اقتصاد التأثير وصناعة بمليارات الدولارات.. كيف انتقل التأثير من المؤسسات الإعلامية إلى الهاتف المحمول؟

قبل سنوات قليلة، كانت الحكومات تخاطب الشعوب عبر القنوات الفضائية والصحف، وكانت الشركات تنفق معظم ميزانياتها على الإعلانات التقليدية، بينما كانت المؤسسات الإعلامية وحدها تقريبًا تمتلك القدرة على تشكيل الرأي العام.

أما اليوم، فقد تغيرت قواعد اللعبة بالكامل، وأصبح هاتف محمول في يد مؤثر يتابعه ملايين الأشخاص، قادرًا على تحقيق تأثير يفوق أحيانًا ما تصنعه مؤسسات إعلامية عريقة.

هذا التحول لم يعد مجرد ظاهرة مرتبطة بوسائل التواصل الاجتماعي، بل أصبح يعكس انتقالًا حقيقيًا في مراكز التأثير، بعدما تحولت صناعة المحتوى إلى قوة إعلامية واقتصادية وثقافية، تدفع الحكومات والشركات إلى إعادة صياغة استراتيجياتها للتواصل مع الجمهور.

استغلال التأثير

ولذلك لم يعد السؤال المطروح هو: هل يمتلك المؤثر تأثيرًا؟، بل أصبح: كيف يستخدم هذا التأثير؟ وهل يوظفه لخدمة المجتمع وصناعة الصورة الذهنية، أم لتحويل المتابعين إلى سوق استهلاكية؟

لم يعد المؤثرون على منصات التواصل الاجتماعي مجرد صناع محتوى يسعون إلى تحقيق الشهرة، بل تحولوا خلال سنوات قليلة إلى قوة اقتصادية وإعلامية مؤثرة أعادت تشكيل صناعة الإعلان، وغيّرت طرق تواصل الحكومات والشركات مع الجمهور، بل وأصبحت جزءًا من أدوات القوة الناعمة للدول. وبينما كانت شاشات التلفزيون لعقود هي البوابة الرئيسية للوصول إلى الجماهير، أصبح الهاتف المحمول اليوم منصة قادرة على صناعة الرأي العام، وتحريك الأسواق، والتأثير في قرارات ملايين المستهلكين بضغطة زر، وتحول النشاط الرقمي إلى نشاط متنام يستقطب استثمارات ضخمة من كبرى العلامات التجارية.

وتشير بيانات Influencer Marketing Benchmark Repor إلى أن حجم سوق التسويق عبر المؤثرين بلغ نحو 32.55 مليار دولار خلال عام 2025، بعد أن كان أقل من 10 مليارات دولار قبل خمس سنوات فقط، وهو ما يعكس التحول الكبير في استراتيجيات الإعلان والتسويق عالميًا. كما أنفقت الشركات الأمريكية وحدها أكثر من 10 مليارات دولار على حملات التسويق عبر المؤثرين، بعدما أثبتت الدراسات أن المحتوى الذي يقدمه صانع المحتوى يحقق معدلات تفاعل وثقة أعلى من كثير من الإعلانات التقليدية، خاصة لدى الأجيال الشابة.

من الإعلام التقليدي إلى اقتصاد الثقة

في الماضي كانت المؤسسات الإعلامية الكبرى تمتلك وحدها القدرة على الوصول إلى الجمهور وصناعة الأجندة الإعلامية، بينما أصبح الأفراد اليوم ينافسون تلك المؤسسات من خلال هواتفهم المحمولة ومنصات التواصل الاجتماعي ويعتمد هذا التحول على ما يطلق عليه خبراء التسويق اقتصاد الثقة حيث يميل المتابع إلى تصديق الشخص الذي يتابعه بصورة يومية أكثر من اقتناعه بإعلان تقليدي.

وتوضح الباحثة كريستال أبيدين، المتخصصة في اقتصاد المؤثرين والثقافة الرقمية، أن المؤثرين لم يعودوا مجرد مشاهير على الإنترنت، بل تحولوا إلى رواد أعمال يديرون علامات تجارية شخصية، تجمع بين التأثير الإعلامي والعائد الاقتصادي، وهو ما منحهم دورًا يتجاوز صناعة المحتوى إلى تشكيل أنماط الاستهلاك والثقافة الرقمية.

من يصنع الثقة؟

ويرى د. عمرو أحمد، أستاذ الإعلام، أن المؤثرين أصبحوا امتدادًا لوسائل الإعلام التقليدية، لكنهم يمتلكون ميزة التفاعل المباشر مع الجمهور، مؤكدًا أن تأثيرهم الحقيقي يرتبط بالمصداقية أكثر من عدد المتابعين.

