“مهنته كانت هوايته”.. علاء الديب قارئ بعين صائد المواهب الأدبية قبل الشهرة

على امتداد أكثر من ستة عقود، لم يكن علاء الديب مجرد كاتب يقرأ الكتب ويكتب عنها، بل كان واحدًا من أبرز “ذواقة الأدب” في الثقافة المصرية؛ قارئًا شغوفًا ينظر إلى الكتاب بوصفه حياة أخرى، وإلى القراءة باعتبارها وسيلة لفهم الإنسان والعالم، لا مجرد ممارسة ثقافية.
في منتصف خمسينيات القرن الماضي، ظهر في مجلة “صباح الخير” باب جديد حمل اسم “عصير الكتب”، تعاقب على تقديمه عدد من الأسماء، في مقدمتهم فوزية مهران، ثم أحمد عباس صالح وصلاح عبدالصبور، قبل أن يصطبغ الباب بروح علاء الديب، فيحمل اسمه ويصبح واحدًا من أكثر أبواب المجلة ارتباطًا به.
كان “الديب” يقدم عبر “عصير الكتب” قراءات في أعمال كتاب قدامى وشباب، لكنه لم يتعامل معها بمنطق الناقد الذي يستعرض أدواته ومصطلحاته، وإنما بعين قارئ شغوف يريد أن يشارك الآخرين متعة اكتشاف كتاب جيد، ولذلك جاءت كتاباته قريبة من القارئ، أقرب إلى “ريفيو” أدبي واسع الأفق منها إلى النقد الأكاديمي التقليدي.

ويبدو أن هذه العلاقة الخاصة بين “الديب” والكتب تختصرها كلماته التي كتبها في مقدمة الكتاب الذي جُمعت فيه مقالات “عصير الكتب”: “ماذا قدمت لي الكتب سوى الحيرة وتلك الحزمة من الأشجان الرومانتيكية اليابسة؟ هل تقف الكتب ضد الحياة أو بديلًا عنها؟ كلا، هم أصدقاء.. من حسن الحظ أن مهنتي هي هوايتي، هي حياتي؛ تلك الخطوط السحرية التي تنقل معاني وتهز النفوس والجبال وتغير العالم”، ربما تبدو هذه الكلمات أكثر إلحاحًا اليوم، بينما يمر الكاتب بظروف صحية صعبة، وتصبح علاقته القديمة بالكتب موضع تأمل؛ فالكتب التي رافقته طوال حياته لم تكن بالنسبة إليه مهنة فقط، وإنما كانت، كما قال بنفسه، “حياته”.
علاء الديب قارئ لا يعرف المجاملة
لم ينضم علاء الديب إلى جوقة تمجد كاتبًا لمجرد شهرته، ولم يكن يتعامل مع الأسماء الجديدة باعتبارها أقل قيمة من الأسماء الراسخة، كان الكتاب، بالنسبة إليه، هو المعيار الأول، ولذلك حملت مقالاته احتفاءً بأصوات شابة وأعمال لم تكن قد أخذت مكانتها الكاملة في المشهد الثقافي، كان من بين الذين التفت إليهم مبكرًا إبراهيم أصلان، كما كتب عن المجموعة القصصية “أوراق شاب عاش منذ ألف عام” لجمال الغيطاني، وهي من الأعمال التي ارتبط اسمها بتجربته القصصية الأبرز، وامتدت قراءاته إلى تجارب شابة أخرى، من بينها الكاتبة أريج جمال في عملها الأول “مائدة واحدة للمحبة”.
بهذا المعنى، لم يكن الديب مجرد كاتب مقالات عن الكتب، وإنما كان قارئًا يشارك في صناعة الذاكرة الأدبية؛ يلفت النظر إلى عمل، ويمنح كاتبًا مساحة، ويفتح أمام القارئ بابًا لاكتشاف نص ربما لم يكن قد وصل إليه.
“دودة قراءة” بين الروايات والقصص والشعر
بعين قارئ غيور على الأدب، يمكن وصف علاء الديب بأنه “دودة قراءة” بالمعنى المحبب للكلمة، لم يترك جديدًا أو قديمًا إلا واقترب منه، ولم يكن يكتفي بالقراءة، بل يفكك العمل، ويتوقف عند تفاصيله، ويبحث عن روحه وما يمكن أن يقوله عن الإنسان.
وحين انتقل إلى الكتابة في جريدة “القاهرة” الثقافية، حمل معه العمود نفسه وروحه نفسها، ومن بين ما تناوله رواية “الحفيدة الأمريكية” للكاتبة العراقية إنعام كجه جي، وبدأ قراءته بعبارة تتخلل الرواية: “كل العودات مرحب بها إلا هذا الإياب، إنه يكوي الحشا”، ولم تكن قراءات “الديب” محصورة في الأدب بوصفه عالمًا منفصلًا عن الواقع، بل كان يرى في الرواية والقصة والشعر مرايا للمجتمع والوطن والإنسان، لذلك توقف أمام أزمات الوطن العربي والقارة الإفريقية، وقرأ معاناة البشر من خلال الأدب، دون أن يحبس نفسه في زمن أو مكان.

