اتفاق مكة للدفاع المشترك.. هل يمثل بداية لاستراتيجية جديدة تمهد لشرق أوسط ما بعد أمريكا؟

دفعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران العديد من الدول في الشرق الأوسط إلى البحث عن ترتيبات جديدة لحماية ابنها، فكانت النتيجة “اتفاق مكة للدفاع المشترك” الذي وُقع بين كلاً من المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، في مكة المكرمة يوم الجمعة الماضي.
وبينما تسعى الدول الثلاث إلى إظهار رسالة قوة موحدة في مواجهة التهديدات الإقليمية، فقد توخوا الحذر أيضًا في تصوير الاتفاق كرادع جماعي، إلا أن كل من الرياض وأنقرة وإسلام آباد حرصوا على عدم استعداء خصومهم الإقليميين، ولا يزال من غير الواضح إلى أي مدى سيلزم الاتفاق أعضاءه بالدفاع عن حلفائهم.
تمنح الاتفاقية المملكة العربية السعودية طبقة حماية جديدة وقوية تتجاوز شراكتها الأمنية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة، وسط تزايد الشكوك الإقليمية حول قدرة واشنطن على حماية حلفائها في منطقة الخليج العربي، بينما يعزز هذا الاتفاق مكانة باكستان في البنية الأمنية الناشئة في الشرق الأوسط.

نص الاتفاق
بينما لم يعلن بعد عن بنود إعلان مكة، إلا أن الاتفاق يهدف إلى تعزيز الردع الجماعي ضد أي عمل عدواني، وأن أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث يعتبر هجومًا عليها جميعًا، وفقًا للبيان صادر عن الاجتماع، كما ينص الاتفاق على تعزيز جميع جوانب التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث، ورغم عدم وضوح الشكل الذي قد يبدو عليه هذا الاتفاق عمليًا، إلاأن هذا الاتفاق يثير تساؤلات متزايدة حول مدى استدامة الضمانات الأمنية الأمريكية، فاختيار الدول الثلاثبناء تحالفات دفاعية جديدة لا يهدف على الأرجح إلى استبدال الولايات المتحدة أو إزاحتها، بل إلى توفير خيارات استراتيجية وسياسية إضافية.
لا تعد هذه الاتفاقية تحالفًا على غرار حلف شمال الأطلسي “الناتو”، ولا تشير إلى تكتل إقليمي جديد مستقل، لكن هذا لا يقلل من أهميتها.

التهديدات للدول الموقعة
التهديدات ليست بعيدة عن أي من الدول الثلاث، فباكستان منخرطة في نزاع حدودي مع أفغانستان منذ فبراير، وتبادلت إطلاق النار لعدة أيام مع الهند، جارتها النووية في مايو2025، وفي غضون ذلك تعرضت السعودية لهجمات متكررة من إيران وحلفائها منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في أواخر فبراير، وتخوض تركيا حروبًا ضد الجماعات الكردية المسلحة داخل البلاد وخارجها منذ سنوات، كما تصاعدت توتراتها مع إسرائيل.
كما تتشارك باكستان وتركيا حدوداً مع إيران، ولكل منهما أسباب وجيهة لمنع تصاعد الصراع، فعلى باكستان إدارة شؤونها مع أغلبية شيعية كبيرة، والحفاظ على علاقتها الحساسة مع طهران، بينما تتشارك تركيا وإيران مخاوفهما بشأن النزعة الانفصالية الكردية، على الرغم من تنافسهما في مناطق أخرى من المنطقة.
كما لا يزال من غير المعروف كيف يمكن لاتفاقية مكة للدفاع المشترك أن تجر الدول الثلاث الموقعة إلى الانخراط في أي من الصراعات للدول حلفاؤها، فهل من الممكن أن تتدخل السعودية في الصراع الحدودي لباكستان؟، هل من الممكن أن ترد تركيا على هجمات الحوثيين ضد السعودية؟ لاتزال الإجابة مرهونة بعامل الوقت.

القدرات وتجاوز الخلافات
من الواضح أن الرياض وأنقرة قررتا اتخاذ النهج البراجماتي لتجاوز خلافاتهما السابقة، والتى يقبع على رأسها جريمة قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية السعودية في إسطنبول عام 2018، إلى شرخ في العلاقات السعودية التركية استمر لسنوات قبل أن يحل عام 2022 وتبدأ الرياض وأنقرة في خفض التصعيد، حيث بدأت الرياض في استراتيجية خفض التصعيد، بينما اتجهت أنقرة إلى تعزيز اقتصادها.
كما تمتلك كل دولة من هذه الدول قدرات فريدة، فالجيش الباكستاني متمرس في المعارك، ويملك ترسانة من الذخائر والأسلحة النووية، وهي الدولة الوحيدة من نوعها في دولة ذات أغلبية مسلمة، كما تساهم تركيا العضو المحوري في حلف الناتو، بتكنولوجيا الطائرات المسيرة عالمية المستوى والتصنيع الدفاعي المتطور، وتوفر المملكة العربية السعودية الدعم المالي اللازم لذلك.

