في دراسة اختص بها “ليبرالي”.. محلل سياسي أريتري يكشف أسباب عدم التوصل لاتفاق ينهي الصراع في السودان


طرح الكاتب والباحث الأرتيري المتخصص في شؤون القرن الأفريقي والبحر الأحمر سليمان أدم حسين الأسباب وراء فشل جهود إقرار السلام في السودان في ظل الحرب المشتعلة منذ ثلاث سنوات، وذلك في دراسة اختص بها الكاتب الأرتيري موقع “ليبرالي” فنذ فيها أسباب عدم الوصول لصيغة تجمع الأطراف المتنازعة في السودان أو العمل على الوصول لصيغة تفاهم بين الفرقاء.. وإلى نص الدراسة:

لماذا أخفقت جهود السلام؟
تعتمد أي عملية سلام ناجحة، في المقام الأول، على التشخيص الصحيح للعوامل التي تُبقي الصراع قائماً وتغذيه، فإذا جاء هذا التشخيص ناقصاً، فإن حتى أكثر الجهود الدبلوماسية جديةً وإصراراً لن تكون قادرة على تحقيق سلام دائم. ويُعدّ السودان خير مثال على ذلك. 

 ولم يعد السؤال اليوم ما إذا كان السودان بحاجة إلى السلام، بل لماذا أخفقت الجهود المتكررة في إحداث الاختراق الذي يقود إليه.
وقد حاول أحد المقالات الحديثة الإجابة عن هذا السؤال، وهو مقال نشره منتدى الشرق الأوسط Middle)  (East Forum)  في التاسع من يوليو2026 تحت عنوان: “حرب السودان، وعودة إيران، والخلل المتعلق بإثيوبيا في السياسة الأمريكية”. 

وترى كاتبته، بلين م. دريبا، وهي محللة إثيوبية متخصصة في الشؤون القانونية والسياسات، والمديرة التنفيذية لمنصة هورن ريفيو (Horn Review)، والباحثة المشاركة في معهد الشؤون الخارجية الإثيوبي، أن أحد أبرز أوجه القصور في الجهود الدبلوماسية الحالية يتمثل في عدم إدراك الدور المحوري الذي ينبغي أن تضطلع به إثيوبيا في أي تسوية مستقبلية للصراع السوداني.[1]
ولا شك أن هذا المقال يقدم إسهاماً مهماً حين يذكّر القارئ بأن الحرب في السودان لم تعد شأناً داخلياً يمكن فهمه من خلال تحركات القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وحدهما.

صورة مخلقة بالذكاء الاصطناعي للتعبير عن الصراع في السودان

كما أنه يضع الصراع في إطاره الجيوسياسي الأوسع المرتبط بمنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ويؤكد أن لدول الجوار مصالح مشروعة لا يمكن تجاهلها في استقرار السودان. وفي هذا الطرح العام، لا أجد ما يدعو إلى الاختلاف.
غير أن موضع اختلافي يكمن في تحديد ما أراه الخلل الحقيقي في الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب.
ففي تقديري، لا يتمثل الخلل الرئيسي في غياب إثيوبيا عن مركز العملية الدبلوماسية، وإنما في الإخفاق المستمر في التصدي للدعم العسكري والمالي واللوجستي الخارجي الذي مكّن الحرب من الاستمرار رغم تعدد المبادرات والوساطات. والأكثر إثارةً للقلق أن كثيراً من الأطراف الدولية أبدت تردداً واضحاً في مساءلة الجهات التي أسهمت في إدامة الصراع سياسياً.

 ونتيجة لذلك، انصبّ الجزء الأكبر من الجهد الدبلوماسي على إقناع الأطراف السودانية بالجلوس إلى طاولة المفاوضات، في حين أُعطيت أهمية أقل بكثير للعوامل الإقليمية التي ما تزال تغذي الحرب وتدفعها إلى الاستمرار.


وهذا التمييز ليس مجرد نقاش نظري أو أكاديمي، بل يذهب إلى جوهر المشكلة.

 فكل عملية سلام تقوم، في الأساس، على فهم طبيعة الصراع الذي تسعى إلى معالجته، وإذا كان هذا الفهم ناقصاً، فمن المستبعد أن تتمكن الاستراتيجية الدبلوماسية الناتجة عنه من معالجة الأسباب الحقيقية للحرب.

