤاله عن موعد نشر نص الاتفاق، قال “ترامب” إنه يعتقد أن بنود الاتفاق ستعلن في الموعد المحدد.
ويبقى السؤال الأهم هو ما مدى ثقته بأن إسرائيل لن تتخذ إجراءات تزعزع الاتفاق المبدئي؟، حيث قال “ترامب” الثلاثاء الماضي، إنه على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تخفيف حدة العدوان في لبنان، مضيفًا:” لطالما كانت علاقتي مع نتنياهو ممتازة، لكن عليه الآن أن يكون أكثر مسئولية تجاه لبنان”.

التأثير الاقتصادي للحرب على إيران
أدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، وتجدد الضغوط التضخمية، وأثارت المخاوف بشأن أزمة إمدادات غذائية كبيرة في الدول النامية، ليشدد محافظو البنوك المركزية سياستهم النقدية، حيث رفع البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان أسعار الفائدة خلال الأسبوع الماضي لتجنب موجة تضخم حادة.
وصرح رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، بأنه سئم من تأثير الصراع على فواتير الطاقة، وحذرت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للحرب، كما أدى ارتفاع الأسعار إلى تراجع شعبية “ستارمر”، والمستشار الألماني فريدريش ميرز، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
وعلى الرغم من كل ذلك، تجنب القادة إلى حد كبير النقاشات حول الأثر الاقتصادي للحرب خلال اجتماع مجموعة السبع هذا الأسبوع، رغبة منهم في تجنب الصدام مع “ترامب”، الذي يحتاجون إلى تعاونه في قضايا تتراوح بين أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي والتجارة.

صندوق النقد الدولي
شاركت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، التي انضمت إلى قادة مجموعة السبع في فرنسا، وجهة نظر أكثر تفاؤلًا في تدوينة نشرتها الإثنين الماضي بعد التوصل إلى الاتفاق مع إيران، متراجعة عن تحذيراتها الشديدة التي أطلقتها قبل شهرين، وقالت إن الاقتصاد العالمي صامد حتى الآن، ولا توجد مؤشرات على تباطؤ عالمي رغم التأثيرات الكبيرة التي لحقت بمختلف المناطق.
كما سيصدر صندوق النقد الدولي الذي تعد الولايات المتحدة أكبر مساهميه، توقعات عالمية محدثة في 8 يوليو المقبل، وأشار منشور “جورجيفا” الذي جاء بعد أيام من توقعات أكثر تشاؤمًا من البنك الدولي، إلى أن صندوق النقد الدولي قد يستقر على السيناريو الأقل سوءاً من بين ثلاثة سيناريوهات، حيث يفترض أحدها حربًا إيرانية قصيرة الأمد، ويتوقع نموًا بنسبة 3.1% في عام 2026، بانخفاض عن 3.4% في عام 2025، أما أسوأ سيناريو فيتوقع انخفاض النمو إلى 2% فقط، مع وصول التضخم إلى 5.8%.

الحرب الروسية الأوكرانية.. الحرب التي طال آمدها
عمل حلفاء الولايات المتحدة في قمة مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى يوم الثلاثاء الماضي، على إعادة طرح قضية الحرب في أوكرانيا على جدول أعمال الرئيس دونالد ترامب، بعد أكثر من أربع سنوات من القتال الذي أشعلته روسيا بغزوها الشامل.
وقال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إنه سيسعى لإقناع “ترامب” بمواصلة دعم أوكرانيا وزيادة الضغط على روسيا للمساعدة في التوصل إلى اتفاق سلام، يأتي ذلك مع تقليص الولايات المتحدة في عهد “ترامب” مساعداتها لأوكرانيا، أصبحت فرنسا وحلفاؤها الأوروبيون الآن أكبر مقدمي الدعم العسكري والمالي لكييف.
قلل “ترامب” من شأن تأثير الحرب الروسية الأوكرانية على الولايات المتحدة، لكنه أعرب عن أسفه لارتفاع عدد القتلى، وتحدث “ترامب” مع الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، في قمة إيفيان بفرنسا، وقال إنه يعتزم لقاء زيلينسكي مجددًا، كما ذكر أنه تحدث مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الأحد الماضي، وقال ترامب:”على روسيا التوصل إلى اتفاق، لقد خسرت روسيا أعدادًا هائلة من الأرواح، وكذلك أوكرانيا”، وأضاف:” لقد حسمت ثماني حروب؛ هذه هي التي اعتقدت أنها ستكون الأسهل في التسوية”.
وبالتزامن مع القمة أعلنت المملكة المتحدة عن حزمة جديدة من العقوبات تستهدف “الأسطول الخفي” الذي تستخدمه روسيا لنقل النفط والغاز، والشبكات المالية التي تستخدمها موسكو للالتفاف على العقوبات الغربية.، وتشمل السفن المستهدفة عدة سفن اشترتها روسيا مؤخراً لنقل الغاز الطبيعي المسال من مشروعها “آركتيك إل إن جي 2” الخاضع للعقوبات، وفي نهاية الأسبوع الماضي، استولت القوات البريطانية على سفينة تابعة للأسطول الخفي الروسي في القناة الإنجليزية للمرة الأولى.