ويضيف: “كلما غلبت الرسالة على الإعلان، تحول المؤثر إلى إحدى أدوات القوة الناعمة، أما عندما يصبح المحتوى مجرد وسيلة لتحقيق الأرباح، فإنه يفقد هذا الدور تدريجيًا ويتحول إلى منصة تسويقية.

المؤثرون والقوة الناعمة الجديدة

عندما قدم أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد جوزيف ناي مفهوم القوة الناعمة في كتابه، أكد أن النفوذ الحقيقي لا يعتمد فقط على القوة العسكرية أو الاقتصادية، بل على القدرة على الجذب والإقناع من خلال الثقافة والقيم والصورة الذهنية.

وفي العصر الرقمي، اتسع هذا المفهوم ليشمل المؤثرين، الذين أصبح بعضهم سفراء غير رسميين لبلدانهم، يروجون للسياحة والاستثمار والفعاليات الدولية من خلال محتوى يصل إلى ملايين المتابعين حول العالم.

ويرى أستاذ التسويق السياحي سيمون هدسون أن وسائل التواصل الاجتماعي والمؤثرين أصبحت عنصرًا أساسيًا في

 استراتيجيات الترويج للوجهات السياحية، لأن التجربة الشخصية التي يقدمها المؤثر غالبًا ما تكون أكثر إقناعًا للجمهور من الحملات الإعلانية التقليدية.

ولهذا تبنت دول مثل الإمارات والسعودية وكوريا الجنوبية وسنغافورة برامج لاستضافة مؤثرين عالميين لإنتاج محتوى يبرز هويتها الثقافية ومشروعاتها التنموية، باعتباره أداة منخفضة التكلفة وعالية التأثير مقارنة بالإعلان التقليدي.

لماذا تدفع الشركات المليارات؟

يرى خبراء التسويق أن السبب الرئيسي وراء هذا التحول هو تغير سلوك المستهلك، الذي أصبح أكثر ميلًا إلى توصيات الأشخاص الذين يتابعهم بصورة مستمرة مقارنة بالإعلانات المباشرة.

وتؤكد دراسة المنشورة في عام 2025 “Journal of the Academy of Marketing Science” أن مصداقية المؤثر والتوافق بينه وبين المنتج يؤثران في نية الشراء بدرجة أكبر من عدد المتابعين، وهو ما دفع الشركات إلى الاستثمار في جودة العلاقة بين المؤثر وجمهوره، وليس فقط في حجم الانتشار، وأن النجاح في اقتصاد المؤثرين يعتمد على الثقة والتفاعل المستمر أكثر من الاعتماد على الأرقام وحدها.

ويجيب هيثم كمال، خبير التسويق، عن هذا السؤال بقوله إن الشركات لم تعد تشتري مساحة إعلانية، وإنما تشتري ثقة الجمهور.

ويوضح أن الجمهور أصبح أكثر اقتناعًا بتوصيات الأشخاص الذين يتابعهم مقارنة بالإعلانات التقليدية، وهو ما جعل الحملات التي يقدمها المؤثرون تحقق معدلات وصول وتفاعل أعلى، خاصة عندما يظهر المحتوى بصورة طبيعية وغير مباشرة، وفقا لما نشر في Soft Power: The Means to Success in World Politics

عندما تتحول الشهرة إلى مسؤولية

ورغم النمو السريع لهذه الصناعة، فإنها تواجه تحديات متزايدة تتعلق بالشفافية والإفصاح عن المحتوى الإعلاني، إضافة إلى انتشار المحتوى المثير للجدل بهدف زيادة المشاهدات وتحقيق الأرباح.

وفي هذا السياق، يؤكد دليل APEC Influencer Advertising Standards” 2025″-” ضرورة إلزام المؤثرين بالإفصاح الواضح عن المحتوى الإعلاني، ووضع معايير تحمي المستهلك من الإعلانات المضللة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حرية الإبداع، ومن جانبه، يحذر الباحث الأمريكي دوغ لانسكي من أن بعض المؤثرين يقدمون صورة مثالية أو غير دقيقة عن الوجهات السياحية، ما قد يخلق توقعات غير واقعية لدى الجمهور ويؤثر سلبًا على سمعة تلك الوجهات.

الوجه الآخر

لكن النفوذ لا يخلو من المخاطر، فكلما اتسعت صناعة المؤثرين، زادت التساؤلات حول الشفافية، والإفصاح عن الإعلانات، وصناعة “الترند”، والمحتوى المثير للجدل، بل وحتى قدرة بعض المؤثرين على التأثير في الرأي العام دون وجود ضوابط مهنية مماثلة لتلك المفروضة على المؤسسات الإعلامية.