 ومن ثم، فإن المشكلة لا تكمن في الوساطة بحد ذاتها، بل تبدأ، قبل كل شيء، من تشخيص غير مكتمل لطبيعة الصراع، وما لم يُفهم هذا الصراع على حقيقته، فإن حتى أكثر المبادرات حسنة النية ستظل عاجزة عن تحقيق السلام الدائم الذي يحتاج إليه السودان بشدة.


التشخيص الخاطئ للصراع


يكمن أحد أوجه القصور الأساسية في كثير من النقاشات الدولية في استمرار تصوير الحرب السودانية على أنها مجرد مواجهة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.

 ورغم أن هذين الطرفين لا يزالان يشكلان القوتين العسكريتين الرئيسيتين في الصراع، فإن هذا الوصف لم يعد يعكس الواقع الكامل للحرب. فمنذ اندلاعها، تطور الصراع تدريجياً ليصبح نزاعاً ذا أبعاد إقليمية ودولية متزايدة، تتداخل فيه أطراف ومصالح وشبكات تمتد إلى ما هو أبعد من الحدود السودانية.


ولا يقتصر هذا التحول على ازدياد انخراط قوى إقليمية في الصراع، بل يتجلى أيضاً في الطابع العابر للحدود الذي اكتسبته الحرب.

 فقد أصبح الدعم العسكري الخارجي، والتمويل، وشبكات الإمداد، والإسناد السياسي، وتجنيد المقاتلين الأجانب، جميعها عناصر أساسية في استمرار العمليات العسكرية. 

وتشير تقارير موثوقة إلى تجنيد مقاتلين أجانب، من بينهم مرتزقة كولومبيون، إلى جانب عناصر جرى استقدامها من دول مجاورة، مثل تشاد وجنوب السودان وإثيوبيا. 

كما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على أفراد وشركات يُشتبه في تورطهم في شبكات تجنيد مقاتلين كولومبيين للقتال في السودان، وهو ما يعكس بوضوح أن الحرب لم تعد مجرد نزاع داخلي، بل أصبحت جزءاً من منظومة إقليمية ودولية عابرة للحدود.[2]
ولا يقتصر البعد الدولي للصراع على قضية المقاتلين الأجانب وحدها، إذ كشفت تحقيقات صحفية موثوقة عن مزاعم تتعلق بتقديم دعم عسكري ولوجستي، وإنشاء شبكات إمداد مرتبطة بأطراف إقليمية، وإذا ما نُظر إلى هذه المعطيات مجتمعة، فإنها تشير إلى أن مسار الحرب لم يعد يتحدد فقط بما يجري في الخرطوم أو على جبهات القتال، بل أصبح يتأثر أيضاً بقرارات سياسية وعسكرية ومالية تُتخذ خارج السودان.[3]


البعد الغائب: الخلل الحقيقي


إن الإقرار بأن الصراع في السودان قد تحول إلى صراع ذي أبعاد إقليمية يفرض، بالضرورة، إعادة النظر في الطريقة التي ينبغي أن تُدار بها جهود السلام. فإذا كانت أطراف خارجية قد أصبحت جزءاً من العوامل التي تُبقي الحرب مشتعلة، فإن الجهود الدبلوماسية لا يمكن أن تقتصر على الأطراف السودانية المتحاربة وحدها.

 ولا شك أن المفاوضات بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع تظل ضرورة لا غنى عنها، لكنها لم تعد، بمفردها، كافية لتحقيق سلام دائم.

 فعملية سلام تركز على من يخوضون الحرب، وتتجاهل في الوقت نفسه من يمدونها بأسباب الاستمرار، يصعب أن تُفضي إلى تسوية مستدامة.


ولعل أكثر ما يثير القلق في طريقة تعامل المجتمع الدولي مع الأزمة السودانية ليس غياب المعلومات، وإنما غياب الإرادة السياسية للتعامل مع ما تكشفه تلك المعلومات. فعلى مدى السنوات الماضية، تراكمت تقارير موثوقة تحدثت عن الدعم العسكري، والتمويل، وشبكات الإمداد اللوجستي المرتبطة بأطراف خارجية، غير أن هذه المعطيات لم تُترجم إلى تحرك دبلوماسي جاد يستهدف تفكيك البنية الإقليمية التي ما تزال تغذي الحرب. وبذلك انصب اهتمام المجتمع الدولي، في كثير من الأحيان، على إدارة تداعيات الصراع أكثر من انصبابه على معالجة أحد أهم الأسباب التي تُبقيه قائماً.


