فريد زهران: الحرب في الخليج تهدد صناعة النشر المصرية.. والناشرون بحاجة إلى دعم حكومي عاجل

إلغاء المعارض وتراجع القوة الشرائية يهددان مستقبل صناعة الكتاب

الناشرون المصريون لم يحصلوا على أي دعم رغم الأزمات المتتالية التي ضربت الصناعة
ملايين الزوار بمعرض القاهرة للكتاب لا تُعني بالضرورة زيادة أرباح الناشرين

في وقت تواجه فيه صناعة النشر المصرية تحديات متلاحقة، بدءًا من تداعيات الاضطرابات الإقليمية وتأثيرها على حركة المعارض وأسواق الكتاب العربية، مرورًا بارتفاع تكاليف الإنتاج والمشاركة في الفعاليات الثقافية، وصولا إلى تراجع القيمة الحقيقية لمكاسب الناشرين بفعل التضخم والتعويم، تظهر تساؤلات حول مستقبل هذه الصناعة وآليات دعمها، وفي هذا الحوار، يتحدث فريد زهران عن انعكاسات الحرب في الخليج على سوق النشر المصرية، ومفارقة ملايين زوار معرض القاهرة الدولي للكتاب مقابل محدودية العائد على دور النشر، فضلا عن رؤيته للنسخة المقبلة من المعرض ورسالته إلى صناع القرار بشأن ضرورة تقديم دعم حقيقي للناشرين، وإلى نص الحوار:

كيف ترى تأثير تجدد الاشتباكات الحالية في منطقة الخليج العربي على صناعة النشر في مصر؟
ضريبة الحرب الحالية على الاقتصاد في كل بلدان المنطقة ليست بسيطة، لكنها تتفاوت من حيث مستوى التأثير، بحسب ما إذا كانت الصناعة أو المجال المعني مرتبطًا بالسوق الإقليمي أم لا، وله علاقة بمنطقة الخليج أم لا، فمثلًا، إذا كانت هناك خطوط تجارية أو علاقات اقتصادية تربط بين مصر وبلدان المغرب العربي، فمن غير المتوقع أن تتأثر هذه الصناعة أو هذا المجال بشكل كبير بالحرب الدائرة في الشرق الأوسط أو بمنطقة الخليج أو مضيق هرمز.

أما فيما يتعلق بصناعة الكتاب في مصر، فهي سوق ممتدة من المحيط إلى الخليج كما يقال، وبالتالي إذا كانت هناك اضطرابات في منطقة الشرق الأوسط أو الخليج العربي أو مضيق هرمز، فمن المؤكد أن ذلك ستكون له تأثيرات سلبية على هذه الصناعة، لأن الأسواق المستهدفة تتأثر سلبًا، سواء من حيث ضعف القوة الشرائية، أو توقف حركة الأفراد نتيجة تعطل الملاحة أو توقف بعض خطوط الطيران، إلى آخره.

لذلك فإن التأثيرات على صناعة النشر كبيرة، وقد تم بالفعل تأجيل أو إلغاء أحد المعارض خلال الفترة السابقة، وتجدد الاشتباكات هذه الأيام قد يفضي إلى تأجيلات أو إلغاءات أخرى، وكلها تأثيرات سلبية كبيرة على صناعة النشر في مصر.

رغم أن عدد زوار معرض القاهرة الدولي للكتاب يصل إلى ملايين سنويًا، فإن مبيعات دور النشر لا تبدو متوازية مع هذا العدد، كيف تقرأ هذه المفارقة؟
طبعًا حجم الزيارات شيء إيجابي. أولا، هذا يدل على أن الشعب ما زال يقدر الكتاب ويحرص على زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب، وهناك بالفعل أعداد كبيرة تشتري الكتب، كلٌّ بحسب ملاءته المالية؛ فمنهم من يشتري كتابًا رخيصًا، ومنهم من يشتري كتابًا مرتفع السعر، لكن المشكلة أن الناشرين يشتكون من ارتفاع مصروفات المشاركة، وهو ما يجعل الأمر غير عادل بالنسبة لهم.

