إثيوبيا أمام مأزق تعدد الجبهات.. أزمة أمن أم تهديد لكيان الدولة؟

تدخل إثيوبيا مرحلة سياسية شديدة الحساسية مع بروز مؤشرات جديدة على اتساع نطاق الضغوط المسلحة على الحكومة الفيدرالية، فالمعلومات المتداولة (OLA) من أسر عدد من جنود الجيش الإثيوبي، بالتزامن مع إعلان جبهة الوحدة الثورية الوطنية لعفار، المعروفة باسم “أوغوغوم” استعدادها لتصعيد عملياتها ضد القوات الحكومية، تفتح نقاشًا يتجاوز حدود التطورات العسكرية إلى مستقبل توازنات القوة داخل الدولة الإثيوبية.
ولا يمكن حتى الآن التعامل مع واقعة أسر الجنود أو التحرك العسكري لـ«أوغوغوم» باعتبارهما وقائع مكتملة التحقق بصورة مستقلة، لكن أهمية التطور تكمن في توقيته؛ إذ يأتي بينما لا تزال الحكومة تواجه أزمات مليحة في أوروميا وأمهرا، في حين يظل الوضع في تيجراي هشًا، وتستمر مخاوف مرتبطة باستقرار مناطق أخرى.
وبالتالي، فإن التطورات الأخيرة لا تعني بالضرورة أن إثيوبيا تتجه إلى حرب أهلية شاملة جديدة، لكنها تكشف عن مشكلة سياسية أكثر عمقًا: قدرة حكومة أبي أحمد على إدارة دولة تتزايد لم تنجح التسويات السياسية السابقة في إنتاج توافق مستدام بين المركز والأقاليم.
OLA.. من التمرد العسكري إلى ورقة الضغط السياسي
يمثل استمرار نشاط OLA في أوروميا أحد أكثر التحديات تعقيدًا أمام حكومة أبي أحمد فالحركة رغم العمليات العسكرية الحكومية المستمرة، لم تختلف من المشهد، ولا تزال قادرة على تنفيذ عمليات في مناطق ريفية والحفاظ على وجود مسلح متغير في أجزاء من الإقليم.
لكن الأهمية السياسية لـOLA لا تقاس فقط بقدرتها على السيطرة على الأرض، فالنسبة لأي حركة مسلحة، فإن البقاءفؤ مواجهة الدولة لفترة طويلة يمثل بجد ذاته مصدر قوة تفاوضية؛ لأنه يمنع الحكومة من إعلان إنتهاء الأزمة، ويجبرها على إبقاء قوات وموارد ضخمة في مسرح عمليات مفتوح.
ومن هذه الزاوية، فإن المعلومات المتداولة عن أسر جنود من الجيش الاثيوبي، إذا ثبتت ستكون ذات قيمة سياسية كبيرة للحركة فهمي تمنح OLA فرصة لإثبات أن العمليات الحكومية لم تنجح في إنهاء قدرتها على العمل، كما يمكن أن تستخدمها لتعزيز صورتها أمام أنصارها باعتبارها طرفًا لا يزال قادرًا على تحدي المركز.
في المقابل، ستجد الحكومة نفسها أمام معضلة سياسية: الاعتراف باستمرار قوة الحركة قد يضاعف روايتها حول نجاح العمليات الأمنية، بينما يؤدي تجاهلها إلى ترك مساحة إعلامية وسياسية للخصم.
وهنا تظهر القاعدة الأساسية في الصراعات الداخلية: الانتصار العسكري التكتيكي لا يساوي بالضرورة انتصارًا سياسيًا.
أوروميا.. المشكلة التي تتجاوز OLA
التركيز على OLA وحدها قد يؤدي إلى قراءة ناقصة للأزمة الأورومية.
فأوروميا ليست مجرد مسرح لعمليات مسلحة، وإنما واحدة من أهم مراكز الثقل السياسي والهوية والموارد والعلاقة بين السلطات الإقليمية والحكومة الفيدرالية.
