مع انتهاء مدته.. هل يستحق حسن عبد الله الاستمرار محافظا للبنك المركزي؟

يترقب القطاع المصرفي المصري خلال الساعات المقبلة قرارًا جمهوريًا بشأن استمرار حسن عبد الله قائمًا بأعمال محافظ البنك المركزي، مع اقتراب انتهاء مدة تكليفه الحالية، والتي تنتهي اليوم الأثنين، وسط توقعات بتجديد الثقة فيه لعام جديد.
لكن الحديث عن حصيلة “عبد الله” بعد أربع سنوات على رأس “المركزي” لا يكتمل بالنظر إلى أرقام أغسطس 2026 فقط. الرجل تسلم المؤسسة في أغسطس 2022 بعد مرحلة مختلفة تمامًا في فلسفة الإدارة وطريقة التواصل مع الأسواق؛ مرحلة ارتبطت بطارق عامر الرئيس السابق للبنك المركزي، ولم تكن مشكلتها فقط في السياسات التي انتهت إلى أزمة نقد أجنبي، وإنما أيضًا في اندفاع التصريحات، والإفراط في صناعة التوقعات، وتحويل محافظ البنك المركزي في أحيان كثيرة إلى جزء من المشهد الإعلامي بدلًا من أن تكون المؤسسة نفسها هي المتحدث الرئيسي، فالفارق بين الرجلين، بهذا المعنى، لم يكن مجرد اختلاف في الشخصية. كان اختلافًا في مفهوم الوظيفة.
طارق عامر.. عندما سبق الكلام الأرقام
شهدت سنوات طارق عامر قرارات مهمة، في مقدمتها تحرير سعر الصرف في نوفمبر 2016 وإعادة بناء الاحتياطيات وجذب استثمارات أجنبية كبيرة. لكن السنوات التالية أظهرت أن جانبًا معتبرًا من الاستقرار قام على معادلة شديدة الحساسية: فائدة مرتفعة، وأموال ساخنة، وسعر صرف جرى الحفاظ على استقراره لفترات طويلة رغم تغير الظروف المحيطة.
وكانت المشكلة أن الثقة التي حاولت الإدارة السابقة بناءها بالتصريحات كانت، في أحيان كثيرة، أكبر من قدرة المؤشرات الأساسية على حمايتها.

ارتبط اسم عامر بتصريحات واسعة النطاق حول قوة الجنيه وتدفقات النقد الأجنبي وقدرة الاقتصاد على تجاوز الضغوط، وبدا أحيانًا أن هناك رغبة في طمأنة السوق بالكلمات قبل أن تكتمل أسباب الطمأنينة على الأرض.
لكن السياسة النقدية لا تكافئ المبالغة في الكلام، فعندما تغيرت البيئة الدولية بعد الحرب الروسية الأوكرانية وخرجت استثمارات المحافظ الأجنبية، انكشفت هشاشة النموذج بسرعة. تحول نقص الدولار إلى أزمة، وظهرت قيود على الاستيراد، وتراكمت البضائع في الموانئ، ودخل الاقتصاد في دوامة من تخفيضات العملة، وهنا أصبحت الفجوة بين الخطاب والواقع أكثر وضوحًا.
حسن عبد الله.. محافظ يتحدث حين تستدعي الحاجة
ثم جاء حسن عبد الله، ومنذ الأيام الأولى بدا أن هناك تغييرًا واضحًا في أسلوب إدارة المؤسسة: تصريحات أقل، ووعود أقل، وظهور إعلامي أقل، ومساحة أكبر للأرقام والقرارات كي تتحدث. لم يدخل عبد الله في سباق يومي للتعليق على الدولار، ولم يقدم توقعات متلاحقة عن اتجاه الجنيه، ولم يحاول بناء صورته باعتباره بطل السياسة النقدية.
بل إن الرجل ظل طوال فترات شديدة الحساسية بعيدًا نسبيًا عن الأضواء، حتى عندما كانت السوق الموازية للعملة تشتعل والتكهنات تحاصر البنك المركزي.
قد يرى البعض هذا الصمت نقصًا في التواصل، لكنه بالمقارنة مع المرحلة السابقة مثل تحولًا مهمًا في الثقافة المؤسسية: محافظ البنك المركزي ليس محللًا اقتصاديًا على شاشة، ولا ينبغي أن تصبح تصريحاته اليومية مصدرًا للمضاربة على العملة، فالبنوك المركزية تبني المصداقية عندما تكون كلماتها قليلة ومحسوبة، ثم تؤكدها القرارات.

مارس 2024.. الأفعال بدل التصريحات
لم تكن السنوات الأولى لعبد الله سهلة. استمرت أزمة النقد الأجنبي، واتسعت السوق الموازية خلال 2023 وبداية 2024، ووصلت الضغوط إلى مستويات شديدة الصعوبة، لكن الفارق ظهر عندما توفرت القدرة على اتخاذ القرار.
في مارس 2024، تحرك البنك المركزي بصورة حاسمة، فسمح لسعر الصرف بأن يتحدد وفق آليات السوق، بالتزامن مع رفع أسعار الفائدة 600 نقطة أساس وتوافر تدفقات كبيرة من النقد الأجنبي، لم يعلن المركزي سعرًا مستهدفًا للدولار، ولم يدخل في معركة إعلامية للدفاع عن مستوى معين للجنيه.
تحرك الدولار صعودًا وهبوطًا، لكن الجهاز المصرفي استعاد وظيفته الأساسية، واختفت تدريجيًا الفجوة الكبيرة مع السوق الموازية، وعاد النقد الأجنبي إلى القنوات الرسمية.
وهنا يظهر الفارق الحقيقي بين فلسفتين: الأولى حاولت لفترات طويلة إدارة سعر الدولار؛ والثانية سعت إلى إدارة سوق الدولار.
التحويلات قالت كلمتها
أقوى تصويت على نجاح هذا التحول لم يأت من تصريح لمسؤول، وإنما من المصريين في الخارج، مع اختفاء الفارق الكبير بين السعر الرسمي والموازي، عادت التحويلات بقوة إلى الجهاز المصرفي، وتجاوزت 40 مليار دولار على أساس سنوي، لتصبح أحد أهم مصادر تحسن المركز الخارجي.
وفي الوقت نفسه تجاوز صافي الاحتياطيات الدولية 55 مليار دولار بنهاية يونيو 2026، مسجلًا مستوى تاريخيًا.
وبدلًا من أن يخرج محافظ البنك المركزي كل عدة أسابيع ليشرح قوة الموقف النقدي، أصبحت الأرقام نفسها هي التي تقدم الحجة.
وهنا ربما توجد المقارنة الأكثر قسوة مع المرحلة السابقة: طارق عامر تحدث كثيرًا عن الثقة، بينما اختار حسن عبد الله أن يترك السوق تقيسها.
إرث الأموال الساخنة
أحد الملفات التي تستحق التوقف عندها في تقييم حقبة عامر هو الاعتماد الكبير على استثمارات الأجانب في أدوات الدين.
لسنوات، جذبت أسعار الفائدة المرتفعة عشرات المليارات من الدولارات إلى السوق المصرية، وقدمت هذه التدفقات إحساسًا قويًا بتوافر النقد الأجنبي، لكن الأموال الساخنة بطبيعتها لا تقدم ضمانًا طويل الأجل، وعندما تغيرت شهية المستثمرين للمخاطر خرجت الأموال بسرعة، وظهر حجم الانكشاف.
الدرس الذي دفع الاقتصاد ثمنه كان واضحًا: الاحتياطي الذي تدعمه تدفقات قصيرة الأجل ليس بديلًا عن اقتصاد قادر على توليد الدولار من مصادر مستدامة.
وهذه ليست مسؤولية البنك المركزي وحده بالتأكيد، لكنها تكشف حدود النموذج الذي ساد خلال سنوات ما قبل الأزمة.
