عربي ودولي

التقارب الإريتري ـ التيجراني.. إدارة خلافات أم إعادة تشكيل لموازين القوى بالقرن الإفريقي؟

في خضم التصعيد العسكري المتجدد داخل إثيوبيا، برز الاجتماع الذي جمع شخصيات وقيادات من إريتريا وإقليم تيجراي باعتباره تطورًا سياسيًا لافتًا، ليس فقط لأنه يأتي بعد سنوات من حرب دامية تركت جراحًا عميقة بين الطرفين، وإنما لأنه يعكس احتمال بدء إعادة تموضع سياسي قد يغير معادلات الصراع في القرن الإفريقي.

فبعد أن كانت أسمرة والجبهة الشعبية لتحرير تيجراي على طرفي نقيض خلال حرب 2020-2022، يبدو أن المتغيرات الإقليمية دفعت الطرفين إلى إعادة تقييم مواقفهما، انطلاقًا من مبدأ أن المصالح الاستراتيجية قد تتجاوز إرث الصراعات السابقة.

 ولا يمكن قراءة هذا التقارب بمعزل عن التطورات التي تشهدها إثيوبيا خلال الأشهر الأخيرة، حيث تواجه حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد تحديات متزايدة في عدة جبهات، سواء في إقليم أمهرة أو أوروميا، إضافة إلى عودة التوتر في شمال البلاد، ومع تصاعد احتمالات اندلاع مواجهة جديدة مع تيجراي  أصبحت البيئة السياسية مختلفة تمامًا عما كانت عليه قبل ثلاث سنوات.

من الحرب إلى إعادة الحسابات 

عندما اندلعت حرب تيجراي في نوفمبر 2020، لعبت إريتريا دورًا عسكريًا بارزًا إلى جانب الجيش الإثيوبي ضد قوات جبهة تحرير شعب تيجراي، وكان الهدف المشترك للطرفين آنذاك يتمثل في إنهاء  نفوذ الجبهة التي حكمت إثيوبيا فعليًا لعقود، واعتبرها الرئيس الإريتري أسياس أفورقي تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الإريتري منذ نهاية الحرب الحدودية بين البلدين عام 2000.

لكن السياسة في القرن الإفريقي كثيرًا ما تخضع لمنطق المصالح أكثر من ثبات التحالفات، فبعد توقيع اتفاق بريتوريا عام 2022، تغيرت البيئة الاستراتيجية بصورة تدريجية، وأصبح لكل طرف أولويات مختلفة عن تلك التي جمعتهما أثناء الحرب.

فإريتريا لم تعد تنظر إلى حكومة آبي أحمد بالحماس نفسه الذي ساد خلال سنوات الحرب، خاصة بعد تصاعد الخلافات غير المعلنة بين الطرفين بشأن مستقبل الترتيبات الأمنية في شمال إثيوبيا، وقضية الانسحاب من بعض المناطق الحدودية، إضافة إلى تصريحات آبي أحمد المتكررة بشأن ضرورة حصول إثيوبيا على منفذ بحري، والتي أثارت قلق أسمرة باعتبارها قد تمس مستقبل التوازنات الإقليمية.

في المقابل، وجدت تيجراي  نفسها أمام تحديات إعادة الإعمار، وعودة النازحين، والانقسامات الداخلية، إلى جانب استمرار الخلافات مع الحكومة الفيدرالية حول تنفيذ اتفاق بريتوريا، خاصة فيما يتعلق بالمناطق المتنازع عليها وانتشار القوات.

لماذا التقارب الآن؟

هناك مجموعة من العوامل التي تفسر توقيت هذا التقارب.

أولاً: تصاعد الأزمة الداخلية الإثيوبية، فالحكومة الفيدرالية تخوض مواجهات مع قوات فانز في إقليم أمهرة، بينما لا تزال أزمة أوروميا دون حل، وهو ما أدى إلى استنزاف القدرات العسكرية للدولة.

ثانيًا: تراجع الثقة بين أسمرة وأديس أبابا، فرغم التحالف الذي جمع الطرفين خلال الحرب، فإن المصالح الاستراتيجية لم تعد متطابقة كما كانت، خاصة مع اختلاف الرؤى حول مستقبل شمال إثيوبيا والعلاقة مع القوى المحلية.

ثالثًا: إدراك تيجراي أن استمرار العزلة الإقليمية ليس في صالحها، وأن إعادة فتح قنوات الاتصال مع الجوار قد تمنحها مساحة سياسية أكبر في أي ترتيبات مستقبلية.