الانضمام للاتحاد الأوروبي.. حلم يتحطم على صخرة الواقع
بدأت أوكرانيا رسميًا الإثنين الماضي، مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، مدشنة بذلك عملية ستلزم حكومتها بالالتزام بسنوات من الإصلاحات السياسية، حتى في ظل مقاومتها للغزو الروسي.
وتعتبر أوكرانيا عضوية الاتحاد الأوروبي ضمانة أمنية لمستقبل مستقر بعد انتهاء الحرب، ويعد الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي “الناتو” أفضل ضمانة لها، إلا أن إدارة “ترامب” تصر على استحالة ذلك، بينما يخشى آخرون انضمامها في ظل استمرار الحرب.

الذكاء الاصطناعي.. كابوس تحول إلى حقيقة
توافد رؤساء كبرى شركات الذكاء الاصطناعي في العالم إلى مؤتمر مجموعة السبع في فرنسا، في مؤشر على تنامي نفوذهم الجيوسياسي مع تصدّر الذكاء الاصطناعي قائمة الأولويات العالمية، ما يُعني التحول في من يحصل على مقعد على طاولة القرار، ومؤشر على التحول في مراكز القوة.
ويشارك رؤساء تنفيذيون، من بينهم سام ألتمان من “Open AI”، وداريو أمودي من “Anthropic”، وديميس هاسابيس من “GoogleDeepMind”، إلى جانب نحو اثنى عشر من قادة التكنولوجيا الآخرين، في اجتماع غداء على هامش القمة في إيفيان يوم الأربعاء.
ومن المتوقع أن تناقش في المؤتمر مخاطر الذكاء الاصطناعي الناشئة، والبنية التحتية، والسيادة، كما ستكون حماية الأطفال على الإنترنت محورًا رئيسيًا للمناقشات، وفقًا لما أعلنه قصر الإليزيهفي مؤتمر صحفي الخميس الماضي.
تأتي قمة مجموعة السبع، في وقت لا تزال فيه شركة “أنثروبيك” تخوض مفاوضات مع الإدارة الأمريكية بعد أن فرضت واشنطن قيودًا على تصدير نماذجها “Fable 5” و”Mythos 5″، وسط مخاوف تتعلق بالأمن القومي.
وقال “إيمرسون بروكينج” الباحث البارز في المجلس الأطلسي لشبكة (CNBC): “أشارت دول عديدة من مجموعة السبع سابقًا إلى ضرورة الاستثمار السيادي في الذكاء الاصطناعي، ولكن كان هناك دائمًا افتراض بأن ذلك سيتم بالتزامن مع إتاحة الوصول إلى البنية التحتية التقنية الأمريكية، والآن، أبدت الولايات المتحدة استعدادها لعزل مجموعة السبع، بل وحتى حلفائها بموجب المعاهدات، عن بعض قدرات الذكاء الاصطناعي”.
ما يعكس هذا حقيقة أن القوتين الرائدتين في مجال الذكاء الاصطناعي هما الولايات المتحدة والصين، مع وجود مساحة ضئيلة أمام اقتصادات مجموعة السبع الأخرى للعب دور قيادي في هذا المجال.

تخوفات من الصين
لا تحضر الصين قمة مجموعة السبع، على الرغم من أن بلومبيرج ذكرت أن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، كان قد فكر في دعوة شي جين بينج في نوفمبر الماضي، إلا أنه شارك في مكالمة هاتفية غير مسبوقة مع “ماكرون” قبل انعقاد القمة، مما يشير إلى مكانة الصين في مناقشات مجموعة السبع، ما يشير إلى محاولة من “ماكرون” لاستغلال التنافس الأمريكي الصيني، في محاولة لإظهار للولايات المتحدة أن هناك دولاً أخرى يمكنها التعاون معها، في ظل وجود أوروبا بين خطر فرض قيود على صادرات الذكاء الاصطناعي من جهة، والمعادن الحيوية من جهة أخرى.
كان محور التركيز في معالجة الاختلالات هو قضية الصين، ومسألة الطاقة الإنتاجية الصناعية الفائضة، والعجز التجاري، فالصين هي القضية الأبرز التي تجاهلتها أوروبا وحذرت واشنطن منها.

مدي جدوى قمة السبع
تواجه مجموعة السبع تساؤلات حول جدواها في ظل نمو الاقتصادات النامية كالصين والهند والبرازيل، ووفقًا لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية لا تمثل هذه المجموعة الاقتصادية للدول السبع حاليًا سوى 44.1% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بعد أن كانت تمثل 60.5% عند تأسيسها.
إلا أن القادة المشاركون يؤكدون أن مجموعة السبع لا تزال ذات فائدة عند وقوع الأزمات، كالأزمة المالية العالمية 2008-2009، وأن مجموعة السبع قادرة عند الحاجة إلى اتخاذ قرارات فعالة لاتزال تسير نصف الاقتصاد العالمي.
وقال الرئيس السابق لاستراتيجية صندوق النقد الدولي “مارتن موهلهايزن”، والذي شارك في قمم سابقة بما فيها قمم مع “ترامب”، أن القادة الأوروبيين سيتوخون الحذر خلال الاجتماعات الرسمية، لكن من الممكن أن تحدث خلافات حادة خلال الاجتماعات الفردية والوجبات.
ليبقي السؤال الأهم: أي من هاتين التبعيتين، الاعتماد على الولايات المتحدة في البرمجيات التي تشكل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، والاعتماد على الصين في البنية التحتية المادية التي تشكل أساس الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة، هو سؤال يصعب على أوروبا الإجابة عنه، فهي عالقة ما بين سلاسل الإمداد للمعادن الحيوية من الصين، ونماذج الذكاء الاصطناعي من الولايات المتحدة، لذا فعلى أوروبا حل كلا المعضلتين.





