
في زمنٍ أصبحت فيه الأغنية تُقاس بسرعة انتشارها على منصات التواصل الاجتماعي، قرر الفنان اللبناني، رامي عياش، أن يذهب في الاتجاه المعاكس، فلم يختر أغنية تعتمد على الإيقاع الإلكتروني الصاخب، أو الكلمات السهلة القابلة للتداول، بل عاد إلى اللغة العربية الفصحى مقدمًا عملاً يحمل عنوان “عذبيني” في خطوة تبدو أقرب إلى بيان فني منها إلى مجرد إصدار غنائي جديد.
أول ما يلفت الانتباه في الأغنية هو اختيار الفصحى، وهي لغة غابت تدريجيًا عن الأغنية التجارية خلال السنوات الأخيرة، بعدما أصبحت اللهجات العامية هي الخيار الأكثر انتشارًا، لكن رامي عياش لم يتعامل مع الفصحى بوصفها استعراضًا لغويًا، بل كجزء من هوية العمل، إذ جاءت الكلمات منسابة وسهلة التلقي مع احتفاظها بجرسها الشعري وهو ما منح الأغنية طابعًا مختلفًا منذ اللحظة الأولى.
وكتبت الشاعرة كاترين معوض، نصًا يستلهم روح القصيدة الغنائية، فابتعدت عن الجمل المباشرة التي تعتمد عليها الأغنيات الحديثة، واختارت صورًا بلاغية تعبر عن الشوق والعتاب واللهفة ويبرز ذلك في مفردات مثل “يشدو ثغرك بالعتاب” و”يحلو الهوى بالعذاب” وهي تعبيرات تستعيد مفردات المدرسة الرومانسية العربية حيث يتحول الألم إلى جزء من جمال الحب لا إلى شكوى منه.

لكن قوة النص وحدها لم تكن كافية، فقد اختار رامي عياش الذي تولى تلحين الأغنية بنفسه، أن يبني اللحن على الجملة الغنائية، لا على الإيقاع، لذلك تتحرك الموسيقى بهدوء تاركةً مساحة للكلمات كي تصل إلى المستمع بوضوح بينما يتصاعد اللحن تدريجيًا مع تصاعد الحالة من دون قفزات حادة أو انتقالات مفاجئة.
ويحسب لرامي عياش أنه لم يحاول استعراض إمكاناته الصوتية بقدر ما سعى إلى توظيف صوته لخدمة المعنى، فجاء الأداء هادئًا ومسيطرًا عليه، مع اهتمام واضح بمخارج الحروف، وهو أمر يكتسب أهمية خاصة في أغنية تُغنى بالفصحى حيث يمكن لأي خطأ في النطق أو الأداء أن يفقد النص جزءًا من جماله.
أما التوزيع الموسيقي الذي حمل توقيع عمر صباغ، فابتعد عن التكدس الصوتي الذي يطغى على كثير من الأغنيات الحديثة، لم تكن هناك مؤثرات إلكترونية مبالغ فيها، ولا إيقاعات تفرض نفسها على حساب اللحن، بل جاء التوزيع متوازنًا يعتمد على الآلات الوترية ولمسات البيانو مع إيقاع هادئ يمنح الأغنية دفئًا ويترك المساحة الأكبر لصوت المطرب.

هذا الهدوء في التوزيع لم يكن صدفة بل كان جزءًا من الفكرة العامة للعمل، فالأغنية لا تبحث عن لحظة صاخبة تحقق انتشارًا سريعًا على تطبيقات الفيديو القصير، وإنما تراهن على إعادة الاستماع إليها أكثر من مرة لاكتشاف تفاصيلها الموسيقية والشعرية.
ولم يبتعد الفيديو كليب عن هذه الرؤية، فالمخرج فادي حداد، اختار أجواء مستوحاة من سبعينيات القرن الماضي سواء في الملابس أو الديكورات أو معالجة الصورة، ليصنع حالة بصرية تنسجم مع الطابع الكلاسيكي للأغنية ولم يكن الهدف استحضار الماضي لمجرد الحنين بل التأكيد أن العمل ينتمي إلى مدرسة فنية ترى في البساطة والأناقة عنصرين أساسيين في صناعة الأغنية.
وتكشف “عذبيني” أيضًا عن مرحلة جديدة في اختيارات رامي عياش، إذ يبدو أكثر ميلًا إلى تقديم أعمال تعكس هويته الفنية بدلا من ملاحقة الاتجاهات السائدة في السوق وهو رهان قد يبدو أكثر صعوبة في عصر المنصات الرقمية، لكنه يمنح الفنان شخصية مستقلة وسط حالة التشابه التي تعيشها كثير من الإصدارات الغنائية.







