
مع بداية العام المالي الجديد، يتجدد الحديث عن الزيادات السنوية المعتادة للحد الأدنى للأجور والذي تم إقراره منذ عام 2018 في عهد حكومة الدكتورمصطفى مدبولي، وفي وقت تعلو فيه أصوات النواب بعدم كفاية النسبة المقررة للزيادة والتي لا تتناسب مع معدلات التضخم، ولا تتناسب مع القفزات الكبيرة في أسعار السلع والخدمات معتبرين ذلك يتنافى مع مبدأ الحكومة لتحقيق العدالة الاجتماعية.
لكن بعيدًا عن الجدل حول قيمة الحد الأدنى للأجور، يبرز سؤال أكثر إلحاحا: ماذا عن ملايين العاملين في القطاع الخاص الذين لا يحصلون على الحد الأدنى للأجور من الأساس، رغم إلزام القانون أصحاب الأعمال بتطبيقه؟
ورغم حديث البعض بمنح المنشآت المتعثرة قدرًا من المرونة لمساعدتها على الاستمرار وتجاوز أزماتها، تتمسك القيادات العمالية بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، حفاظًا على حقوق العاملين، وبين هذا وذاك، يعود الجدل من جديد حول كيفية تحقيق التوازن بين حماية حقوق العمال والحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي.
الأغلبية خارج المظلة
تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن العاملين في القطاع الخاص يمثلون النسبة الأكبر من قوة العمل في مصر، إذ يبلغ عدد المشتغلين نحو 14.311 مليون عامل، بما يقارب 93.9% من إجمالي المشتغلين، بينما تشير تقديرات غير رسمية إلى أن العدد الفعلي قد يكون أكبر من ذلك، في ظل وجود أعداد من العمالة غير الرسمية.
البحث عن معادلة متوازنة
وبينما يرى رئيس لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، النائب محمد سعفان، أنه لا ينبغي تحميل أصحاب الأعمال أعباء إضافية أو توقيع غرامات عليهم إذا ثبتت عدم قدرتهم المالية على تطبيق الحد الأدنى للأجور، مؤكدًا أن الهدف هو تحقيق التوازن بين حقوق العمال واستمرار المنشآت الإنتاجية.
وقال، خلال مناقشة عدد من طلبات الإحاطة المقدمة بشأن عدم التزام بعض أصحاب الأعمال بتطبيق الحد الأدنى للأجور، إذا كان صاحب العمل غير قادر على سداد الحد الأدنى للأجور، فهل من المنطقي تحرير محاضر وتوقيع غرامات عليه؟ نحن مع العامل وصاحب العمل في الوقت نفسه، لأن إغلاق المنشأة في النهاية يضر بالعامل قبل غيره”.
اعتراضات عمالية
في المقابل، رفض عدد من القيادات العمالية فكرة منح استثناءات لبعض أصحاب الأعمال، مؤكدين أن الحد الأدنى للأجور ليس ميزة اختيارية، وإنما حق قانوني لا يجوز الانتقاص منه.
ويستند المعترضون إلى أحكام قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، الذي ألزم منشآت القطاع الخاص بتطبيق الحد الأدنى للأجور وفقًا للقرارات الصادرة عن المجلس القومي للأجور، معتبرين أن أي استثناءات من شأنها إضعاف الحماية القانونية للعامل.
بوابة خلفية للتهرب من المسؤوليات الاجتماعية

أكد محمد ربيع، القيادي العمالي، أن الحديث عن منح استثناءات لأصحاب الأعمال في القطاع الخاص من تطبيق الحد الأدنى للأجور يمثل “بوابة خلفية حقيقية” لتهرب أصحاب الأعمال من مسؤولياتهم الاجتماعية تجاه العمال.
وأكد ربيع في تصريحاته لـ”ليبرالي” إن العامل يمثل جزءًا أساسيًا من العملية الإنتاجية، وإن الإنتاج لا يتحقق إلا بجهد العامل، مشددًا على أن حقه في الحصول على أجر عادل لا يجب أن يكون محل تفاوض أو مزايدة، مضيفًا أن الحد الأدنى للأجور يجب أن يُطبق دون أي إعفاءات أو صلاحيات تسمح لأصحاب الأعمال بالتحلل من التزاماتهم.
