تحديث الرئيسيةملفات

خطوط اتصال منسوبة لأشخاص دون علمهم.. سرقة الهُوية الرقمية في شهادات مواطنين وآراء الخبراء

“عشرة  أرقام مسجلين باسمي، وأنا ماليش فيهم غير اتنين فقط” بهذه الكلمات عبر أحد المواطنين عن صدمته بعد اكتشاف وجود خطوط محمول مسجلة باسمه دون علمه. ولم تكن الواقعة فردية، إذ كشفت نتائج مسح استبياني أجرته “ليبرالي” مع مراعاة عدم نشر أي بيانات شخصية للمشاركين – إلى جانب مئات التعليقات والشهادات التي جرى تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي، عن وجود عدد من المواطنين الذين أكدوا اكتشافهم خطوط محمول مسجلة بأسمائهم دون علمهم أو استخدامهم لها.

وخلال الأيام الماضية، روى مواطنون تجارب متشابهة قالوا فيها إنهم فوجئوا بوجود خطوط محمول مسجلة بأرقامهم القومية لدى شركات اتصالات لم يسبق لهم التعامل معها، أو بوجود أرقام إضافية لدى الشركات التي يستخدمون خدماتها بالفعل، دون أن يكونوا قد طلبوا استخراجها أو استلموا شرائحها.

وفي شهادة أخرى، قال مواطن إنه اكتشف وجود خمسة خطوط لدى أحدى شركتي الإتصالات رغم أنه لم يتعامل مع إحدى الشركتين، بينما قال آخر إنه وجد خطين باسمه رغم عدم معرفته بهما، في حين ذكر آخر أن أحد أقاربه اكتشف وجود عدة أرقام مسجلة باسمه، وبعد إنهاء بعضها فوجئ لاحقًا بظهور خطوط أخرى مرتبطة بالبيانات نفسها.

وتكررت الشهادات بصورة لافتة، ما أثار تساؤلات حول مدى كفاية إجراءات التحقق من هوية العملاء عند إصدار خطوط المحمول، وآليات حماية البيانات الشخصية المستخدمة في عمليات التسجيل، والإجراءات المتبعة عند اكتشاف وجود خطوط مرتبطة ببيانات شخص لا يعلم بوجودها.

في هذا التحقيق يحاول “ليبرالي” الوقوف على دواعي هذه الأزمة أو الظاهرة، بالبحث في ثغرات شركات الاتصالات وإجراءات تسجيل شرائح المحمول وحماية بيانات العملاء ومدى سماحها بربط خطوط هاتف بأرقام قومية لمواطنين دون علمهم، وما يترتب على ذلك من مخاطر تتعلق بسرقة الهوية الرقمية والمسؤولية القانونية عن استخدام تلك الخطوط.

كما يسعى إلى التحقق من مدى التزام شركات الاتصالات والجهات التنظيمية بتطبيق القوانين والضوابط المنظمة لتسجيل الخطوط وحماية البيانات الشخصية، ورصد آليات التعامل مع شكاوى المواطنين.

التارجت والمبيعات

في شهادات أخرى، أشار مواطنون إلى احتمال ارتباط بعض الحالات- من الموظفين بالشركات- بضغوط تحقيق مستهدفات المبيعات داخل فروع شركات الاتصالات، مستندًا إلى تجربة شخصية، بأنه اكتشف بعد عمله في أحد الفروع أن موظفًا كان قد سجل خطًا باسمه وقام بتفعيله حتى يُحتسب ضمن مستهدفاته.

وأضاف أن المشكلة، من وجهة نظره، ترتبط بضعف إجراءات المراجعة والتدقيق، وليس بعيدًا ما حدث للشاب عمرو عمارة الذي أُدين وتأيد في حقه حكم المؤبد بسبب أنه سجل خطًا باسمه لمساعدة أخت صديقه في تحقيق تارجت بإحدى شركات الاتصالات، بينما فوجىء أن الخط تم استخدامه في جريمة تصنيع وإتجار بالمخدرات.

في المقابل، أشار أحد المشاركين إلى تجربة مختلفة حيث يعيش بالخارج، حيث يتم ربط إجراءات شراء شريحة الهاتف بالتحقق من هوية المستخدم عبر المنظومة الرقمية الحكومية، وهو ما طرح سؤالًا حول إمكانية تعزيز إجراءات التحقق من الهوية في سوق المحمول المصري.

برامج التحقق من الملكية

كما طالب مواطنون-عبر استبيان ليبرالي- بإعادة مراجعة قواعد تسجيل الخطوط، واقترح بعضهم وضع حد أقل لعدد الخطوط المرتبطة ببطاقة الرقم القومي، أو إلزام شركات الاتصالات بإعادة التحقق من ملكية الخطوط المسجلة بالفعل، بحيث يؤكد كل مواطن الأرقام التي تخصه ويلغي ما لا يعرفه.

