
لم تعد معركة التصنيع المحلي في مصر مجرد خطة اقتصادية لزيادة الإنتاج، بل أصبحت أحد أهم ملفات الأمن القومي الاقتصادي، خاصة في ظل ما كشفته الأزمات العالمية والحروب من هشاشة سلاسل الإمداد الدولية وارتفاع تكاليف الاستيراد.
وفي هذا السياق، تتجه الدولة إلى بناء قاعدة صناعية تعتمد على نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات، عبر شراكات استراتيجية مع عدد من الدول، تتصدرها الصين باعتبارها أكبر شريك تجاري لمصر وأحد أبرز المستثمرين في القطاع الصناعي.
وتأتي الزيارات المتبادلة بين القاهرة وبكين، وما تشهده من توقيع اتفاقيات صناعية واستثمارية، ضمن رؤية تستهدف الانتقال من مرحلة تجميع المنتجات إلى تصنيع المكونات، وتعميق الصناعة المحلية، وتحويل مصر إلى مركز إقليمي للتصنيع والتصدير، في إطار مستهدفات رؤية مصر 2030.
وتُعد ألمانيا، واليونان، وتركيا، والإمارات، واليابان، وتايلاند، وباكستان من بين الدول التي تمتلك استثمارات وشراكات صناعية مع مصر، فيما تتصدر الصين قائمة الشركاء الصناعيين، حيث تجاوزت استثماراتها في مصر 9 مليارات دولار موزعة على قطاعات التصنيع المتعددة.
ووفقا لوثيقة خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية متوسطة المدى (2026/2027 – 2029/2030) الصادرة عن وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، يتم الاستهداف للوصول بالإنتاج الصناعي إلى نحو 15.3 تريليون جنيه بنهاية الخطة.
في نفس السياق، أكد المهندس خالد هاشم، وزير الصناعة، خلال اجتماع غرفة التجارة الأمريكية بالقاهرة، في يونيو من العام الجاري، أن الوزارة تعمل على تحديث استراتيجية النهوض بالصناعة المصرية، موضحًا أن الهدف هو تعزيز تنافسية الصناعة الوطنية وتحويل مصر إلى مركز صناعي إقليمي.
وأشار الوزير إلى أن الاستراتيجية تعتمد على ستة محاور رئيسية تشمل البرامج الاستراتيجية، ورفع كفائة العنصر البشري، وتحسين الإجراءات، ومعالجة وتسهيل الآليات والإجراءات التنفيذية، والقياس والمتابعة لإجاراءت عمليات التصنيع وصولا للمنتج المنافس دوليًا، وجذب الاستثمارات التي تحقق نقل التكنولوجيا، وتعميق التصنيع المحلي وربط الصناعة المصرية بسلاسل القيمة العالمية.
يأتي ذلك مع التركيز على سبع صناعات ذات أولوية وهي : الملابس الجاهزة، الغزل والنسيج، الصناعات الغذائية، الصناعات الدوائية، السيارات، المعدات الكهربائية والهندسية، والإلكترونيات.

خريطة الشراكات الصناعية مع دول” اليونان، تركيا، ألمانيا ، الإمارات، اليابان ، تايلاند”
تتوسع خريطة الشراكات الصناعية لمصر مع عدد من الدول التي تستهدف توطين الصناعة وزيادة المكون المحلي، في إطار الاستراتيجية الوطنية للصناعة، حيث أصبحت المناطق الصناعية والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس نقطة جذب للاستثمارات الإنتاجية الموجهة للتصدير والسوق المحلية.
وتتصدر الصين قائمة الشركاء الصناعيين، حيث تجاوزت استثماراتها داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ثلاثة مليارات دولار في منطقة “تيدا”، وتضم أكثر من 200 شركة تعمل في صناعات الألياف الزجاجية، والأجهزة المنزلية، ومواد البناء، والمعدات الكهربائية، والسيارات، والصناعات اللوجستية، مع توجه متزايد نحو نقل التكنولوجيا وتعميق التصنيع المحلي مع وجود عشرات المصانع وتوفير آلاف فرص العمل.
ألمانيا.. شراكة صناعية في مصر بستة مليارات يورو
تأتي ألمانيا كشريك صناعي رئيسي باستثمارات تتجاوز ستة مليارات يورو ، من خلال نحو 1600 شركة تعمل في الصناعات الهندسية، والأجهزة المنزلية، ومكونات السيارات، والطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر، إلى جانب مشروعات التصنيع المتقدم.
تركيا.. 200 شركة في مصر واستثمارات بقيمة مائة مليون دولار
عززت تركيا حضورها الصناعي في مصر، حيث يعمل نحو 200 شركة تركية في مجالات الغزل والنسيج والملابس الجاهزة والصناعات الهندسية، مع توسعات جديدة أبرزها استثمارات بقيمة مائة مليون دولار لإقامة مصنع نسيج بمدينة العاشر من رمضان، مستفيدة من انخفاض تكلفة الإنتاج والبنية التحتية المصرية.
الإمارات واليابان وكوريا.. استثمارات في صناعات متعددة
تواصل الإمارات العربية المتحدة، ضخ استثمارات صناعية في قطاعات الأغذية، ومواد البناء، والصناعات الدوائية، والخدمات اللوجستية، إلى جانب مشروعات صناعية داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بينما تتعاون اليابان وكوريا الجنوبية في صناعات السيارات والإلكترونيات والمكونات المغذية، مع التركيز على نقل الخبرات الفنية ورفع نسب المكون المحلي.
اليونان و تايلاند و باكستان.. استثمارات في منطقة قناة السويس
كما تشارك دول مثل اليونان وتايلاند وباكستان في استثمارات صناعية متخصصة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس التي تضم مشروعات باستثمارات تتجاوز 1.055مليار دولار من سبع دول في قطاعات النسيج والتعبئة والصناعات الغذائية واللوجستيات.