وقد بدا هذا الخلل أكثر وضوحاً مع تفاقم الكارثة الإنسانية، فمن الطبيعي أن تتزايد الجهود الإنسانية عقب التطورات المأساوية التي شهدتها مدينة الفاشر ومحيطها، حيث بلغ حجم المعاناة الإنسانية مستوى لم يعد ممكناً تجاهله.

[4] غير أن الاهتمام المتزايد بالجانب الإنساني لم يقابله اهتمام مماثل بالآليات الإقليمية التي أسهمت في إطالة أمد الحرب، فالإغاثة الإنسانية، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن معالجة العوامل السياسية والعسكرية التي ما تزال تُغذي الصراع.


وينعكس هذا الخلل أيضاً في تصميم المبادرات السياسية المتعاقبة. فقد بُذلت جهود كبيرة لإقناع الأطراف السودانية بالجلوس إلى طاولة المفاوضات، في حين لم يُول الاهتمام نفسه للأطراف الخارجية التي أسهمت سياساتها ومواردها وشبكاتها في التأثير على مسار الحرب. وليس المقصود بذلك التقليل من أهمية التفاوض بين السودانيين، إذ لا يمكن لأي تسوية دائمة أن تتحقق من دونه، وإنما تكمن المشكلة في الافتراض بأن هذه المفاوضات وحدها قادرة على إنهاء الحرب، بينما تظل البيئة الإقليمية التي ساعدت على استمرارها على حالها.


وهنا، في تقديري، يكمن الخلل الحقيقي في المقاربة الدولية. فقد جرى التعامل مع التدخلات الخارجية باعتبارها عاملاً ثانوياً أو نتيجة جانبية للصراع، لا باعتبارها جزءاً أساسياً من بنيته. 

ونتيجة لذلك، انصب الجزء الأكبر من الجهد الدولي على دفع الأطراف المتحاربة نحو تقديم تنازلات متبادلة، في حين لم يُبذل الجهد نفسه لتقليص العوامل التي توفر للحرب أسباب استمرارها، وهكذا، انشغلت مبادرات السلام بالسعي إلى وقف القتال، دون أن تتعامل بالقدر الكافي مع الظروف التي تجعل استمرار القتال ممكناً.


وقد أصبحت نتائج هذا النهج أكثر وضوحاً مع مرور الوقت، فما دامت المساعدات العسكرية، والموارد المالية، وشبكات الإمداد اللوجستي لا تزال تصل إلى أطراف الصراع، فمن غير المرجح أن تنجح الدبلوماسية وحدها في تحقيق الاختراق الذي يحتاج إليه السودان بصورة ملحة، فالحروب لا تستمر بسبب القرارات العسكرية وحدها، وإنما لأنها تجد، بصورة متواصلة، منظومات سياسية ومالية ولوجستية تُمكّنها من الاستمرار.
إن صراعاً تُغذيه عوامل تتجاوز حدود الدولة، لا يمكن أن يجد حلاً دائماً داخل حدودها وحدها.


دور دول الجوار وأهميته


إن الإقرار بأن الصراع في السودان قد اكتسب أبعاداً إقليمية لا يعني أن يكون مستقبل السودان رهناً بإرادة دول الجوار، كما لا يعني نقل مسؤولية إنهاء الحرب من السودانيين إلى أطراف خارجية.

 بل على العكس، فإن أي تسوية دائمة لا يمكن أن تكتسب الشرعية أو تحقق الاستقرار ما لم تكن، في جوهرها، عملية سودانية خالصة يتولى السودانيون قيادتها وصياغة مخرجاتها، غير أن هذا لا يقلل، في الوقت نفسه، من أهمية الدور الذي تستطيع دول الجوار أن تؤديه في تهيئة الظروف اللازمة لإنجاح مثل هذه العملية.
فدول الجوار ليست مجرد مراقبين لما يجري في السودان، وإنما هي الأطراف الأكثر تأثراً باستمرار الحرب.

 فقد استقبلت موجات متتالية من اللاجئين، وتحملت تداعيات الانفلات الأمني عبر الحدود، وعاشت لعقود آثار عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والإنساني في السودان.

