من “أريد حلاً” إلى “القاهرة 678” بين مطرقة القانون وسندان المجتمع كيف شكلت السينما وعي المرأة وقضاياها؟

لم تكن السينما المصرية عبر تاريخها الممتد لأكثر من قرن مجرد شاشة لعرض الحكايات والترفيه، بل تحولت في كثير من المحطات المفصلية إلى مشرط جراحي يفكك قضايا المرأة العربية، ومنبر حقوقي يواجه الازدواجية المجتمعية والجمود التشريعي، فمنذ اللحظات الأولى لتأسيس هذا الفن على يد رائدات صناعة السينما، ظلت المرأة تتأرجح على الشاشة بين موقع “الفاعل” الذي يصنع الحدث ويغير الواقع، وموقع “المفعول به” الذي يكتوي بنار التهميش والقوانين القاصرة.

صانعات السينما الأولى.. المرأة كفاعل حقيقي
قبل أن تتشكل ملاح الصناعة وتسيطر عليها رؤوس الأموال الكبيرة، كانت المرأة المصرية هي السباقة في المغامرة والتأسيس، إذ يُسجل التاريخ الكلاسيكي أن أول فيلم روائي مصري طويل “ليلى” عام 1927 جاء بجهد وإنتاج وفكر الفنانة عزيزة أمير، التي قيل عنها إنها نجحت فيما عجز عنه كثير من الرجال، لتتوالى بعدها أسماء رائدات مثل بهيجة حافظ، وفاطمة رشدي، لم تكن المرأة هنا مجرد وجه جميل للعرض، بل كانت العقل المدبر والمحرك للمشروع السينمائي برمتهم، مما أرسى قاعدة مفادها أن صوت المرأة في السينما لم يُمنح لها كمنحة، بل أخذته باقتدار واستحقاق منذ بدايات السينما الصامتة والناطقة.

أفلام هزت العروش التشريعية.. عندما تُصلح الشاشة ما أفسده القانون
تجلت القوة الضاربة للسينما في قدرتها على التغيير المباشر في منظومة القوانين والأحوال الشخصية، حيث تحولت بعض الأعمال السينمائية إلى وثائق اتهام موجهة صراحة للثغرات القانونية ويبرز فيلم “أريد حلاً” 1975 كعلامة فارقة، إذ أحدث عبر شخصية درية التي قام بتجسيدة الفنانة ”فاتن حمامة” في مواجهة تعنت الزوج والمحاكم، زلزالاً مجتمعياً وإعلامياً كشف المعاناة الطويلة للنساء في أروقة المحاكم، وكان المحرك الأساسي لإعادة النظر في قوانين الأحوال الشخصية في مصر وصدور تشريعات أكثر إنصافاً وإقرار حق “الخلع”.

وعلى الجانب الآخر، فتحت المخرجة إيناس الدغيدي من خلال فيلم “عفواً أيها القانون” 1985 ملفاً شائكاً يتصل بالازدواجية الأخلاقية والقانونية في التمييز بين الرجل والمرأة في جرائم الشرف والخيانات الزوجية، متسائلة بصوت عالٍ عن سبب معاملة القانون للجريمة ذاتها بمنظورين مختلفين، وفي الإطار نفسه، ألقى فيلم “الشقة من حق الزوجة” 1985 الضوء في قالب اجتماعي ساخر على الصراعات المادية والسكنية التي تلحق بقرار الانفصال، وأزمة المرأة المطلقة في إيجاد مأوى يحفظ كرامتها وكرامة أبنائها.

معارك الحرية والتمكين المهني
شهدت فترة الخمسينيات والستينيات وما تلاها طفرة في تقديم صورة المرأة المتمردة على الأطر التقليدية التي تحصر دورها في البيت فقط فقد صاغ فيلم “أنا حرة” 1959 المأخوذ عن رواية الكاتب إحسان عبد القدوس نداءً صريحاً لحق الفتاة في التعليم، واستقلال الشخصية، واختيار شريك الحياة دون إكراه مجتمعي أو عائلي.
بينما طرح فيلم “مراتي مدير عام” 1966 قضية المساواة المهنية وتقبل المجتمع والزوج لترقي المرأة واعتلائها مناصب قيادية في سوق العمل، مسلطاً الضوء على العقد الذكورية والغيرة الوظيفية بأسلوب كوميدي راقٍ وفي السياق ذاته، نسج فيلم “آسفة أرفض الطلاق” 1980 زاوية عكسية للمطالبة بالكرامة، حيث رفضت الزوجة “ميرفت أمين” الاستسلام لقرار الزوج المنفرد بالطلاق، معتبرة أن الحياة المشتركة لا ينهيها طرف واحد برغبته المحضة دون اعتبار للشريك الآخر.

السينما الحديثة مواجهة التابوهات وكسر حواجز الصمت
مع بداية الألفية الجديدة، انتقلت السينما إلى منطقة أكثر جرأة في تشريح الأزمات الاجتماعية المسكوت عنها، متجاوزة الصياغات التقليدية إلى الدراما الواقعية الصادمة حيث ناقش فيلم “القاهرة 678” 2010 مشكلة التحرش الجنسي بجميع صوره الطبقية، داعياً لكسر حاجز الخوف والشعور بالذنب لدى الضحية والمبادرة بالمواجهة القانونية بدلاً من الصمت، بينما تعمق فيلم “بنتين من مصر” 2010، في الأزمات النفسية والاجتماعية المعقدة التي تواجه الفتيات مع تأخر سن الزواج في ظل واقع اقتصادي وضغط مجتمعي متزايد وفي تجربة استثنائية، وكشف فيلم “أسماء” 2011 النظرة القاسية للمجتمع والمؤسسات الطبية لمصابي مرض نقص المناعة المكتسبة الإيدز، مطالباً بالحق الأدبي والإنساني للمريضة في العلاج والعيش بكرامة دون وصمة.

المرأة البطل الحقيقي للقصة
تؤكد التحليلات النقدية للأفلام المصرية أن التعاطي مع صورة المرأة مرّ بموجات مد وجزر، ففي الوقت الذي اُستغل فيه جسد المرأة في بعض المراحل كسلعة لترويج شباك التذاكر أو أداة للإثارة، نجح كبار الكتاب والمخرجين رجالاً ونساءً في تقديم سينما إنسانية خالصة ولم يكن الإنصاف وليد إبداع المخرجات والكاتبات فقط، بل شارك فيه صناع سينما من الرجال الذين استطاعوا ببراعة تفكيك المنظومة الذكورية وتجسيد صراع المرأة مع مجتمعها بقلم وفكر منصِفَين، مما يحسب للسينما المصرية كحركة فكرية متكاملة، تثبت قراءة المسار السينمائي المصري أن قضايا المرأة لم تكن هامشاً في شريط السينما، بل كانت في كثير من الأحيان هي “البطل الحقيقي” والمحرك الرئيسي للقصة لقد أثبتت السينما أنها عندما تخلص لقضايا الإنسانية، تتحول من مجرد وسيلة تسلية إلى قوة ناعمة قادرة على إعادة صياغة القوانين وتغيير المفاهيم السائدة في المجتمع.