وأوضح أن تحقيق التوازن بين العامل وصاحب العمل أمر مطلوب، وأن هذا التوازن يناقش في إطار الحوار بين أطراف العملية الإنتاجية، لكنه شدد على أن هذا التوازن “لا يجوز أن يكون على حساب الأجر”، مؤكدًا أن الأجر العادل حق أساسي، ولا ينبغي الوصول إلى أي تسويات أو حلول تنتقص من الحد الأدنى للأجور.
هل تتخلى الحكومة عن حقوقها؟
ورفض القيادي العمالي تبرير عدم صرف الحد الأدنى للأجور بتعثر بعض أصحاب الأعمال، متسائلًا: إذا تهرب صاحب العمل من سداد الضرائب، هل ستتغاضى الدولة عن حقها بحجة تعثره المالي؟ وهل تتنازل هيئة التأمينات عن مستحقاتها إذا لم تكن لدى صاحب العمل ملاءة مالية؟”، مؤكدًا أن حق العامل يجب أن يكون مقدمًا على أي حق آخر.
واعتبر ربيع أن الحديث عن تعثر بعض المنشآت لا يمثل مبررًا مقبولًا للمساس بحقوق العمال، مؤكدًا أن أي استثناءات أو تخفيضات أو تنازلات تمس حقوق العمال ومستحقاتهم المالية تمثل إهدارًا لهذه الحقوق، خاصة وأن الحد الأدنى للأجور أصبح حقًا أقرته الدولة، ولا يجوز الالتفاف عليه بأي صورة.
حق قانوني لا يجوز الانتقاص منه

أكد محسن عليوة، القيادي العمالي، أن جميع منشآت القطاع الخاص الخاضعة لقانون العمل ملزمة بتطبيق الحد الأدنى للأجور الذي يقرره المجلس القومي للأجور، مشيرًا إلى أن هناك العديد من شركات القطاع الخاص الوطنية تلتزم بالفعل بصرف أجور تفوق الحد الأدنى، بينما لا تزال بعض المنشآت تمتنع عن تنفيذ القرار، وهو ما يستوجب تطبيق القانون عليها.
وأشار في تصريحاته لـ”ليبرالي” إلى أن المجلس القومي للأجور، والمنصوص على تشكيله في المادة (101) من قانون العمل، يضم ممثلين عن الوزارات والجهات المعنية، برئاسة وزير التخطيط من بينها وزارات المالية والتضامن الاجتماعي والصناعة وقطاع الأعمال العام والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وغيرها، ويتولى، وفقًا لـالمادة (102)، تحديد الحد الأدنى للأجور على المستوى القومي، بما يراعي احتياجات العمال وأسرهم، وتكاليف المعيشة، والتغيرات الاقتصادية ومعدلات التضخم، كما يحدد الحد الأدنى للعلاوة الدورية.
وأشار إلى أن قانون العمل فرّق بين الحد الأدنى للأجور والعلاوة السنوية، إذ نص على ألا تقل العلاوة الدورية للعاملين بالقطاع الخاص عن 3% من الأجر التأميني وليس الأجر الأساسي، مع النص على ألا تقل قيمة العلاوة عن آخر علاوة حصل عليها العامل قبل صدور القانون، بما يوفر حماية لحقوق العاملين.
وأضاف أن بعض أصحاب الأعمال يبررون عدم تطبيق الحد الأدنى للأجور بارتفاع تكلفة التأمينات والأعباء المالية، إلا أن هذه المبررات لا تعفيهم من الالتزام بالقانون، مؤكدًا أن العامل الذي لا يحصل على الحد الأدنى من حقه التقدم بشكوى إلى مكتب العمل، وأن المنشآت المخالفة تستحق تطبيق العقوبات المقررة قانونًا.
المعالجة ليست على حساب العامل
وشدد عليوة على رفضه لأي استثناءات عامة من تطبيق الحد الأدنى للأجور، مؤكدًا أن الدولة تقدم بالفعل صورًا متعددة من الدعم للقطاع الإنتاجي، وبالتالي لا يجوز معالجة تعثر بعض المنشآت على حساب العامل، الذي وصفه بأنه “رأس مال الدولة الحقيقي”، لافتًا إلى أن الحد الأدنى للأجور لم يحدد بصورة عشوائية، وإنما جاء بعد دراسات أجرتها جميع الجهات المختصة داخل المجلس القومي للأجور لضمان الحد الأدنى اللازم لمواجهة أعباء المعيشة.