 والأهم من ذلك أنها تمتلك فهماً أعمق لتركيبته السياسية والاجتماعية والقبلية والثقافية من كثير من الأطراف الدولية البعيدة، فالقرب الجغرافي، والتاريخ المشترك، والتداخل السكاني والثقافي، كلها عوامل توفر معرفة لا تستطيع المؤتمرات الدولية، مهما تعددت، أن تعوضها. ومن ثم، فإن أي مبادرة سلام جادة ينبغي أن تنظر إلى دول الجوار باعتبارها شركاء حقيقيين في تيسير العملية السياسية، لا مجرد أطراف هامشية تُستدعى عند الحاجة.

غير أن القرب الجغرافي، في حد ذاته، لا يمنح أي دولة صفة الوسيط المحايد.

 ومن هنا، يصبح من الضروري التمييز بين الدولة التي لها مصلحة مشروعة في استقرار السودان، والدولة التي تستطيع أن تضطلع بدور الوسيط الذي يحظى بثقة جميع الأطراف. 

فلكل دولة مجاورة مصالحها الأمنية والسياسية والاقتصادية، لكن نجاح عملية السلام يتوقف على أن تسهم هذه المصالح في دعم الاستقرار، لا في تعقيد مسار التسوية.
وتزداد أهمية هذا التمييز إذا أخذنا في الاعتبار اختلاف مواقف دول الجوار من الحرب. فقد وُجهت إلى بعض هذه الدول اتهامات بتوفير منصات سياسية أو أشكال من الاعتراف الضمني بكيانات موازية للدولة السودانية، بينما اتُّهمت دول أخرى، من قبل الحكومة السودانية، بدعم أحد طرفي الصراع.

 وسواء ثبتت هذه الاتهامات بصورة قاطعة أم بقيت محل خلاف، فإن الأثر الذي تتركه على فرص نجاح الوساطة يظل قائماً. فمن الصعب أن تكتسب أي مبادرة سلام ثقة جميع الأطراف إذا كان أحد المتفاوضين يرى أن بعض من يقودون تلك المبادرة أصبحوا جزءاً من المشكلة التي يُفترض أن يعملوا على حلها.
ولعل هذا ما يفسر، إلى حد كبير، تعثر عدد من المبادرات الدبلوماسية في كسب ثقة الحكومة السودانية.

 فقد رفضت الخرطوم، في أكثر من مناسبة، المشاركة في بعض المبادرات، أو أعلنت صراحة تحفظها على حيادها، انطلاقاً من قناعة مفادها أن الأطراف التي يُنظر إليها باعتبارها داعمة لأحد أطراف النزاع لا يمكنها، في الوقت نفسه، أن تضطلع بدور الوسيط المحايد.[5] وسواء اتفق المرء مع هذا الموقف أم اختلف معه، فإن القضية الأساسية تبقى أن الوساطة الناجحة لا تقوم على النفوذ وحده، وإنما على الثقة أيضاً، فحين تتآكل الثقة، تتراجع فرص نجاح أي جهد دبلوماسي مهما بلغت قوة الأطراف الراعية له.


وفي هذا السياق ينبغي النظر إلى الدعوات المطالبة بإسناد دور محوري لإثيوبيا في عملية السلام السودانية. فلا خلاف على أن لإثيوبيا مصالح مشروعة في السودان.

 فالبلدان يرتبطان بحدود طويلة، ولا تزال بينهما قضايا عالقة، من بينها منطقة الفشقة، والخلافات المتعلقة بسد النهضة، إضافة إلى ملفات اللاجئين والأمن الحدودي، فضلاً عن مصلحتهما المشتركة في استقرار المنطقة، وهي جميعها قضايا ثنائية مشروعة سيكون على أي حكومة سودانية مستقبلية التعامل معها من خلال الحوار مع أديس أبابا.


غير أن وجود مصالح مشروعة لا يعني، بالضرورة، أن تضطلع الدولة المعنية بدور قيادي في صياغة التسوية الداخلية لدولة أخرى، فالقضايا التي تجمع السودان وإثيوبيا هي، في جوهرها، قضايا ثنائية بين دولتين ذاتي سيادة، وينبغي أن تُعالج في إطار العلاقات بينهما، لا أن تتحول إلى مبرر لإسناد دور محوري لإثيوبيا في إدارة عملية السلام داخل السودان. 

