زامبيا أمام اختبار الصندوق والشارع.. هل تحسم الانتخابات معركة الاقتصاد أم تعيد إنتاج الأزمة؟

في الوقت الذي تتجه فيه أنظار المستثمرين إلى الانتخابات العامة في زامبيا، لا يبدو أن الرهان الحقيقي ينصب على هوية الرئيس المقبل بقدر ما يتركز على مستقبل النموذج الاقتصادي الذي تتبناه البلاد منذ خروجها من أزمة التعثر في سداد الديون، فالتقلبات التي شهدتها العملة المحلية الكواشا، قبل الاستحقاق الانتخابي ليست مجرد رد فعل مؤقت للأسواق، بل تعكس قلقًا أعمق بشأن قدرة النظام السياسي على الحفاظ على مسار الإصلاحات الاقتصادية وسط ضغوط اجتماعية متزايدة، ومطالب شعبية بتخفيف آثار التقشف، وتنافس سياسي قد يدفع المرشحين إلى إطلاق وعود كالية يصعب تنفيذها.
ولذلك؛ فإن الانتخابات الزامبية لا تمثل حدثًا محليًا فحسب، وإنما تشكل اختبارًا مهمًا لمدى قدرة الديمقراطيات الأفريقية على تحقيق توازن بين متطلبات المؤسسات المالية الدولية واحتجاجات المواطنين، وبين الحفاظ على ثقة المستثمرين وتجنب انفجار الاحتقان الاجتماعي.
انتخابات تدور حول الاقتصاد أكثر من السياسة
منذ أن أصبحت زامبيا أول دولة أفريقية تختلف عن سداد ديونها الخارجية خلال جائحة كورونا، تغيرت طبيعة الخطاب السياسي داخل البلاد، فلم تعد قضايا الهوية أـو التنافس الحزبي هي المحرك الأساسي للانتخابات، بل أصبحت الملفات الاقتصادية هي العامل الأكثر تأثيرًا في توجهات الناخبين.
وتأتي الانتخابات الحالية بينما لا تزال الحكومة تطبق برنامج إصلاح اقتصادي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، يتضمن ضبط الإنفاق العام، وإعادة هيكلة الديون، وإصلاح قطاع الطاقة، وزيادة الإيرادات الحكومية، ورغم أن هذه السياسات ساعدت في استعادة جزء من ثقة المؤسسات المالية الدولية، فإنها فرضت أعباء معيشية ثقيلة على المواطنين، مع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وزيادة تكلفة الخدمات الأساسية.
هذا التناقض خلق معادلة معقدة؛ فكلما تقدمت الحكومة في تنفيذ الإصلاحات، ازدادت الضغوط الاجتماعية، وكلما حاولت تخفيف هذه الضغوط عبر الإنفاق، تزايدات مخاوف المستثمرين من العودة إلى السياسات المالية غير المنضبطة.
الكواشا.. مؤشر على ثقة الأسواق
غالبًا ما تُستخدم حركة العملة المحلية لقياس ثقة المستثمريم في الاقتصاد، وهو ما ينطبق بوضوح على الكواشا الزامبية، فالضغوط التي تعرضت لها خلال الأسابيع الأخيرة لم تكن نتيجة تراجع اقتصادي مفاجئ، وإنما انعكاسًا لحالة الانتظار التي تسبق الانتخابات.
فالأسواق المالية لا تحب الغموض، ولذلك يفضل المستثمرون تأجيل قراراتهم الاستثمارية إلى ما بعد اتضاح المشهد السياسي، كما أن الشركات العاملة في قطاع التعدين، الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد الزامبي، تنتظر معرفة ما إذا كانت الحكومة المقبلة ستواصل السياسات الحالية أم ستتجه إلى مراجعة القوانين الضربية والاستثمارية.
ويؤكد ذلك أن سعر صرف الكواشا أصبح مرآة للتوقعات السياسية، وليس مجرد انعكاس للعرض والطلب على العملات الأجنبية.
النحاس .. الورقة الرابحة التي لم تُستثمر بالكامل
تمتلك زامبيا واحدة من أكبر احتياطيات النحاس في العالم، وهو معدن اكتسب أهمية استراتيجية مع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية.
ومن الناحية النظرية، يفترض أن تكون زامبيا من أكثر الدول الأفريقية استفادة من هذا التحول، إلا أن الواقع يكشف أن العائد الاقتصادي لا يزال أقل من الإمكانات المتاحة.
فالاعتماد المفرط على تصدير المواد الخام، وضعف الصناعات التحويلية، وعدم تطوير سلاسل القيمة المحلية، جعل الاقتصاد الزامبي شديد الحساسية لتقلبات أسعار النحاس العالمية.
كما أن المستثمرين ينظرون إلى قطاع التعدين ليس فقط زاوية الموارد الطبيعية، وإنما أيضًا من زاوية الاستقرار السياسي والقانوني، ولذلك فإن أي تغيرات مفاجئة في التشريعات أو الضرائب قد تؤثر في تدفق الاستثمارات الجديدة.
صندوق النقد.. شريك أم عبء سياسي؟
نجحت الحكومة خلال السنوات الماضية في استعادة العلاقات مع المؤسسات المالية الدولية، وبدأت عملية معقدة لإعادة هيكلة الديون الخارجية، وهو ما اعتبره كثير من الاقتصاديين خطوة ضرورية لاستعادة الاستقرار المالي.
