الصدع بين الحرس الثوري وبزشكيان.. هل يستطيع الرئيس الإيراني التوصل لاتفاق بعيدًا عن الصقور؟

دعا الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، إلى إنهاء ما وصفه بحالة اللا حرب واللا سلام مع الولايات المتحدة، في الوقت الذي يسعى فيه المفاوضون إلى التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب.
وقال “بزشكيان” يوم السبت الماضي، إن إيران في موقف قوة، ويعتقد أن الوقت مناسب للتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، وتأتي تصريحات الرئيس بزشكيان في الوقت الذي تسعى فيه إيران وسلطنة عمان إلى التوصل إلى اتفاق لإعادة فتح مضيق هرمز، وهو الممر المائي الحيوي الذي يمر عبره نحو خمس شحنات النفط العالمية في زمن السلم.
وقال وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، يوم الأحد الماضي، إن المحادثات مع سلطنة عُمان بشأن عبور وإدارة مضيق هرمز تقترب من مراحلها النهائية، لكنه أضاف أن إعادة فتح المضيق مشروطة بشروط أخرى وتعويض عن انتهاك مذكرة التفاهم الموقعة بين إيران والولايات المتحدة في يونيو الماضي، ونفى “عراقجي” أن إيران تتفاوض مع الولايات المتحدة قائلاً إنهما تتبادلان الرسائل فقط عبر وسطاء.

نفى الخلاف
نفى الرئيس “بزشكيان” وجود خلافات بين الحكومة والقوات المسلحة، والمرشد الأعلى مجتبى خامنئي، وصرح الرئيس “بزشكيان” أن هناك البعض يريد الإيحاء بأن هناك خلافًا بين الحكومة والمرشد الأعلى، وهو أمر عاري تمامًا من الصحة، موضحًا أنه لم تتحرك أي حكومة بقدر حكومته في إطار سياسات المرشد الأعلى.
وكشف أن 12 من أصل 13 عضوًا في المجلس الأعلى للأمن القومي وافقوا على قرار التفاوض، وقال إن القادة العسكريين يدعمونه بالكامل استنادًا إلى المنطق والواقع واحتياجات المجتمع.
كما أوضح أنه لا خلاف على الإطلاق بين الحكومة والقوات المسلحة والجهاز الدبلوماسي، وأن نهج كل من الحكومة والقوات العسكرية متسق تماماً، وقال الرئيس بزشكيان إن هناك تحديات داخل إيران، وأنه لا تزال توجد وجهات نظر مختلفة، وأن من الطبيعي أن تستغل الولايات المتحدة الوضع.
ولكن السؤال الأهم هو من يملك زمام صنع القرار في الدولة؟ ففي عهد علي خامنئي، كان المرشد الأعلى هو الحكم النهائي بين الحرس الثوري والحكومة والبرلمان والقضاء، أما اليوم فلا يملك أي شخص السلطة نفسها لفرض حلول وسط، ولا تستطيع أي مؤسسة الهيمنة على صنع القرار دون المخاطرة بصراع داخلي على السلطة.
إلا أن ما يمكن التأكيد عليه أن مؤسسات النظام لا تزال متفقة على مبادئ أساسية، الحفاظ على قبضة أمنية داخلية محكمة، والحفاظ على النفوذ الإقليمي لإيران، وحماية الدور المحوري للحرس الثوري كأحد أركان الجمهورية الإسلامية.