الصين أعلى الشركاء الصناعيين في مصر
في هذا السياق، تكتسب زيارة رئيس جمهورية الصين الشعبية ” شي جين بينغ ” إلى مصر أهمية خاصة” سياسيا ودبلوماسيا، كما تُمثل فرصة للانتقال بالعلاقات الاقتصادية من مرحلة جذب الاستثمارات إلى مرحلة الشراكة الإنتاجية، بحيث يصبح الهدف ليس إنشاء مصانع للتجميع فقط، وإنما بناء سلاسل توريد محلية، وزيادة الاعتماد على المورد المصري، ونقل التكنولوجيا، وتدريب العمالة، ورفع نسبة المكون المحلي، بما يعزز قدرة الصناعة المصرية على المنافسة والتصدير، ويجعل مصر مركزًا إقليميًا للإنتاج يخدم الأسواق العربية والإفريقية والأوروبية، مستفيدة من اتفاقيات التجارة الحرة وموقعها الجغرافي الاستراتيجي.
وتعقيبًا على ذلك، قال الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي والاستشاري برئاسة مجلس الوزراء، إن الاستثمار الصيني يمكن أن يُصبح فرصة استثنائية لمصر إذا انتقل من نموذج التجميع داخل مصر إلى نموذج الشراكة الإنتاجية، إذ أن القيمة المضافة الحقيقية للاستثمار الصيني لا تقاس بحجم الاستثمارات الصينية وحده، وإنما بما إذا كان المصنع سيستخدم موردين مصريين، ويدرّب العمالة والمهندسين، وينقل المعرفة، وينتج سلعا قابلة للتصدير، ويجعل مصر جزءا من سلاسل الإمداد الصينية والعالمية. وهنا تحديدا يجب أن تكون زيارة الرئيس الصيني فرصة للاتفاق على “توطين الإنتاج ونقل التكنولوجيا”، لا مجرد جذب مصانع جديدة إلى مصر.
وأضاف لـ”ليبرالي” أن:” مصر تستطيع أن تقطع شوطًا كبيرًا من التجميع إلى التصنيع بحلول 2030، لكن الانتقال إلى التصنيع الكامل في جميع القطاعات غير واقعي، إذ أن الهدف الأكثر قابلية للتحقيق هو بناء سلاسل قيمة محلية في قطاعات محددة، بحيث لا تكون مصر مجرد سوق للتجميع، بل مركزاً للإنتاج والتصدير”.
وأوضح “نافع” أن أكبر عقبة ليست نقص رأس المال وحده، وإنما ضعف القدرة التكنولوجية والإنتاجية المحلية، بما فيها المهارات والبحث والتطوير وربط المصانع بسلاسل القيمة العالمية، حيث أن الفجوة الأساسية ليست في عنصر واحد؛ فالتكنولوجيا والمواد الخام والتمويل حلقات مترابطة، لكن الفجوة الأكثر عمقا هي التكنولوجيا والإنتاجية؛ لأن توفير التمويل أو مدخلات الإنتاج المستوردة لا يصنع ميزة تنافسية مستدامة، حيث أن المطلوب هو الانتقال من استيراد التكنولوجيا إلى القدرة على استيعابها وتطويرها وإعادة إنتاج جزء متزايد منها محلياً.