كما أن تقييم هذا الدور لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع، بما في ذلك العلاقة الاستراتيجية الوثيقة بين إثيوبيا ودولة الإمارات العربية المتحدة، وما أُثير من تقارير تتعلق بالدعم اللوجستي الخارجي المرتبط بالحرب.[3] ومن بين دول الجوار، تبرز إريتريا بوصفها حالة مختلفة. 

فهي، بخلاف بعض الدول الأخرى، لا تربطها بالسودان نزاعات حدودية أو خلافات استراتيجية يمكن أن تؤثر في مقاربتها للصراع، ومنذ اندلاع الحرب، أكدت إريتريا بصورة ثابتة احترامها لسيادة السودان ووحدة أراضيه، ودعت إلى أن يكون الحل سياسياً سودانياً خالصاً، بعيداً عن أي تدخلات خارجية.[6]


ولا تنبع أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه إريتريا من مواقفها الرسمية فحسب، وإنما أيضاً من طبيعة علاقتها التاريخية بالسودان، وما يجمع البلدين من تداخل اجتماعي وثقافي وإثني يمتد لعقود طويلة. فهذه الروابط تمنحها فهماً عميقاً لتعقيدات الواقع السوداني، لكنها لا تمنحها حق تقرير مستقبل السودان،  وإنما تجعل منها شريكاً إقليمياً يمكنه أن يساهم، إلى جانب غيره، في تهيئة الظروف التي تساعد السودانيين على التوصل إلى تسوية وطنية يتولون هم أنفسهم قيادتها.


ومن ثم، فإن دول الجوار لا ينبغي أن تُستبعد من جهود السلام، كما لا ينبغي النظر إليها بوصفها كتلة واحدة. فلكل دولة دورها، ويجب أن يُقاس هذا الدور بمدى إسهامه في دعم عملية سلام تحترم سيادة السودان ووحدة أراضيه، وتُبقي القرار النهائي في يد السودانيين أنفسهم،  أما الدول التي يُنظر إلى سياساتها باعتبارها عاملاً من عوامل استمرار الحرب، فينبغي أن ينصب الجهد الدبلوماسي على دفعها إلى مراجعة تلك السياسات بما يخدم الهدف المشترك المتمثل في إنهاء الصراع.

فالنفوذ قد يفتح باب المشاركة في الوساطة، أما المصداقية فهي وحدها التي تمنحها فرصة النجاح. نحو عملية سلام أكثر مصداقية لا شك أن المجتمع الدولي مطالب بمواصلة جهوده الرامية إلى إنهاء الحرب المدمرة في السودان، كما أن التفاوض بين الأطراف السودانية يظل شرطاً أساسياً لا غنى عنه للوصول إلى أي تسوية سياسية دائمة، فلا يمكن فرض السلام من الخارج، ولا يمكن لأي اتفاق أن يصمد إذا لم يحظ بقبول السودانيين أنفسهم.


غير أن التجربة التي شهدها السودان منذ اندلاع الحرب تؤكد أن التركيز على الأطراف المتحاربة وحدها لم يعد كافياً لتحقيق هذا الهدف، وفقد تجاوز الصراع، منذ وقت ليس بالقصير، حدوده الداخلية، وأصبح يتأثر بصورة متزايدة بالدعم العسكري والمالي واللوجستي الخارجي، وبحسابات إقليمية تتداخل مع مساره وتؤثر في موازين القوى داخله.