لكن هذه الإصلاحات لم تمر دون تكلفة سياسية، فالمعارضة تستغل تراجع مستويات المعيشة لتوجيه انتقادات للحكومة، متهمة إياها بتنفيذ”وصفات صندوق النقد” على حساب الفئات الفقيرة.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة أن الإصلاحات الحالية تمثل الطريق الوحيد لإنقاذ الاقتصاد ومنع العودة إلى أزمة الديون، وهكذا أصبحت العلاقة مع صندوق النقد جزءًا من المعركة الانتخابية، حيث يحاول كل طرف تقديم نفسه باعتباره الأقدر على تحقيق التوازن بين الإصلاح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
لماذا تبدو عملات أفريقية أخرى أكثر استقرارًا؟
تثير المقارنة بين الكواشا وعملات مثل الشلن الكيني أو السيدي الغاني أو النايرا النيجيرية تساؤلات حول أسباب اختلاف الأداء، ففي كينيا، يستند الاستقرار النسبي إلى تنوع الاقتصاد، وارتفاع تحويلات المغتربين، ونمو قطاع الخدمات والسياحة.
أمام غانا، فرغم معاناتها من أزمة ديون مشابهة، فقد بدأت تجني ثمار برنامج إصلاح اقتصادي ساهم في تحسين ثقة الأسواق تدريجيًا، وفي نيجيريا، ورغم استمرار الضغوط على الاقتصاد، فإن تحرير سوق الصرف وإصلاح السياسات النقدية ساعدا على تقليل حالة عدم اليقين، أما زامبيا، فما تزال تعتمد بصورة كبيرة على صادرات النحاس، وهو ما يجعل عملتها أكثر حساسية لأي تغيرات سياسية أو اقتصادية.
الانتخابات في سياق المنافسة الأفريقية
تأتي الانتخابات الزامبية في وقت تتنافس فيه الدول الأفريقية على جذب الاستثمارات الأجنبية، خصوصًا في قطاعات التعدين والطاقة والبنية التحتية.
وفي هذا السياق، لم يعد المستثمرون يكتفون بالنظر إلى حجم الموارد الطبيعية، بل يضعون معايير أخرى، مثل استقرار المؤسسات، وسرعة الإجراءات ووضوح القوانين، وشفافية النظام القضائي، ومن هنا؛ فإن نجاح الانتخابات في تقديم نموذج ديمقراطي مستقر سيعزز موقع زامبيا في سباق جذب الاستثمارات، بينما قد تؤدي أي اضطرابات إلى انتقال رؤوس الأموال نحو أسواق أفريقية منافسة.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول يتمثل في إجراء انتخابات هادئة وشفافة، مع قبول جميع الأطراف بالنتائج، وهو ما سيبعت برسالة طمأنة للأسواق ويمنح الحكومة الجديدة فرصة لمواصلة الإصلاحات الاقتصادية وجذب استثمارات جديدة.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على حدوث خلافات محدودة أو طعون قانونية تطيل أمد الضبابية السياسية، دون أن تتحول إلى أزمة شاملة، وفي هذه الحالة قد تبقي الكواشا تحت الضغط لفترة مؤقتة قبل أن تستعيد توازنها.
بينما يتمثل السيناريو الثالث في تصاعد التوترات السياسية أو اندلاع احتجاجات واسعة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تراجع ثقة المستثمرين، وخروج رؤوس الأموال قصيرة الأجل، وارتفاع تكلفة الاقتراض، وتراجع قيمة العملة.
ما وراء الانتخابات
القراءة السياسية للمشهد الزامبي تشير إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعلان الفائز، بل في قدرة السلطة المقبلة على الحفاظ على التوافق بين ثلاثة أطراف رئيسية: المواطن الذي يطالب بتحسين مستوى معيشته، والمؤسسات المالية الدولية التي تطالب بمواصلة الإصلاحات، والمستثمر الذي يبحث عن بيئة مستقرة وقابلة للتنبؤ.
فإذا نجحت الحكومة المقبلة في تحقيق هذا التوازن، فإن زامبيا قد تتحول خلال السنوات القادمة إلى إحدى أبرز الوجهات الاستثمارية في أفريقيا، مستفيدة من موقعها كمنتج رئيسي للنحاس والمعادن الاستراتيجية.
أما إذا تحولت الانتخابات إلى نقطة انطلاق لصراع سياسي طويل أو تراجع عن الإصلاحات الاقتصادية، فإن البلاد قد تواجه موجة جديدة من الضغوط المالية، تعيدها إلى دوامة الديون وتقلبات العملة، وتفقدها الزخم الذي حققته خلال السنوات الأخيرة.
وفي النهاية، تبدو الانتخابات الزامبية أقرب إلى استفتاء على مستقبل الاقتصاد منها إلى مجرد منافسة على السلطة، فنتائجها لن تحدد فقط شكل الحكومة المقبلة، بل ستحدد أيضًا ما إذا كانت زامبيا قادرة على الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة، في وقت تتغير فيه خريطة الاستثمار العالمي وتزداد فيه أهمية أفريقيا كمصدر للمعادن الاستراتيجية التي تقوم عليها صناعات المستقبل.