من استهداف صورة الجنيه إلى استهداف التضخم
أما التحول الأكثر أهمية خلال سنوات عبد الله فهو إعادة ترتيب وظيفة السياسة النقدية نفسها، لسنوات أصبح نجاح “المركزي” في الوعي العام مرتبطًا بسؤال واحد: بكام الدولار؟، لكن البنك المركزي ليس مطلوبًا منه أن يصنع دولارًا رخيصًا، وإنما أن يحافظ على استقرار الأسعار والنظام المالي وأن يسمح لسعر الصرف بالتعبير عن أوضاع السوق.
وخلال الفترة الأخيرة، تحرك “المركزي” بصورة أوضح نحو استهداف التضخم، مع تطوير أدوات التنبؤ والتحليل، وإعلان مستهدفات أكثر وضوحًا، ثم بدء دورة خفض تدريجي للفائدة عندما سمحت البيانات بذلك.
وهذا لا يجعل تجربة عبد الله خالية من الأخطاء أو التكلفة. الفائدة المرتفعة ضغطت بقوة على الاستثمار والتمويل والمالية العامة، بينما دفع المواطنون ثمنًا قاسيًا لموجات التضخم وتراجع القوة الشرائية، لكن الفرق أن البنك المركزي أصبح أقل انشغالًا بصورة سعر الصرف وأكثر انشغالًا بوظيفته الأصلية.
من المحافظ النجم إلى المؤسسة
ربما يكون هذا هو التحول الأقل ظهورًا والأكثر أهمية، في عهد طارق عامر كان اسم المحافظ حاضرًا بكثافة في المشهد. تصريحات، مقابلات، توقعات ورسائل للأسواق والرأي العام، في عهد حسن عبد الله تراجع الشخص إلى الخلف، وتقدمت المؤسسة، وهذا هو الوضع الطبيعي في البنوك المركزية، فالسوق لا تحتاج محافظًا يفاجئها بتصريح جديد، وإنما مؤسسة تستطيع توقع طريقة تفكيرها حتى عندما لا تعرف قرارها المقبل، الهدوء هنا ليس مسألة شخصية، بل أداة من أدوات السياسة النقدية.
أربع سنوات بين مدرستين
لهذا فإن المقارنة بين أغسطس 2022 وأغسطس 2026 ليست مقارنة بين رجلين بقدر ما هي مقارنة بين مدرستين. مدرسة بالغت أحيانًا في قوة التصريح، واعتمدت على تدفقات قصيرة الأجل أكثر مما ينبغي، وانتهت مرحلتها والاقتصاد يعاني أزمة حادة في النقد الأجنبي، ومدرسة جاءت وسط الأزمة، قللت الكلام، وتحملت قرارات شديدة الصعوبة، ثم تركت السوق والأرقام تحكمان على النتائج.
اليوم هناك احتياطي تاريخي، وتحويلات قياسية، وسوق صرف أكثر انتظامًا، وفجوة شبه غائبة مع السوق الموازية، وتضخم أقل كثيرًا من ذروته.
لا يعني ذلك أن كل مشكلات الاقتصاد حُلت، ولا أن حسن عبد الله مسؤول وحده عن التحسن. لكنه يعني أن الرجل ترك بعد أربع سنوات مؤسسة أكثر هدوءًا وسياسة نقدية أكثر قابلية للتوقع وسوق صرف أكثر قدرة على أداء وظيفتها.
ولهذا فإن تجديد الثقة فيه، إذا صدر القرار، لن يكون مجرد تجديد لمحافظ البنك المركزي. سيكون أيضًا اختيارًا للاستمرار في مدرسة تقول أقل وتفعل أكثر.
وبعد سنوات دفعت فيها مصر ثمنًا باهظًا للفجوة بين التصريحات والواقع، ربما يكون هذا الهدوء في حد ذاته واحدًا من أهم إنجازات حسن عبد الله.