وأكد أن حقوق العمال تأتي في مقدمة الحقوق التي يحميها القانون، موضحًا أنه حتى في حالات الإفلاس أو تصفية المنشآت تكون مستحقات العامل أول الحقوق واجبة السداد، مشيرًا إلى أن أي معالجة لأوضاع المنشآت المتعثرة يجب أن تتم في إطار التشريع والقانون، وليس عبر الانتقاص من حقوق العاملين.
وأوضح أن المجلس القومي للأجور يجتمع، وفقًا للقانون، كل ستة أشهر أو كلما دعت الحاجة، لمراجعة الحد الأدنى للأجور في ضوء المتغيرات الاقتصادية، مثل ارتفاع معدلات التضخم أو تغير سعر الصرف، مؤكدًا أن القرارات التي يصدرها المجلس تأتي بعد تصويت ممثلي جميع الجهات المشاركة فيه، وبالتالي تصبح ملزمة لجميع المنشآت الخاضعة للقانون.
وأضاف أن المادة (104) من قانون العمل نصت صراحة على أن: “تلتزم المنشآت الخاضعة لأحكام هذا القانون بتنفيذ قرارات المجلس القومي للأجور”، وهو نص واضح لا يترك مجالًا للالتفاف على تطبيق الحد الأدنى للأجور، كما أن المادة (105) ألزمت جهاز التفتيش بوزارة العمل بإجراء تفتيش دوري على المنشآت للتأكد من تنفيذ قرارات المجلس القومي للأجور، كما ألزمت أصحاب الأعمال بالاحتفاظ بسجلات ورقية أو إلكترونية تتضمن بيانات أجور العاملين لتسهيل أعمال الرقابة والتفتيش.
الاستثناءات تخضع لضوابط صارمة
وفيما يتعلق بالمطالبات بمنح استثناءات لبعض المنشآت، أوضح عليوة أنه لا يرفض دراسة الحالات الاستثنائية إذا كانت تستند إلى مبررات حقيقية وثابتة، لكن ذلك يجب أن يتم من خلال الجهات المختصة وبعد فحص فعلي لأوضاع المنشأة، وليس بمجرد تقديم طلب من صاحب العمل، حتى لا تتحول الاستثناءات إلى وسيلة لإهدار حقوق العمال.
وقال إن تحقيق التوازن بين استمرار المنشآت الإنتاجية وحماية حقوق العمال أمر مطلوب، لكنه يجب أن يتم وفق الضوابط التي حددها القانون، مؤكدًا أن الاستثناء لا يكون إلا في أضيق الحدود وبعد إثبات التعثر بصورة حقيقية من خلال أجهزة التفتيش المختصة، مع الحفاظ على حق العامل وعدم المساس بالحد الأدنى للأجور.
واختتم عليوة تصريحاته بالتأكيد على أن احترام القانون وتفعيل الرقابة الدورية على المنشآت هو الضمان الحقيقي لحماية حقوق العمال، مشددًا على أن الحد الأدنى للأجور يمثل الحد الأدنى اللازم للحياة الكريمة، ولا يجوز الالتفاف عليه أو الانتقاص منه، مع ضرورة الالتزام الكامل بقرارات المجلس القومي للأجور وتطبيقها على جميع المنشآت الخاضعة لأحكام قانون العمل.
تقاعس من الحكومة

قال النائب إيهاب منصور، عضو مجلس النواب، إن الحكومة تأخرت خلال السنوات الماضية في التعامل مع ملف الشركات التي أعلنت تعثرها عن تطبيق الحد الأدنى للأجور، لافتا إلى أنه سبق وأن أثار هذه القضية خلال مناقشات قانون العمل العام الماضي، إلا أن جزءًا من مقترحاته لم يؤخذ به.
وأشار “منصور” في تصريحاته لـ”ليبرالي” إلى أن هناك ما يقرب من ألفي شركة أو كيان تقدموا للحكومة بطلبات تفيد بعدم قدرتهم على تطبيق الحد الأدنى للأجور، وكان من المفترض أن تتحرك الجهات الحكومية المختصة للنزول إلى أرض الواقع ودراسة أوضاع تلك الشركات، والتمييز بين الكيانات المتعثرة بالفعل وتلك التي تدعي التعثر دون مبرر.
وأضاف إنالحكومة لم تقم بهذه الخطوة من الأساس “وناموا في الخط”، فلم يجر فحص لهذه الطلبات، ولم يصدر قرار بشأنها، ولم تحل المشكلة، فأصبحت الشركات التي تقدمت بطلبات الإعفاء لا تعلم موقفها، وفي المقابل ظل العمال ينتظرون حقوقهم دون أن يحصلوا عليها، مشيرا إلى أنه خلال مناقشات قانون العمل في العام الماضي طالب بوضع آلية واضحة تلزم الحكومة بسرعة البت في طلبات الشركات، حتى لا تظل الملفات معلقة لسنوات دون حسم، إلا أن القانون صدر في النهاية دون النص على أي استثناءات فيما يتعلق بالحد الأدنى للأجور بالقطاع الخاص.