من الصحافة إلى الأدب
بدأ علاء الديب حياته في مؤسسة “روز اليوسف”، وظل بها حتى بلوغه سن المعاش في أواخر التسعينيات، وكان من أبناء مدرسة صحفية عرفت بانفتاحها على الحياة والشارع، قبل أن تتجه تجربته تدريجيًا نحو الأدب، وقبل أن يصبح “عصير الكتب” علامته الأشهر، خاض تجربة التحقيق الصحفي، وكان من أوائل تحقيقاته موضوع “مخدرات الطلبة”، لكن حتى في التحقيق الصحفي، كانت روح الأديب واضحة في كتابته.
وبجانب “عصير الكتب”، انشغل “الديب” بكتاباته الإبداعية، فقدم عددًا من الروايات والقصص التي جعلته واحدًا من الأصوات المهمة في جيل الستينيات، وإن كان من الكتاب المعروفين بقلة إنتاجهم مقارنة بغيرهم، ومن أبرز أعماله الروائية: “زهرة الليمون” الصادرة عام 1987، و”أطفال بلا دموع” عام 1989، و”قمر على المستنقع” عام 1993، و”عيون البنفسج” عام 1999، ثم «أيام وردية» عام 2002، التي صدرت عن دار الهلال، وكانت آخر أعماله الروائية.
كما ارتبط اسمه بعمل «وقفة قبل المنحدر»، الذي بدا كأنه ترنيمة حزينة لمثقف يعيش تحولات عصر عبدالناصر، في واحدة من أكثر كتاباته تعبيرًا عن علاقة المثقف بالسلطة والزمن والتحولات الكبرى.
“المومياء”.. حين دخل الأدب إلى السينما
لم يتوقف حضور علاء الديب عند الرواية والقصة ومقالات الكتب، بل امتد إلى السينما أيضًا، فقد شارك شادي عبدالسلام، في كتابة حوار فيلم “المومياء”، العمل الذي أصبح واحدًا من علامات السينما المصرية والعربية.
كان شادي عبدالسلام يبحث عن لغة قادرة على استعادة زمن بعيد، وتحديدًا مصر في القرن التاسع عشر، حين تدور أحداث الفيلم حول قبيلة “الحربات” التي تتولى سرقة الآثار المصرية، وهنا جاءت خبرة الديب الأدبية لتسهم في بناء لغة تتناسب مع الزمن التاريخي وروح الشخصيات.
من “القاهرة” إلى “الأهرام” و”المصري اليوم”
في عام 2012، انتهت علاقة علاء الديب بجريدة “القاهرة”، التي كان يعمل بها مستشارا أدبيًا، بقرار من سعد عبدالرحمن، رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة آنذاك، بعدما قال إنه لا يعرف ماهية وظيفة المستشار الأدبي التي كان يشغلها الديب.
لم يدخل الكاتب في معركة حول القرار، وانتقل بعد ذلك إلى الكتابة في “الأهرام” و”المصري اليوم”، مواصلًا الدور نفسه الذي اختاره لنفسه منذ عقود: قارئًا للكتب، وكاتبًا عنها، ومراقبًا للتحولات التي تكشفها الروايات والمجموعات القصصية ودواوين الشعر.
وحصل علاء الديب على جائزة الدولة التقديرية في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة عام 2001، تقديرًا لمسيرة أدبية امتدت بين الإبداع والقراءة والكتابة عن الأدب.
ستة عقود من “تذوق” الأدب
الأهم في تجربة علاء الديب ربما لا يكمن فقط في الروايات التي كتبها، ولا في الجوائز التي حصل عليها، وإنما في ذلك الدور النادر الذي اختاره لنفسه: أن يكون قارئًا محترفًا للأدب.
فخلال ستة عقود تقريبًا، ظل صاحب “زهرة الليمون” منكبًا على الروايات والقصص ودواوين الشعر، يبحث بين الصفحات عن ما يستحق أن يُقرأ، ويكتب للقارئ بلغة لا تخيفه ولا تستعرض عليه المصطلحات، كان علاء الديب، في جوهر تجربته، “ذوّاق أدب” يقرأ ليكتشف، ويكتب ليشارك اكتشافه مع الآخرين.
ولذلك لم يكن “عصير الكتب” مجرد باب صحفي ظهر في مجلة ثم اختفى، وإنما أصبح عنوانًا لتجربة كاملة، ارتبط فيها اسم الكاتب بفعل القراءة نفسه، ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عن مسيرته أن الرجل الذي أمضى عمره يفتش بين الكتب عن أرواح أصحابها، يجد اليوم تلك الأرواح كلها تقف إلى جواره؛ رواياته، وقراءاته، والكتاب الذين اكتشفهم، والقراء الذين أحبوا كلماته، في انتظار أن يعود “ذواق الأدب” إلى طاولته، ويقلب صفحة جديدة.