ومن بين المقترحات التي ظهرت أيضًا: ربط عقد شراء الخط بإجراء تحقق قوي من هوية العميل، وتوثيق عملية التعاقد بطريقة تمنع استخدام بيانات المواطن دون علمه.

قلق استخدام البيانات الشخصية

الشكاوى والقصص التي نشرها المواطنون لا تثبت وحدها وجود “سرقة هوية رقمية” ، لكنها تكشف قلقًا حقيقيًا لدى مستخدمين يقولون إنهم اكتشفوا بيانات مرتبطة بهم لا يعرفون مصدرها أو كيف تم التعامل بها، بالإضافة لمخاوف تنفيذ جرائم الأمر الذي نفته بيانات حكومية بأن عدم امتلاك الشخص للخط لايضعه تحت طائلة مسائلة قانونية، الأمر الذي يتشكك فيه قانونيون، حيث أن البيانات الحكومية الصادرة بعد الأزمة توحي بالرغبة في طمأنة المواطنيين دون التساؤل حول كيفية حدوث ذلك؟ ولماذا؟ والتعويض عن سرقة البيانات والهوية الرقمية للمواطنين.

أسئلة لشركات الاتصالات تنتظر إجابة؟

كل تلك الشكاوى طرحت العديد من الأسئلة التي تنتظر الإجابة من الجهات المعنية ومن شركات الاتصالات فيما يتعلق، بــمن يملك صلاحية التسجيل؟ وكيف يتم التحقق من حضور صاحب بطاقة الرقم القومي؟ وهل توجد مطابقة بيومترية أو وسيلة تحقق تمنع تسجيل خط باسم شخص لم يطلبه؟

فالقضية ليست فقط، كم خطا مسجلا باسمك؟، بل من سجل هذه الخطوط؟ ومتى؟ ومن أي فرع؟ وبأي وسيلة تحقق؟ وهل توجد سجلات إلكترونية يمكن من خلالها معرفة الموظف أو نقطة البيع التي نفذت عملية التسجيل؟

هل توجد بالفعل حالات يتم فيها استخدام بيانات العملاء لتسجيل خطوط دون علمهم؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فما حجمها؟ وكيف تحدث؟ وهل يتم اكتشافها من خلال أنظمة المراجعة الداخلية أم بعد شكاوى المواطنين؟

تطرح كثرة الشكاوى المتشابهة تساؤلات أمام شركات الاتصالات حول أسباب تكرار هذه الوقائع، وما إذا كانت تشير إلى وجود خلل في بعض إجراءات تسجيل شرائح المحمول، أو في آليات الرقابة الداخلية، أو في أنظمة أتمتة التحقق من الهوية، أو في منظومة حماية البيانات الشخصية ومنع استخدامها دون علم أصحابها.

وتحتاج شركات المحمول الأربع العاملة في السوق المصري إلى توضيح آلياتها الداخلية أيضًا، خصوصًا فيما يتعلق بمسؤولية الموظفين ومنافذ البيع والموزعين، و مستهدفات المبيعات داخل الفروع، وما إذا كانت الشركات تربط الحوافز أو تقييم الموظفين بعدد الخطوط الجديدة التي يتم تسجيلها، وما الضوابط الموضوعة لمنع تحول هذه المستهدفات إلى حافز لإساءة استخدام بيانات العملاء.

أما وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، فيبرز دورها في توضيح السياسات العامة المتعلقة بحماية الهوية الرقمية والبيانات الشخصية في قطاع الاتصالات، ومدى وجود تنسيق بين الجهات التنظيمية والشركات لمواجهة أي إساءة لاستخدام بيانات المواطنين.

استفسارات لشركات الاتصالات

أرسلت “ليبرالي” استفساراتها إلى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، ووزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وشركات المحمول الأربع العاملة في مصر “فودافون، أورنج، الإتصالات، ووي”، للاستفسار عن أسباب تكرار الشكاوى، وآليات حماية بيانات العملاء، وإجراءات إصدار شرائح المحمول، وما إذا كانت هناك تحقيقات أو مراجعات داخلية بشأن هذه الوقائع، وتنتظر ردودها للنشر فور ورودها.

تسجيل خط باسم شخص دون علمه “سرقة هوية”

يقول أحمد حسين، باحث وخبير قانوني في التشريعات والجرائم الإلكترونية، عندما يكتشف مواطن وجود خط محمول باسمه لا يعرف عنه شيئًا، فإن من حقه معرفة كيفية تسجيل الخط، ومتى تم تسجيله، والجهة التي قامت بالتسجيل، وكيفية إلغاء الرقم وإثبات عدم علاقته به، يصبح جزءًا أساسيًا من حماية هويته الرقمية.