وقد أظهرت السنوات الماضية أن الحكومة تستطيع تحقيق تقدم عسكري أو التوصل إلى تفاهمات مع بعض الفصائل، لكنها تواجه صعوبة في تحويل ذلك إلى تسوية سياسية شاملة.
والسبب أن الصراع لا يعتمد على وجود تنظيم مسلح واحد فقط، بل يرتبط بمستوى أوسع من عدم الثقة بين بعض القوى الأورومية والمركز الفيدرالي.
ولهذا فإن استمرار OLA يعني سياسيًا أن ملف العلاقة بين أديس أبابا وأوروميا لم يُغلق بعد.
“أوغوغوم”.. لماذا عفار أكثر حساسية؟
التطور المتعلق بـ«أوغوغوم» يحمل دلالة مختلفة؛ لأن عفار ليست مجرد إقليم آخر على خريطة النزاع الإثيوبي.
عفار تقع في منطقة استراتيجية تربط إثيوبيا بجيبوتي وإريتريا، وتقترب من طرق التجارة التي تعتمد عليها إثيوبيا للوصول إلى البحر الأحمر، ولذلك فإن أي اضطراب أمني واسع فيها ستكون له انعكاسات مباشرة على الأمن الاقتصادي والجيوسياسي لإثيوبيا.
وتزداد أهمية التطورات المرتبطة بـ«أوغوغوم» إذا صحت المعلومات عن استعدادها لتوسيع النشاط العسكري ضد القوات الحكومية، ففي هذه الحالة، لن تكون الحكومة أمام مجرد تمرد جديد، وإنما أمام تحدِ يقع في منطقة ذات قيمة استراتيجية مباشرة لمصالحها الإقليمية.
وتشير تقارير حديثة إلى أن النشاط المعارض في عفار أصبح مصدر ثلث متزايد للسلطات، مع حديث عن انضمام عناصر من القوات الأمنية إلى القوى العفرية المعارضة، وإذا تأكد هذا الاتجاه فإن دلالته السياسية أخطر من حجم القوة المسلحة نفسها؛ لأن انشقاق أفراد من مؤسسات الدولة يعكس احتمال وجود فجوة بين الولاء للمركز والولاء الإقليمي.
وهنا تتحول المسألة من أمن الإقليم إلى تماسك مؤسسات الدولة.
تعدد الجبهات .. نقطة الضعف الحقيقية
المشكلة التي تواجه أبي أحمد ليست في قدرة OLA أو «أوغوغوم» منفردتين على إسقاط الحكومة، فهذا احتمال غير واقعي في المدى القريب، المشكلة الحقيقية هي تزامن الأزمات.
فالحكومة تواجه OLA في أوروميا، وقوى مسلحة في أمهرا وتوترات متجددة في تيجراي إضافة إلى مؤشرات على نشاط معارض في عفار ومناطق أخرى.
هذا التزامن يفرض على الدولة توزيع قواتها ومواردها على عدة مسارح.
ومن الناحية السياسية، كلما ارتفع عدد الجبهات، تراجعت قدرة الحكومة على تقديم نفسها باعتبارها الطرف القادر على فرض الاستقرار في جميع أنحاء البلاد.
وقد يكون هذا أكثر خطورة من الهزيمة العسكرية في معركة واحدة.
فالحكومة تستطيع التعامل مع خسارة تكتيكية، لكنها تجد صعوبة أكبر في إدارة استنزاف طويل متعدد الجبهات.
أزمة أمن أم أزمة فيدرالية؟
هنا تنتقل القضية إلى جوهرها السياسي، إثيوبيا ليست دولة مركزية تقليدية؛ فهي دولة اتحادية متعددة القوميات، وقد قام نظامها السياسي لعقود على محاولة تحقيق توازن بين السلطة الفيدرالية والسلطات الإقليمية.
لكن السنوات الأخيرة كشفت عن أزمة في هذا التوازن.