الصمود في المنصب
نفى الرئيس بزشكيان تقديم استقالته، مصرحًا أنه إذا أراد فعل ذلك فسيعلن ذلك بشكل رسمي، مؤكداً أنه سيبقى صامداً، وقد تصاعد الجدل بعد أن وزعم رجل الدين، محمد باقر خرازي، وهو قريب للمرشد الأعلى، مجتبى خامنئي، عن طريق المصاهرة، في مقطع فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، أن “بزشكيان” قدم استقالته أو هدد بتقديمها 28 مرة، وادعى “الخرازي” كذلك أن خامنئي حذر الرئيس من قبول استقالة أخرى.
كما نفى مكتب “خامنئي” هذه الادعاءات ووصفها بأنها عارية عن الصحة تماماً ومخالفة للواقع، محذراً من أن الادعاءات الكاذبة ضد المسؤولين ومحاولات إثارة الفتنة الداخلية تخدم أهداف الحاقدين وأعداء الشعب الإيراني.
يأتي ذلك في الوقت الذي أفادت وسائل إعلام إسرائيلية أن الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، قد يشهد قبول محاولته القادمة للاستقالة بعد خسارته على ما يبدو، صراعا على السلطة مع المؤسسة العسكرية.
وزعمت القناة الرابعة عشرة الإسرائيلية، نقلاً عن مصادر لم تسمها مطلعة على التطورات في طهران أن المرشد الأعلى آية الله مجتبى خامنئي، وجه إنذارا نهائيا إلى بزشكيان، مؤكداً أنه لن يسعى بعد الآن لمنع الرئيس من التنحي.
ووفقاً للقناة، سعى الرئيس بزشكيان رسميا إلى التنحي في مايو، حيث زعم أنه اشتكى من تهميش إدارته تماما من قرارات الأمن القومي والسياسة الخارجية، وقالت القناة الرابعة عشرة إن التهديد بالاستقالة كان بمثابة مصدر الضغط السياسي الرئيسي لبزشكيان، ورفض “خامنئي” ثنيه عن محاولة أخرى سيقلل من قدرة الرئيس على التأثير في القرارات الاستراتيجية.

سيطرة الحرس الثوري
كما أفادت تقارير بأن قائد الحرس الثوري الإيراني أحمد وحيدي، بات يسيطر على السياسة الأمريكية، وزعمت القناة الرابعة عشرة الإسرائيلية أن “خامنئي” قد انحاز إلى القيادة العسكرية الإيرانية وأيد نهج وحيدي الأكثر تشددا تجاه واشنطن.
ووفقا للتقرير فقد تقلصت الخلافات بين القيادة السياسية الإيرانية والحرس الثوري بشكل كبير، وزعم أن “وحيدي” منح الكلمة الفصل في القرارات الرئيسية المتعلقة بالولايات المتحدة، وأصبح موقفه فعليا السياسة الرسمية لطهران، بحسب ما ذكرته القناة الرابعة عشرة.

حدود صلاحيات بزشكيان
يشكك البعض في أن الرئيس بزشكيان ليس رئيس كامل الصلاحيات بل رئيس يدير أزمة تتجاوز حدود قدراته، ذلك في الوقت الذي صرح فيه الرئيس بزشكيان أنه يواجه صعوبة في لقاء المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، ما جعل البعض يعتقد بوجود خلاف داخل مؤسسات الدولة، وإنما يمكن القول أن ذلك يعود إلى تعدد مستويات اتخاذ القرار داخل النظام السياسي الإيراني، وليس لضعف الرئيس، كما أن طهران تواجه أزمة داخلية مركبة تشمل ارتفاع معدلات البطالة وارتفاع مستوي خط الفقر وأزمة الجفاف، إلى جانب التحديات الخارجية المتمثلة في الحرب والعقوبات الاقتصادية وإغلاق المضيق، وهي أزمات في مجملها يعصب على أي رئيس إداراتها بمفرده.
وأوضح الرئيس بزشكيان نهج حكومته في السياسة الخارجية، مؤكدًا أن المشاركة الدبلوماسية الإقليمية، والقرارات العسكرية، واستراتيجيات الدفاع الوطني تنفذ بتفويض كامل من المرشد الأعلى وبالتنسيق التام مع القوات المسلحة.