كما أن تكاليف إيجار الأجنحة داخل المعرض مرتفعة، وتمثل نسبة كبيرة من إجمالي مصروفات الناشر، فالناشر يدفع إيجار الجناح، ويتحمل مصروفات الانتقالات، ومصروفات العاملين، وكل هذه التكاليف ارتفعت بشكل كبير، وفي المقابل يُطلب منه تقديم تخفيضات على أسعار الكتب.

بدأت دور النشر مبكرًا في استقبال الأعمال الجديدة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب 2027، فهل تتوقع أن تختلف النسخة المقبلة عن الدورات السابقة؟
لا أعتقد أننا سنشهد مفاجآت كبيرة أو تغييرات صادمة، لكنني أتمنى أن ينجح المعرض من خلال خفض أسعار الأجنحة بالنسبة للناشرين، أو حتى تعويضهم ودعم الناشرين عما أصاب الصناعة من أضرار نتيجة الحرب، وأتمنى أن يتمكن الناشرون من تجاوز هذه الأزمة.

كيف تنظر إلى انخفاض القيمة الحقيقية لمكاسب دور النشر في ظل التضخم والتعويم؟
هذه مسألة بديهية في كل السلع، وليست في سوق الكتاب فقط، بمعنى أن الجزار مثلًا كان يبيع كيلو اللحمة بجنيه في عام 1975، واليوم يبيعه بأربعمائة جنيه، قد يبدو أنه يحقق إيرادات أكبر، لكنه في الحقيقة لا يملك قوة شرائية أكبر، لأن قيمة الأربعمائة جنيه اليوم تعادل تقريبًا قيمة الجنيهات القليلة قديمًا.

ففكرة تأثير التضخم على الصناعة ليست مرتبطة بالأزمة الحالية أو بالحرب تحديدًا، وإنما ترتبط بالأوضاع الاقتصادية بشكل عام، والحرب جزء من هذه الأوضاع.

بصفتك رئيس اتحاد الناشرين المصريين.. ما هي رسالتك إلى أصحاب القرار؟
أعتقد أنه في مواجهة الأوضاع الراهنة، سواء ما يتعلق بالحرب في الخليج، أو احتمالات إغلاق مضيق هرمز، إلى جانب حدة المنافسة مع عواصم عربية صاعدة في مجال النشر، فإنه يجب على السلطات أن تهتم بدعم صناعة النشر في هذه المرحلة، وهناك أكثر من طريقة لتقديم هذا الدعم بشكل مناسب، ودون أن يمثل عبئًا على موازنة الدولة، وأتمنى أن يكون هناك وعي من جانب صانع القرار بأهمية هذا الملف.

وهناك وسائل عديدة لدعم صناعة النشر، وقد آن الأوان لذلك في ظل ما تتعرض له من صعوبات، وكلها صعوبات خارجة عن إرادة الناشرين، فالناشرون يعملون في ظروف شديدة الصعوبة، ومع ذلك يحققون إنجازات كبيرة، وقد حان الوقت لدعمهم، ويكفي للدلالة على ذلك أنه خلال أزمة كورونا وجّه الرئيس بتخصيص 300 مليار جنيه لدعم القطاعات الاقتصادية المتضررة، بينما لم يحصل الناشرون على أي دعم.

وهذا أمر جدير بالانتباه، لأن صناعة النشر تعرضت لأضرار بالغة خلال أزمة كورونا، ومن قبلها أحداث 25 يناير، ثم تداعيات الحرب في غزة، والآن تداعيات الحرب الراهنة، ومع ذلك ما زال الناشرون صامدين وقادرين على الاستمرار، وحتى اليوم، يمثل الناشرون المصريون الكتلة الأكبر والأهم في صناعة النشر على مستوى العالم العربي وأفريقيا، ومع ذلك لا يوجد أي دعم موجه إليهم من جانب السلطات.

وهذا أمر يستحق النقاش والطرح، وليس من مهمتي أن أحدد شكل هذا الدعم أو آلياته، فهذه مسؤولية الجهات المختصة، لكن من واجبي أن أطالب بضرورة دعم الناشرين، وعلى السلطات أيضًا أن تجتهد وتفكر بجدية في كيفية تقديم هذا الدعم.