محمد حسنين
محمد حسنين

العلاج بالفن ما له وما عليه

الفن هو الكذبة التي تجعلنا ندرك الحقيقة “بابلو بيكاسو”
بين التأثير الجمالي والتدخل العلاجي خط فاصل يحدد الفرق بين تجربة جمالية تلامس الروح وتدخل علاجي يعيد تشكيل الوعي، وفي عالم يتداخل فيه الفن بالعلاج ويتداخل فيه الترفيه بالتأهيل يصبح التمييز بينهما ضرورة أخلاقية ومهنية.
في الهند في ستينات القرن الماضي أجرى الدكتور ” تي سي سينغ” تجارب على نبات البلسام باستخدام موسيقى كلاسيكية أدت إلى نمو أسرع بنسبة عشرين بالمائة في الطول وزيادة في الكتلة الحيوية بحوالي اثنين وسبعين بالمائة.
هنا نحن أمام حقيقة تؤكد أن الفنون تؤثر على الكائنات الحية.
لكن السؤال المحوري هل ما حدث للنباتات علاج بالفن، الحقيقة أن النباتات لم تكن تعاني من اضطراب نفسي أو صدمة ما، كل ما حدث كان تأثيرًا فيسيولوجيًا وبيئيًا لا تدخلًا علاجيًا مخططًا، وهنا يكمن الفارق بين التأثير والتدخل العلاجي وهذا ما يجب فهمه حين نتحدث عن العلاج بالفن.
إن حضورك حفلاً موسيقيًا تأخذك أنغامه إلى عنان السماء، أو بكاؤك أثناء مشهد درامي، أو اشتراكك في عرض مسرحي، قد يكون تجربة جمالية عميقة، وقد يفرغ شحنة انفعالية ويحسن مزاجك لساعات أو أيام، لكنه ليس بالضرورة علاجًا، فالعلاج بالفن تدخل مخطط له أهداف واضحة يشرف عليه معالج متخصص ضمن فريق علاجي ويقيم قبله وبعده ويتبع قواعد أخلاقيات المهنة، التجربة الجمالية قد تترك أثرًا مؤقتًا أما التدخل العلاجي فيسعى لتغييرات عميقة في السلوك والوعي الذاتي.
وهذا الفرق ليس تقسيمًا أكاديميًا بل خطًا أحمر يحمي الأفراد من الاعتماد على أنشطة فنية غير كافية في حالات اضطراب نفسي شديد يحتاج إلى تدخل مهني.
نرى كثيرًا ورشة رسم تعلن عن نفسها بأنها علاجية، جلسة تمثيل ارتجالي تقدم كسيكودراما، حلقة موسيقى تسمى جلسة علاج بالموسيقي، وفي الغالب يقود هذه الأنشطة فنان يمتلك أدوات فنية عالية أو معالجًا نفسيًا قرر أن ينخرط في المجال دون أدنى خبرة حقيقية في الفنون.
لكن العلاج بالفن سواء كان بالسيكودراما أو الفن التشكيلي أو الرقص أو اللعب ليس مجرد موهبة فنية أو حدس إنساني، بل تدخل علاجي مخطط يتطلب خلفية نظرية في علم النفس والعلاج النفسي وتدريبًا مهنيًا على تقنيات محددة وإشرافًا إكلينيكيًا مستمرًا ومعرفة بحدود الكفاءة وآليات الإحالة.
المخاطرة ليست في أن الورشة لن تفيد بل في أنها قد تضر، قد تترك المشارك عالقًا في انفعاله دون جسر للعودة إلى الواقع.
من أكبر الانتقادات للعلاج بالفن عمومًا وللسيكودراما خصوصًا صعوبة القياس الموضوعي، كيف نقيس الاستبصار، كيف نعرف أن التصالح مع الذات حدث بالفعل، هذا الانتقاد يصبح خطيرًا حين يستخدم ذريعة للتساهل، فالشعور بالراحة بعد البكاء أو الصراخ قد يكون مؤقتًا أو سطحيًا أو وهميًا، التنفيس بدون استبصار وبدون إعادة صياغة للتجربة وبدون تكامل مع الوعي مجرد تفريغ عاطفي يعود بعده الضغط النفسي بقوة أكبر.
هذا لا يعني أن العلاج بالفن غير فعال، فقد أثبتت الدراسات فعالية التقنيات الفنية المختلفة، لكن تلك الفعالية تتحقق ضمن إطار علاجي منظم لا في فوضى إبداعية عفوية.
فالعلاج بالفن والسيكودراما خصوصًا يمثلان نقطة التقاء بين التعبير والإدراك وبين الجسد والفعل وبين الفرد والجماعة، لكن هذا الالتقاء يحتاج إلى جسور لا إلى أسوار تفصل بين الفنان والمعالج ولا إلى هدم للحدود تحت شعار الكل يعالج الكل.
الجسور تبدأ بتكامل صحي بين المجالات، فالفنانون يملكون أدوات تعبير لا يملكها المعالج، والمعالجون يملكون إطارًا نظريًا ومهنيًا لا يملكه الفنان، التعاون المهني لا الاستحلال المتبادل هو ما يخدم المستفيد الذي يجب أن يكون قادرًا على التمييز، حين تعرض عليه ورشة علاجية عليه أن يسأل من يقودها، ما تخصصه، ما الإطار، ما آليات الإحالة إذا لزم الأمر.
الفن شاف، لكن الشفاء ليس في كل فرشاة ولا في كل خشبة مسرح، الشفاء في اليد التي تعرف ماذا ترسم وفي العين التي تعرف ماذا ترى.