ومن ثم، فإن أي استراتيجية للسلام تقتصر على دفع الأطراف السودانية إلى التفاوض، دون أن تتعامل بالقدر نفسه من الجدية مع الأطراف الخارجية التي تسهم في استمرار الحرب، ستظل قاصرة عن تحقيق النتائج المرجوة، فالتعامل مع نتائج الصراع، مهما كانت أهميته، لا يمكن أن يغني عن معالجة العوامل التي تُبقي هذا الصراع مشتعلاً.
وفي الوقت نفسه، فإن نجاح أي جهد دبلوماسي يتطلب إشراك دول الجوار بصورة أكثر فاعلية وتوازناً، ليس لأنها صاحبة القرار في مستقبل السودان، وإنما لأنها الأكثر إدراكاً لتعقيدات الواقع السوداني، والأشد تأثراً باستمرار الحرب وتداعياتها، غير أن هذا الدور ينبغي أن يقوم على احترام سيادة السودان ووحدة أراضيه، وعلى دعم عملية سياسية يقودها السودانيون أنفسهم، لا على السعي إلى توجيهها أو فرض نتائجها.
كما أن من الضروري أن تميز الجهود الدولية بين الدول التي يمكن أن تضطلع بدور إيجابي في تهيئة الظروف الملائمة للسلام، وبين تلك التي تُوجَّه إليها اتهامات بالمساهمة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في استمرار الصراع. فنجاح الوساطة لا يتوقف على مقدار النفوذ الذي تمتلكه الأطراف الراعية لها، وإنما يعتمد، بالدرجة الأولى، على مدى الثقة التي تحظى بها لدى أطراف النزاع.
وفي هذا السياق، فإن تجاهل مواقف بعض دول الجوار التي التزمت، منذ البداية، بالدعوة إلى احترام سيادة السودان ووحدة أراضيه، وإلى رفض التدخلات الخارجية، لا يخدم فرص السلام، فهذه الدول يمكن أن تقدم إسهاماً مهماً في تهيئة بيئة إقليمية أكثر ملاءمة للتسوية، شريطة أن يكون دورها داعماً لإرادة السودانيين، لا بديلاً عنها.
وفي المقابل، فإن الدول التي يُنظر إليها باعتبارها جزءاً من المشكلة، أو التي وُجهت إليها اتهامات بتقديم دعم عسكري أو مالي أو لوجستي لأحد أطراف الصراع، لا يمكن تجاهل تأثير سياساتها على مستقبل الحرب، وإذا كانت الأسرة الدولية جادة في سعيها إلى إنهاء هذا النزاع، فإن مسؤوليتها لا تقتصر على جمع الأطراف السودانية حول طاولة المفاوضات، وإنما تمتد أيضاً إلى ممارسة الضغوط السياسية والدبلوماسية الكفيلة بالحد من التدخلات الخارجية التي أسهمت في إطالة أمده.


وفي نهاية المطاف، لا ينبغي أن ينصب النقاش على إعادة ترتيب المقاعد حول طاولة التفاوض، أو على منح هذا الطرف الإقليمي أو ذاك دوراً أكبر في الوساطة.

 فالقضية الأكثر إلحاحاً هي تهيئة الظروف التي تُمكّن السودانيين من التوصل إلى تسوية وطنية بعيداً عن الضغوط والتدخلات الخارجية، وفي بيئة إقليمية تشجع السلام بدلاً من تغذية الصراع.


فالخلل الحقيقي في جهود السلام في السودان لا يكمن في هوية الأطراف المدعوة إلى طاولة المفاوضات، وإنما في الإخفاق المستمر في التعامل مع القوى التي ما تزال تُغذي الحرب وتُوفر لها أسباب الاستمرار، وفي عدم الاستفادة، في الوقت نفسه، من الدور الإيجابي الذي تستطيع دول الجوار، متى التزمت الحياد واحترام سيادة السودان، أن تؤديه في دعم عملية سلام يقودها السودانيون أنفسهم.

المراجع
[1] Blen M. Diriba, “Sudan’s War, Iran’s Return, and the Ethiopia Blind Spot in U.S. Policy,” Middle East Forum, 9 July 2026.
[2] U.S. Department of the Treasury, Treasury Sanctions Recruitment Network Enabling War in Sudan, 17 April 2026.
Reuters, US imposes sanctions targeting Colombian recruitment network linked to Sudan conflict, 17 April 2026.
[3] Reuters Investigations, reports concerning external military assistance, logistical support and regional involvement in Sudan’s conflict (2024–2026).
[4] Reuters, reports on the humanitarian crisis and fighting in Al Fasher.
United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA), situation reports on Sudan, particularly those relating to Al Fasher and Darfur.
[5] Official statements issued by the Ministry of Foreign Affairs of the Republic of the Sudan concerning mediation initiatives, external interference, and the role of regional actors (2024–2026).
[6] Official statements issued by the Government of the State of Eritrea and the Ministry of Information of Eritrea affirming Sudan’s sovereignty and territorial integrity and supporting a Sudanese-owned political process.