استثناء العلاوات فقط
وأكد أن قانون العمل الحالي ألزم جميع المنشآت بتطبيق الحد الأدنى للأجور دون استثناء، موضحًا أن الاستثناء الوحيد الذي نص عليه القانون يتعلق بالعلاوات فقط، وليس بالحد الأدنى للأجور، قائلاً: “الحد الأدنى أصبح التزامًا قانونيًا على الجميع، أما من يقول إنه غير قادر على منح العلاوات فيمكن النظر في حالته، لكن لا يجوز إعفاؤه من تطبيق الحد الأدنى، فنحن ننادي يحياة كريمة للعامل.
ولفت إلى أن ذلك يطرح إشكالية حقيقية تتعلق بالشركات المتعثرة فعلاً، والتي قد لا تكون قادرة على الوفاء بالحد الأدنى للأجور، معربًا عن اعتقاده بأن هذه المسألة قد تحتاج إلى تعديل تشريعي يضع آلية للتعامل مع الكيانات التي يثبت تعثرها بشكل حقيقي، مع التأكيد على أن الشركات الرابحة لا يوجد أي مبرر لعدم التزامها بحقوق العاملين.
ولفت أن الحد الأدنى للأجور نفسه يحتاج إلى إعادة نظر بصورة دورية حتى يواكب المتغيرات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، مشيرًا إلى أن هناك أعباءً جديدة أصبحت تثقل كاهل المواطنين، مثل ارتفاع تكاليف الخدمات الأساسية، وهو ما يستوجب تطوير آليات تحديد الحد الأدنى بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي.
غياب الرقابة والتفتيش.. الجكومة تمتنع
وأكد أن حماية العامل في القطاع الخاص لا تتحقق بإصدار القوانين فقط، وإنما بتطبيقها على أرض الواقع، قائلاً إن المشكلة الأساسية تكمن في غياب الرقابة الفعلية، مضيفًا: “أنا أطالب برقابة حقيقية لأنها للأسف غير موجودة والحكومة لا ترغب في صرف أي تعريفة على الرقابة، مشيرا إلى أن عدم تطبيق الحد الأدنى للأجور ليس المشكلة الوحيدة، وإنما توجد مخالفات عديدة داخل سوق العمل، من بينها ممارسات بعض شركات التوظيف التي تحصل على عقود من جهات حكومية أو هيئات تابعة لها بمبالغ كبيرة، ثم تمنح العامل جزءًا بسيطًا فقط من مستحقاته.
وتابع أن بعض شركات التوظيف قد تحصل من الجهة الحكومية على سبعة آلاف جنيه مقابل العامل الواحد، بينما لا تمنحه سوى نحو ألف وأربعمائة جنيه، وتحتفظ بباقي المبلغ لنفسها، متسائلًا: أين الرقابة على هذه الشركات؟ وكيف يُسمح باستمرار مثل هذه الممارسات؟، إذ أن مخالفات سوق العمل لا تتوقف عند الأجور فقط، وإنما تمتد إلى السلامة والصحة المهنية، وبيئة العمل، والعقود، والمستحقات المالية، فضلًا عن تشغيل العمال لساعات إضافية دون صرف المقابل القانوني لها، وهو أمر يتكرر في كثير من المنشآت، مع تعرض بعض العمال للتهديد إذا طالبوا بحقوقهم.
الاستمرارية حتى الوصول
واختتم عضو مجلس النواب حديثه مطالبا الحكومة بتفعيل أجهزة التفتيش والرقابة بصورة حقيقية، وزيادة أعداد مفتشي العمل والإمكانات المخصصة لهم حتى يتمكنوا من أداء دورهم في حماية حقوق العمال ومنع أي تجاوزات داخل منشآت القطاع الخاص مع بالتأكيد على أنه طالب مرارا وتكرار وسيواصل المطالبة بتعزيز منظومة الرقابة على تطبيق قانون العمل، لأن احترام القانون وحماية حقوق العاملين يمثلان الضمانة الحقيقية لتحقيق التوازن بين طرفي العملية الإنتاجية.