ويشير الخبير القانوني أنه ـ قانونيًا ـ يجب التفريق بين المصطلحات، لأن (سرقة الهُوية الرقمية) وصف واسع وغير محدد بشكل عام، أما قانونيًا، فقد تتعدد الأوصاف في تلك الجرائم الإلكترونية بحسب ما حدث فعليًا من استخدام بيانات شخصية دون موافقة، ومن ذلك تسجيل خدمة باسم شخص آخر، تزوير مستند أو توقيع، في حالة ثبوت إساءة استخدام نظام معلوماتي، وكذلك إن توافرت عناصر انتهاك الخصوصية، وربما جرائم أخرى إذا استُخدم الخط في أنشطة غير مشروعة.

قضية عمرو عمارة تكشف مخاطر تسجيل الشرائح دون ضوابط

يشير حسين إلى أن سرقة الهُوية الرقمية ليست مجرد مشكلة في فاتورة هاتف أو شريحة غير مستخدمة، وإنما قد تتحول إلى مشكلة قانونية وأمنية إذا استُخدمت بيانات المواطن أو الخط في ارتكاب مخالفة أو جريمة، وهو ما أصدرته بيانات حكومية لطمأنة المواطن من عدم تعرضه لمشكلة أمنية حال وجود خط مسجل باسمه في يد شخص آخر، وهذا يتعارض مع المشكلة التي تعرض لها الشاب عمرو عمارة في قضية “التارجت” التي حُكم عليه فيها بالمؤبد في قضية جنائية وهو لا يعلم عنها شيئا، وقد طالب المحامي بإعادة النظر في قضية عمرو بناء على القرارات الجديدة، وأن الحسم ليس بعقاب الشخص على جرم لم يرتكبه وتحمله مسؤولية الأزمة في منظومة كاملة تضم شركات الاتصالات وموظفيها المتطلعين لتحقيق المبيعات، وأضف إلى ذلك أن هناك الكثير من الحالات التي تم رصدها بتنفيذ عقوبات على أصحابها مثل اتهام سيدة بسرقة موبايل وتم الحكم عليها من خلال تتبع شريحة الخط لمسجل باسمها بينما هيا لا تعلم عنه شيئا.

الرأي القانوني: من يتحمل المسؤولية؟

ويضيف حسين أن الواقعة تطرح مسؤوليات قانونية تستوجب التحقق من مصدر البيانات، وكيفية استخدامها، وإجراءات تسجيل الخط وتفعيله، والإجابة عن :كيف دخلت بيانات المواطن إلى النظام، ومن استخدمها، وبأي سند قانوني، ومن سمح بتفعيل الخط؟

وتتداخل في وقائع وشكاوى المواطنين في عدة قوانين، أبرزها قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003، وقانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020، وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، بحسب ملابسات كل حالة.

ويحدد التحقيق المسؤولية من خلال مراجعة سجلات الشركة، ومكان وتاريخ إصدار الخط، وبيانات منفذ البيع، والمستندات المستخدمة، ووسيلة التحقق من هوية العميل.

 

 بيانات الرقم القومي ليست معلومات عادية

يرى علي حسام خبير الأمن السيبراني، أن بيانات بطاقة الرقم القومي ليست مجرد معلومات إدارية عادية، فالاسم والرقم القومي والصورة وغيرها من البيانات الشخصية يمكن أن تصبح جزءًا من الهُوية الرقمية للشخص، واستخدامها في تسجيل خدمات دون علم صاحبها قد يخلق مخاطر تتجاوز مجرد امتلاك رقم هاتف إضافي.ي

المشكلة تصبح أكثر خطورة إذا كان صاحب البيانات لا يعرف أصلًا أن هناك خطوطًا مرتبطة بهويته، ففي حالة استخدام الخط في عمليات احتيال أو تهديد أو ابتزاز أو غيرها من الأنشطة غير القانونية، قد تبدأ عملية البحث من بيانات صاحب الخط المسجلة لدى شركة الاتصالات، وهو ما يجعل المواطن أمام ضرورة إثبات أنه لم يكن مستخدمًا فعليًا للرقم ولم يطلب تسجيله.

ويضيف أن تسجيل خطوط بأسماء مواطنين دون علمهم يثير تساؤلات قانونية حول مدى مشروعية معالجة بياناتهم الشخصية، ومدى التزام الجهات القائمة على التسجيل بضوابط قانون حماية البيانات الشخصية والأهم أن المادة 2 تقرر كقاعدة عامة أنه لا يجوز جمع أو معالجة أو الإفصاح عن البيانات الشخصية إلا بموافقة صريحة من الشخص المعني، أو في الحالات التي يسمح بها القانون.

و في النهاية تبقى الأسئلة مفتوحة أمام الجهات المعنية: كيف سُجلت هذه الخطوط، ومن المسؤول عن استخدام بيانات المواطنين؟ والإساءة لإستخدامها.
تنتظر “ليبرالي” ردود الجهات والشركات المعنية، للتحقق مما إذا كانت الشكاوى المتكررة تكشف نمطًا في إجراءات تسجيل الخطوط و حماية بيانات العملاء، أم تكشف خللًا أوسع في منظومة تسجيل الخطوط وحماية البيانات، يحتاج إلى الضبط.

زر الذهاب إلى الأعلى