قاعدة صناعية كبيرة ولكنها تحتاج إلى تعميق
وعن الشراكات الأجنبية أضاف “نافع” قائلاً:” يجب ألا تُقاس بحجم الاستثمار أو عدد المصانع التي افتُتحت، وإنما بما تتركه من قدرة إنتاجية وتكنولوجية داخل مصر، لذلك ينبغي أن تتضمن عقود وحوافز الاستثمار مؤشرات واضحة لنسب المكون المحلي، وتدريب العمالة والمهندسين، وإنشاء مراكز للبحث والتطوير، وتأهيل الموردين المحليين، وزيادة الصادرات، مع ربط جزء من الحوافز الحكومية بتحقيق هذه النتائج، لا بمجرد ضخ رأس المال”.
الصناعات الغذائية والهندسية ومواد البناء ..فرص مصر الأكبر في التصنيع
وأشار إلى أن الفرص الأكبر لمصر توجد في الصناعات الهندسية والكهربائية والإلكترونية، ومكونات السيارات والطاقة المتجددة، والصناعات الدوائية والكيماوية، والصناعات الغذائية، والمنسوجات والملابس، ومواد البناء، وبعض الصناعات المرتبطة بالهيدروجين والطاقة الخضراء، والميزة هنا لا تأتي فقط من انخفاض تكلفة العمالة، وإنما من الموقع الجغرافي، وحجم السوق، وتوافر بعض المدخلات، واتفاقيات التجارة، وإمكانية استخدام مصر كمنصة للتصدير إلى أفريقيا والمنطقة وأوروبا.
وأكد “نافع” أن رفع المكون المحلي، يحتاج إلى سياسة صناعية ذكية وليست حماية مفتوحة للسوق، مثل تمويل ميسر للمصانع الصغيرة والمتوسطة، وحوافز ضريبية مرتبطة بالقيمة المضافة والصادرات، وتطوير الموردين المحليين، وتسهيل النفاذ إلى الأراضي والطاقة، ومشتريات حكومية تتيح للمصانع المحلية المنافسة وفق معايير الكفاءة والجودة، والأهم هو ألا يتحول «المكون المحلي» إلى مجرد نسبة محاسبية؛ بل إلى قيمة مضافة حقيقية وإنتاجية أعلى وقدرة تصديرية.

تقليل الحاجة للدولار
أما عن الدولار، فإن فالكثير من الصناعات تنتج المنتج النهائي داخل مصر، لكنها تعتمد على استيراد أجزاء ومكونات رئيسية من الخارج، وهو ما يقلل نسبة القيمة المضافة المحلية ويزيد الحاجة إلى الدولار.
ويؤكد خبراء الصناعة أن الانتقال الحقيقي من الاستيراد إلى التصنيع لا يتحقق بزيادة عدد المصانع فقط، وإنما بامتلاك سلسلة إنتاج كاملة تبدأ من المواد الخام وتنتهي بالمنتج النهائي
يقول خالد الشافعي الخبير الاقتصادي أن القطاع الصناعي يمثل المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي المستدام، باعتباره الأكثر قدرة على خلق فرص العمل وزيادة الإنتاج والصادرات وتقليل الاعتماد على الواردات، ولذلك فإن استهداف الحكومة رفع الصادرات الصناعية إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2030 يعد هدفًا طموحًا، لكنه يتطلب إصلاحات متوازية تشمل توفير التمويل منخفض التكلفة، وتبسيط إجراءات التراخيص، وإتاحة الأراضي الصناعية المرفقة، وتحسين منظومة النقل والخدمات اللوجستية.
ويرى خبراء الصناعة، ومن بينهم الدكتور هاني برزي، رئيس المجلس التصديري للصناعات الغذائية، أن زيادة القيمة المضافة للصناعة الغذائية تحتاج إلى ربط الزراعة بالتصنيع، بحيث لا يتم تصدير المواد الخام فقط، وإنما تحويلها إلى منتجات نهائية قابلة للتصدير.

هل تستطيع مصر تحقيق الاكتفاء الصناعي قبل 2030؟
من جانبه، أكد الدكتور وليد جاب الله، الخبير الاقتصادي، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، أهمية تعزيز دور القطاع الخاص باعتباره شريكًا رئيسيًا في عملية التنمية الصناعية، مشيرًا إلى أن توفير بيئة استثمارية جاذبة، وتسهيل الإجراءات، ودعم المشروعات الإنتاجية، عوامل أساسية لزيادة الاستثمارات الصناعية، موضحًا أن توطين التكنولوجيا والصناعات المغذية يمثلان محورًا مهمًا لتعميق التصنيع المحلي، خاصة في القطاعات التي تعتمد على استيراد مكونات ومدخلات إنتاج من الخارج.
وتمثل استراتيجية الصناعة 2030 فرصة لإعادة تشكيل الاقتصاد المصري على أساس إنتاجي أكثر قدرة على المنافسة، وزيادة مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي، إلا أن نجاحها لن يرتبط فقط بوضع الأهداف، وإنما بقدرة الدولة والقطاع الخاص على تحويلها إلى خطوات تنفيذية واضحة، عبر تسريع الإجراءات، وقياس مؤشرات الأداء، وتطوير التكنولوجيا، وتعميق التصنيع المحلي، بما يضمن انتقال مصر من الاعتماد على الاستيراد إلى بناء قاعدة صناعية متكاملة تحقق النمو المستدام.
أقرا أيضًا:






