فن ومنوعات

فارس المسرح العربي “أحمد ماهر” رحلة بين أزقة “بولاق”، وجراح التكريم

في سيرة الفن المصري، ثمة قامات لا يقاس حضورها بحجم الأدوار أو كثرة العروض، بل بالبصمة الصوتية والجسدية التي تتركها على الوجدان ومن بين هؤلاء يتصدر الفنان القدير أحمد ماهر المشهد كأحد أواخر “فرسان الكلمة” واللغة العربية على الشاشة والخشبة، حيث تكتمل ملامح بورتوريه صحفي لفنان خاض معارك الثقافة والمسرح مستنداً إلى جذوره الشعبية الصلبة.

بين حارة “بولاق” ودعاء الأم

ولد أحمد ماهر في قلب حي “بولاق أبو العلا” بالقاهرة، ذلك الحي الذي شكله إنسانياً وجعله يستمد منه قيم النخوة والصراحة المباشرة وفي هذا المناخ المتشابك بالأصالة، ظهرت البذور الأولى لشغفه الفني حيث كانت والدته تمتلك حسًا إبداعياً في الملاحظة والتقليد، وهي الأولى التي زرعت في وجدانه محبة التشخيص، لم يكن الطريق ممهداً أمامه فقد عارض والده اتجاهه للتمثيل خوفاً على مستقبله من مهنة غير مضمونة ونتيجة لاستغراقه الكامل في بروات المسرح المدرسي ومتابعة عروض “روض الفرج”، دفع ثمن ذلك في سنوات تعثره بالتعليم الثانوي غير أن ذلك لم يثنِه عن حلمه، بل صمم على التحول من الهواية إلى الدراسة الأكاديمية، حتى عبر بوابات المعهد العالي للفنون المسرحية ونجح في اختبارات القبول أمام قامات إخراجية وأكاديمية صلبة كـ كرم مطاوع ونبيل الألفي وحمدي غيث.

فلسفة خشبة المسرح “ليست مجرد مكان بل عمر كامل”

وفي عقيدة أحمد ماهر، لا يمثل المسرح مجرد محطة عابرة أو منصة للظهور المؤقت، بل يراه المدرسة والبيت والمصنع الحقيقي للموهبة ويؤمن أن الممثل الحقيقي يُصقل في المواجهة المباشرة مع الجمهور حيث لا مجال للتصنع أو الإعادة، وحيث يسود الانضباط والمسؤولية والعمل الجماعي المتكامل، وعلى خشبة المسرح، شارك في عدد كبير من العروض، وبرزت موهبته الاستثنائية في أداء الشخصيات المتنوعة حيث لم يقتصر تألقه على مسرح الدولة والأعمال الكلاسيكية، بل امتد ليتألق في مسرح القطاع الخاص، مشاركاً في أعمال جماهيرية بارزة حققت نجاحاً واسعاً، من بينها مسرحيات “المتزوجون”، و”دول عصابة يا بابا”، و”إجازة ممتعة جدًا”، و”أربعة غجر والخامس جدع”، وقد مكنه هذا الانضباط والتنوع من إتقان فنون الفروسية وركوب الخيل، مما أكسبه لقب “فارس المسرح العربي” فهو لم يكن فقط يلقي النصوص التاريخية المكتوبة باللغة العربية الفصحى بقدرة لغوية فائقة، بل كان يجسد حركة الفارس وهيبته الميدانية على خشبة المسرح بأداء حماسي فريد.

بصمات في تاريخ التلفزيون المصري

وعلى مستوى الدراما، استطاع ماهر أن يبني نمطاً مميزاً للشخصية التاريخية والصعيدية المعقدة فتتذكر الأجيال العربية أداءه في أعمال حُفرت في ذاكرة الفن مثل “ذئاب الجبل”، و”السيرة الهلالية”، و”ريا وسكينة”، و”هوانم جاردن سيتي”، بالإضافة إلى إسهاماته التوعوية والوطنية في برنامج “سر الأرض” وفيلم “ناصر”.

صراحة المواقف وتوثيق الذاكرة

ولم يخلُ مشوار أحمد ماهر من السجالات الفنية، إذ يُعرف برأيه الصريح وتشبثه بما يراه حقيقة تاريخية وقد تتوج هذا الجدل في تصريحاته حول كواليس استبعاد واختيارات بطولة مسلسل “رأفت الهجان”، وهو ما فتح باباً للنقاش والتوضيح مع نقابة المهن التمثيلية والوسط الفني، لينتهي الأمر باحتواء نقابي يضمن احترام رموز الدراما وحفظ التقاليد الفنية، وفي إحدى دورات المهرجان القومي للمسرح المصري، تُوِّج الفنان القدير بتكريم خاص وصدر عنه كتاب توثيقي يخلد مسيرته وعن لحظة التكريم قال ماهر بصراحته المعهودة :التكريم جاء متأخراً جداً، لكنه في النهاية عالج بعض الجراح، وأعاد لي الإحساس بأن سنوات الجهد والتعب على الخشبة لم تذهب هباءً”، لتظل رحلته من “بولاق أبو العلا” إلى منصات التكريم قصة إصرار لم تستسلم للمصادفة، بل صنعت مسارها بالدرس والوعي والتمسك بالحلم.

زر الذهاب إلى الأعلى