فكلما حاول المركز تعزيز سلطته، ظهرت مخاوف إقليمية من إعادة توزيع النفوذ، وكلما حصل إقليم على مساحة أوسع من الاستقلال السياسي والأمني، ظهرت مخاوف لدى المركز من تحول ذلك إلى منافسة على سلطة الدولة.
لكن السنوات الأخيرة كشفت عن أزمة في هذا التوازن.
وبالتالي فإن الصراعات الحالية يمكن قراءتها باعتبارها جزءًا من صراع على شكل الدولة نفسها.
السؤال ليس فقط: من يحمل السلاح؟
بل : من يملك القرار؟ من يحدد حدود السلطة الإقليمية؟ ومن يضمن أن تكون مؤسسات الدولة فوق الولاءات القومية والإقليمية؟
هذه الأسئلة لم تحسمها الحروب السابقة، ولذلك استمرت الأزمة بأشكال مختلفة.
أبي أحمد إمام معادلة صعبة
بعد الانتخابات، تمتلك حكومة آبي أحمد مساحة سياسية تسمح لها بمواصلة مشروعها، لكن استمرار النزاعات المسلحة يضعف قدرتها على تحويل هذه الشرعية إلي استقرار فعلي.
وهنا يواجه رئيس الوزراء معادلة دقيقة، إذا توسع في استخدام القوة، فإنه يخاطر بإطالة الصراعات وإنتاج أجيال جديدة من المعارضة المسلحة، وإذا قدم تنازلات واسعة للأقاليم والجماعات المسلحة، فقد يواجه انتقادات من القوى التي ترى أن الحكومة مطالبة بالحفاظ على وحدة الدولة وسيادتها.
أما التسوية السياسية الشاملة، فهي الخيار الأكثر صعوبة؛ لأنها تعني إعادة النظر في العلاقة بين المركز والأقاليم، وفتح ملفات السلطة والموارد والحدود والتمثيل.
لكنها في الوقت نفسه قد تكون الطريق الأكثر واقعية لإنهاء دوامة الاستنزاف.
عفار والبحر الأحمر.. البعد الإقليمي
لا يمكن فصل عفار عن الحسابات الجيوسياسية الأوسع في القرن الأفريقي.
فإثيوبيا تسعى منذ سنوات إلى تعزيز خياراتها للوصول إلى البحر الأحمر، في ظل كونها دولة حبيسة واعتمادها الكبير على الموانئ المجاورة.
وهذا يجعل استقرار عفار مصلحة استراتيجية وليس مجرد قضية داخلية، كما أن أي تصعيد في المنطقة قد يؤثر على حسابات إثيوبيا تجاه إريتريا وجيبوتي، ويزيد حساسية البيئة الأمنية حول البحر الأحمر.
ومن هنا، فإن توسع الصراع إلى عفار قد يمنح الأزمة الإثيوبية بعدًا إقليميًا جديدًا، خصوصًا إذا تداخلت المصالح المحلية مع المنافسة الجيوسياسية في القرن الأفريقي.
ثلاثة مسارات أمام إثيوبيا
المسار الأول : الاحتواء العسكري
تواصل الحكومة العمليات الأمنية لمنع OLA و«أوغوغوم» من توسيع نفوذهما، مع محاولة إبقاء الصراعات الأخرى تحت السيطرة.
المسار الثاني : حرب الاستنزاف
تبقى الجماعات المسلحة عاجزة عن إسقاط الحكومة، بينما تعجز الحكومة عن إنهائها، فتدخل البلاد في حالة طويلة من الصراع منخفض ومتوسط الشدة.
المسار الثالث: التسوية السياسية
تدرك الحكومة أن تعدد الجبهات لا يمكن حله عسكريًا فقط، فتنتقل إلى تفاوض أوسع حول علاقة المركز بالأقاليم ومشاركة القوى السياسية في إدارة الدولة.
ويبدو المسار الثالث الأكثر استدامة، لكنه أيضًا الأكثر تكلفة سياسيًا بالنسبة للحكومة؛ لأنه يتطلب تنازلات وإعادة توزيع للنفوذ.