موقف أمريكا
لم تدلي إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برأيها بعد في الاتفاق، فعلى مدى عقود تمتعت الرياض وواشنطن بعلاقة متينة، تقوم على المصالح الأمنية المشتركة، لكن هذا الاتفاق قد يكون مؤشراً على سعي السعودية لتوسيع تحالفاتها الأمنية.
لقد صرحت إدارة ترامب بأن على الحلفاء الدفاع عن أنفسهم، بينما تقبع إسرائيل على رأس أولويات السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وقدأظهرت تل أبيب التي سعت في السابق إلى تطبيع العلاقات مع السعودية، بعد عام 2023، أنها تفضل تسوية الخلافات بالقوة العسكرية على المفاوضات.

موقف إيران
أشارت ردود الفعل الصادرة من طهران استيائها من الاتفاق، حيث حذر إبراهيم رضائي، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، من أن الاتفاق لن يضمن أمن السعودية، وقال إبراهيم رضائي في تصريح له:”على السعوديين أن يدركوا أن اتفاقاً شكلياً مع تركيا وباكستان لن يحقق لهم الأمن، تماماً كما فشلت عقود من الاعتماد الأحادي الجانب على الأمريكيين في ذلك”.

موقف إسرائيل
باتت تركيا وإسرائيل في مرمى نيران التصريحات المتبادلة، ففي يوليو وصف وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، إسرائيل بأنها عبء لم يعد بإمكان البشرية تحمله، وهي تصريحات فسرها مسؤولون إسرائيليون على أنها دعوة للإبادة الجماعية، وقد صور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وشخصيات سياسية بارزة أخرى في البلاد تركيا على أنها إيران الجديدة، وحذروا من محور سني متطرف ناشئ.
ومن المرجح أن يؤجج هذا الاتفاق الدفاعي الجديد هذه المخاوف، ولم تصدر إسرائيل أي رد فعل حتى الآن على توقيع الاتفاق يوم الجمعةالماضي.

هل يضم الاتفاق أعضاء جدد؟
لا يزال من غير الواضح ما إذا كان حلف مكة للدفاع المشترك سيتوسع ليشمل دولا أخرى، مثل مصر وقطر وسوريا والإمارات العربية المتحدة.
فسوريا تركز حاليًا على إعادة الإعمار بعد حرب دامت 13 عاماً، وموقعها على الحدود الشمالية لإسرائيل قد يجعلها مترددة في الدخول في اتفاق قد ينظر إليه سلباً من قبل إسرائيل.
كما أن مواقف الإمارات العربية المتحدة تباينت مراراً وتكراراً مع مواقف الدول الموقعة في السنوات الأخيرة، لا سيما فيما يتعلق بقضايا مثل اليمن وتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، ونتيجة لهذا التطبيع، جاءت اتفاقيات أبراهام المدعومة من الولايات المتحدة، والتي تقدم من خلال التحالف تكتلاً إقليمياً آخر أكثر تقارباً مع إسرائيل، كما أن الإمارات لها علاقات واتفاقيات ثنائية مع الهند، التي لها عداء مع باكستان، ولذلك بمكن اعتبار الإمارات منافساً لدول تحالف مكة.
وتأتي اتفاقية مكة للدفاع المشتركة في أعقاب جهود المملكة العربية السعودية لتشكيل تحالف بحري لردع الهجمات في البحر الأحمر، وفي الشهر الماضي، دعت المملكة عشرات الدول للانضمام. وأكدت 14 دولة على الأقل، من بينها تركيا ومصر وباكستان ونيجيريا دعمها، على الرغم من أنه لا يزال من غير الواضح كيف سيعمل التحالف.
سيشكل التحالف الناتج عن اتفاق مكة للدفاع المشترك اختباراً حقيقياً للدول الموقعة، فلقد أظهرت الأيام أن إسرائيل وإيران على استعداد لخوض الحرب وتحمل عواقبها. فهل السعودية وتركيا وباكستان مستعدة لتحمل ذلك نيابة عن بعضها البعض؟.
ففي شرق أوسط اليوم قد يبرز سيناريو يجبرهم على اتخاذ هذا القرار، وستحدد هذه القرارات في نهاية المطاف ما إذا كان الاتفاق حقيقي أم مجرد اتفاق حبيس الأدراج.