الدفاع عن النفس والسيادة الوطنية
دافع الرئيس بزشكيان عن العمليات العسكرية التي نفذت ضد المنشآت الأمريكية في أنحاء المنطقة خلال الحرب التي استمرت 12 يومًا، والحرب اللاحقة الأوسع نطاقًا الذي استمر 40 يومًا متواصلة، ووصفها أنها أعمالًا مشروعة وضرورية للدفاع عن النفس.
وأشار إلى أن القوات الأمريكية استخدمت قواعد تقع داخل دول إسلامية صديقة مجاورة لشن ضربات ضد البنية التحتية الإيرانية وأهداف مدنية، مستشهدًا تحديدًا بالهجمات على منشآت مثل مدرسة في ميناب.
وتساءل بزشكيان عن سبب سماح الدول المجاورة للقوات الأجنبية باستخدام أراضيها لشن ضربات ضد إيران، وأكد أن طهران لا ترغب في استهداف الدول المجاورة، لكنها تتبنى سياسة ضرب المواقع التي تنطلق منها الهجمات على الأراضي الإيرانية.
كما انتقد الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، متسائلًا عن سبب احتفاظ واشنطن بقواعد لقمع دول المنطقة، ورفض أي توقع بأن تخضع إيران للهيمنة الأجنبية أو استغلال مواردها.
كما أشاد بزشكيان وسلط الضوء على جهود الدفاع الداخلي، بأداء القوات الجوية والجيش والحرس الثوري الإسلامي وجميع أفراد الدفاع، وعزا هذا الأداء إلى الدعم الشعبي والإدارة الحكومية المنسقة، مؤكدًا أن العمليات العسكرية ما كانت لتنجح لولا الدعم الموحد للدولة، وشدد على أن الحكومة والأجهزة الأمنية والجيش تعمل ككيان واحد متماسك، رافضًا محاولات المنتقدين لبث الفرقة الداخلية.

المكاسب الدبلوماسية
صرح الرئيس بزشيكان بأن الحكمة الحقيقية تكمن في فهم القوة والقدرات الوطنية، مؤكدًا أنه بينما لن تخضع إيران للإكراه أبدًا، فإن المسار الأمثل هو عدم التدخل المتبادل.
وأكد الرئيس بزشكيان أن المطالب الخارجية خلال المفاوضات كانت تهدف إلى نزع السلاح الاستراتيجي الكامل، الأمر الذي كان سيجعل إيران عرضة لمصير مشابه لغزة، وأكد أن إيران لن تتخلى أبدًا عن قوتها الدفاعية أو تخضع للمطالب الخارجية، ومع ذلك أوضح أنه على عكس طموحات إسرائيل الإقليمية، لا تسعى إيران إلى أي توسع إقليمي أو عدوان على جيرانها.
وتحدى الرئيس بزشكيان المنتقدين المحليين أن يحددوا أي تنازل في الاتفاق تنازلت فيه إيران عن مصالحها الأساسية، مؤكدًا أن استمرار الحرب بلا هوادة لا يخدم إلا المصالح الإسرائيلية، وأنه ستقاتل إيران بلا هوادة إذا أجبرت على الاستسلام، فإنها ستلجأ دائمًا إلى الدبلوماسية لضمان الحقوق الوطنية كلما أمكن ذلك.
تكمن الخلافات الحالية في أنها لا تعكس انقسامًا بين معسكرين متناحرين بقدر ما تعكس تضاربًا في وجهات النظر بين مؤسسات الدولة حول أفضل السبل لحماية النظام خلال هذه المرحلة الاستثنائية، فالحكومة ووزارة الخارجية وبعض النواب يرون في المفاوضات أداة لتخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية، بينما يخشى الحرس الثوري الإيراني من أن أي تنازلات قد تفتح الباب أمام مطالب أمريكية تمس ما يعتبره أسس النظام الاستراتيجية، ولا سيما البرنامج النووي الإيراني وقدراته الصاروخية.
لذا ففي الوقت الراهن لا يبدو أن إيران تشهد انتقالاً سلساً للسلطة، بل تشهد إعادة تنظيم أوسع نطاقاً للسلطة داخل المؤسسة الحاكمة، فلم يتمكن مجتبى خامنئي بعد من ترسيخ نفسه كشخصية تحظى بإجماع النخبة السياسية، بينما لا يستطيع الحرس الثوري رغم نفوذه المتزايد، الحكم بمفرده دون إثارة مقاومة من مؤسسات أخرى.