انتصار الجغرافيا على السياسة

من أهم العوامل التي تجعل هذا التقارب قابلاً للحياة أن العلاقة بين إريتريا وتيجراي لا تقوم فقط على الاعتبارات السياسية، بل ترتبط أيضًا بعوامل الجغرافيا والتاريخ.

والحدود المشتركة تضم مجتمعات متداخلة، وروابط قبلية وعائلية، وتشابهًا ثقافيًا ولغويًا، إضافة إلى علاقات اقتصادية امتدت لعقود طويلة قبل اندلاع الحروب.

ولهذا، فإن القطيعة الكاملة بين الطرفين كانت دائمًا تبدو حالة استثنائية فرضتها ظروف الحرب، أكثر من كونها واقعًا دائمًا.

ومع تغير البيئة الأمنية، بدأت هذه الروابط الطبيعية تستعيد تأثيرها، وهو ما يفسر استعداد الجانبين لإعادة فتح قنوات الحوار.

ماذا يعني ذلك بالنسبة لآبي أحمد؟

إذا استمر هذا المسار، فإنه يمثل تحديًا سياسيًا مهمًا للحكومة الإثيوبية.

فأحد أهم المكاسب التي حققتها أديس أبابا خلال حرب تيجراي كان وجود تنسيق وثيق مع إريتريا، وهو ما وفر للحكومة عمقًا استراتيجيًا على الجبهة الشمالية.

أما اليوم، فإن أي تقارب بين أسمرة وتيجراي يعني عمليًا أن هذا المشهد قد يتغير، وأن الحكومة الإثيوبية قد تجد نفسها أمام واقع أكثر تعقيدًا.

ولا يعني ذلك بالضرورة وجود تحالف عسكري بين الطرفين، لكنه يعني على الأقل تراجع احتمالات استخدام الخلاف التاريخي بينهما كورقة سياسية لصالح الحكومة الفيدرالية.

هل يتحول الحوار إلى شراكة؟

الإجابة لا تزال غير محسومة، لأن ملفات الحرب والانتهاكات والاتهامات المتبادلة لا تزال حاضرة، كما أن جزءًا من الرأى العام في تيجراي يُحمّل إريتريا مسئولية مباشرة عن كثير من المآسي الإنسانية خلال الحرب.

وفي المقابل، لا تزال القيادة الإريترية تنظر بحذر إلى أي عودة قوية للجبهة الشعبية لتحرير تيجراي إلى المشهد السياسي الإثيوبي.

لذلك، فإن التقارب الحالي يبدو أقرب إلى إدارة الخلافات واحتواء المخاطر، وليس إلى بناء تحالف استراتيجي شامل.

انعكاسات إقليمية

لم تتوقف آثار هذا التقارب عند حدود إثيوبيا وإريتريا.

فالسودان، الذي يعيش حربًا أهلية، يتابع بدقة أي تغير في موازين القوى داخل القرن الأفريقي، لأن استقرار الحدود الشرقية يرتبط بصورة مباشرة بالأوضاع الأمنية في السودان.

كما تراقب مصر ودول الخليج التطورات باهتمام، بالنظر إلى ارتباطها بأنن البحر الأحمر وممرات التجارة الدولية.

أما القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فانظر إلى أي تقارب إقليمي باعتباره فرصة لتقليل احتمالات اندلاع حريق جديدة قد تؤدي إلى موجة نزوح واسعة وتفاقم الأزمة الإنسانية.

السيناريوهات المحتملة 

السيناريو الأول يتمثل في استمرار اللقاءات بين الجانبين، بما يؤدي إلى بناء إجراءات تدريجية لتعزيز الثقة، مثل إعادة فتح قنوات الاتصال، وتنسيق الجهود الأمنية على الحدود، وتسهيل الحركة الإنسانية والتجارية.

أما السيناريو الثاني فهو تعثر هذا المسار نتيجة ضغوط داخلية أو إقليمية، أو بسبب تجدد القتال بصورة واسعة داخل إثيوبيا، بما يعيد العلاقات إلى نقطة الصفر.

ويبقى السيناريو الثالث، وهو الأكثر حساسية، أن يتطور التقارب إلى تفاهمات سياسية أوسع تؤثر في توازنات الصراع داخل إثيوبيا، وهو احتمال سيغير بلا شك حسابات جميع الفاعلين في القرن الأفريقي.

زر الذهاب إلى الأعلى