مقالات

الغردقة hurghada VS

قد يأتي السائح إلى الغردقة ويقضي فيها أسبوعًا كاملًا ثم يغادرها دون أن يكون قد رأى المدينة فعلًا، يهبط من الطائرة إلى مطار الغردقة، ومنه إلى حافلة سياحية تنقله مباشرة إلى الفندق، وإذا خرج فغالبًا يكون خروجه ضمن برنامج محدد، رحلة بحرية أو جزيرة أو سفاري أو أحد المزارات، بوسيلة انتقال تنتظره وتعيده مرة أخرى إلى الفندق، ثم يأتي موعد الرحيل فيستقل الحافلة إلى المطار ومنه إلى بلده، هكذا زار الغردقة، لكنه في الحقيقة رأى جزءًا محددًا منها، رأى الغردقة التي أعددناها للسائح، وليس بالضرورة الغردقة التي يعيش فيها المواطن.

وهنا تبدأ الحكاية، فخلف الفنادق والمنتجعات والشواطئ الجميلة هناك مدينة كاملة يعيش فيها مئات الآلاف، وهناك عمال وموظفون وسائقون وفنيون وتجار وأصحاب مهن وأسر كاملة تقوم عليها هذه المدينة وصناعتها السياحية، العامل الذي يقدم الخدمة للسائح داخل الفندق أين يعيش؟، والسائق الذي ينقله إلى أي شارع يعود في نهاية يومه؟، والفني الذي يصلح الأعطال والعامل الذي ينظف والطاهي الذي يعد الطعام والموظف الذي يقدم الخدمة، كيف تبدو الغردقة بالنسبة إليهم؟.

هنا يجب أن نتوقف قليلًا، لأن نجاح المدن السياحية لا يمكن قياسه بعدد الفنادق ونسب الإشغال وأعداد السائحين فقط، هناك مقياس آخر لا يقل أهمية، وهو كيف يعيش أهل هذه المدينة؟.

فالمواطن في الغردقة لا يعيش داخل المنتجع السياحي، هو يعيش حياة يومية لها مشكلاتها وضغوطها، يعاني في مناطق مختلفة من ضعف بعض الخدمات، ويواجه مشكلات في المياه وأزمات انقطاع التيار الكهربائي، ثم يجد نفسه يعيش في مدينة تمتلك واحدًا من أجمل السواحل في العالم، بينما تظل مسألة وجود شواطئ عامة جيدة وبأسعار يستطيع المواطن تحملها قضية تحتاج إلى حل حقيقي.

ثم تأتي أزمة السكن والإيجارات التي أصبحت عبئًا على كثير من الأسر والعاملين، خصوصًا في مدينة تستقبل باستمرار عمالة قادمة إليها بحثًا عن فرصة عمل، بينما لا تتحرك الأجور بالسرعة نفسها التي تتحرك بها تكاليف السكن والمعيشة.

وإذا مرض المواطن تظهر مشكلة أخرى، فالقطاع الطبي في مدينة بهذا الحجم والأهمية السياحية ما زال يحتاج إلى قدرات وتخصصات وخدمات تتناسب مع عدد من يعيشون فيها، وليس فقط مع احتياجات النشاط السياحي، والأمر نفسه يمتد إلى التعليم، فالمدينة التي تتوسع ويزداد عدد سكانها والعاملين بها تحتاج إلى مدارس وخدمات تعليمية وقدرات تستوعب هذا النمو، لأن بناء المدينة لا يكون بالفنادق وحدها، وإنما بالمدرسة والمستشفى والمسكن والخدمة العامة أيضًا.

وفوق كل ذلك تأتي الأجور، وهنا ربما تكون المفارقة الأكثر قسوة، هناك مواطن يستيقظ كل صباح ليذهب إلى عمله، يرتدي ملابسه ويقف أمام السائح مبتسمًا، يستقبله بابتسامة ويقدم له الطعام بابتسامة ويقود به السيارة بابتسامة وينظف غرفته بابتسامة ويحل مشكلته بابتسامة، ثم تنتهي ساعات العمل ويعود هذا المواطن إلى حياته الحقيقية، إلى إيجار ينتظره وفاتورة كهرباء ومشكلة مياه ومصاريف مدرسة وعلاج وأسعار ترتفع وراتب يحاول أن يقسمه على احتياجات بيت لا تنتهي، فيضحك في وجه السائح نهارًا بينما يئن من أزمات الحياة عندما يعود إلى بيته.

وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد شكل مدينة، هل يشعر المواطن الذي يعيش في الغردقة طوال العام أنه يحصل على نصيبه من النجاح الاقتصادي للمدينة التي يعمل من أجلها؟، هل مستوى المياه والكهرباء والصحة والتعليم والسكن والمواصلات والخدمات العامة يتناسب مع أهمية الغردقة وحجم النشاط الاقتصادي الموجود فيها؟ وهل يحصل الإنسان الذي تقوم على جهده صناعة السياحة على جودة حياة تتناسب مع الدور الذي يؤديه؟.

هذه الأسئلة ليست هجومًا على أحد ولا إنكارًا لما شهدته الغردقة من تطوير خلال السنوات الماضية، لكن التطوير الحقيقي لا يجب أن يتوقف عند الطرق التي يمر بها الزائر ولا عند المداخل والمناطق السياحية، فالمدينة ليست واجهة فقط، وأهلها ليسوا جزءًا من الديكور السياحي، هم أصحاب المكان.

ومن المفارقات أننا نهتم كثيرًا بالصورة التي يعود بها السائح إلى بلده، وهذا أمر مطلوب، لكننا نادرًا ما نسأل عن الصورة التي يراها المواطن كل صباح عندما يخرج من منزله، نريد فندقًا على أعلى مستوى ونريد شاطئًا جميلًا ونريد طرقًا ومداخل تليق بمدينة سياحية عالمية، كل هذا صحيح، لكننا نريد أيضًا مياهًا مستقرة في بيت المواطن وكهرباء مستقرة وشاطئًا يستطيع أن يدخله مع أسرته دون أن يتحول يوم على البحر إلى عبء على ميزانية البيت، ونريد مستشفى يجد فيه التخصص الذي يحتاج إليه ومدرسة جيدة لأولاده ومسكنًا يستطيع تحمل إيجاره ودخلًا يسمح له بأن يعيش، لا أن يقضي الشهر كله في محاولة اللحاق بالمصروفات.

ولا يمكن تحميل الدولة وحدها كل شيء، فالغردقة مدينة صنعت نجاحات اقتصادية كبيرة لكثير من المستثمرين والشركات والفنادق، ومن الطبيعي أن يكون لهذا القطاع دور أكبر في تنمية المجتمع الذي يعمل داخله، ليس بديلًا عن الدولة وإنما شريكًا معها، والمسؤولية المجتمعية هنا لا تعني مناسبة موسمية أو بعض المساعدات التي توزع أمام الكاميرات، بل يمكن أن تكون تعاونًا حقيقيًا ومنظمًا بين المحافظة والمستثمرين والفنادق والمجتمع المدني لتطوير الأحياء ودعم المدارس والخدمات الصحية وإنشاء مساحات وشواطئ عامة مناسبة وتحسين البيئة المحيطة والتشجير والإنارة ورفع جودة الحياة في المناطق الأكثر احتياجًا.

لأن من حق المستثمر أن ينجح ومن حق السياحة أن تنمو ومن حق السائح أن يجد مدينة جميلة وآمنة ونظيفة، ولكن من حق المواطن أيضًا أن يرى أثر كل هذا النجاح في حياته، فالفرق كبير بين أن نبني مكانًا جميلًا ليستمتع به زائر لعدة أيام وبين أن نبني مدينة جيدة يعيش فيها إنسان عمرًا كاملًا.

الغردقة لا تحتاج إلى صورتين، صورة جميلة يراها السائح وصورة أخرى يتعايش معها المواطن، نريد مدينة واحدة نفخر بأن يراها السائح كاملة، مدينة يكون جمالها على البحر وداخل أحيائها أيضًا، مدينة يستفيد من نجاحها من يزورها ومن يستثمر فيها ومن يعمل بها ومن يعيش على أرضها، فلا يصح أن يظل الشريط المطل على البحر يرقص بينما قلب المدينة يئن.

الغردقة تستحق أن تكون مدينة عالمية بحق، والعالمية لا تبدأ من الفندق ولا تنتهي عند الشاطئ، العالمية الحقيقية تبدأ من جودة حياة الإنسان الذي يعيش خارج أسوار الفندق ويقف كل صباح داخله مبتسمًا في وجه ضيوف مدينته.

زر الذهاب إلى الأعلى