“رأفت الهجان” و”دموع في عيون وقحة”.. كيف بقي صالح مرسي حاضرًا بعد 30 عامًا من رحيله؟

ثلاثون عامًا على رحيله، وما زال اسم صالح مرسي حاضرًا كلما فُتحت واحدة من أكثر صفحات الذاكرة المصرية حساسية الجاسوسية، لكن اختزال الرجل في لقب “عميد أدب الجاسوسية” ربما يظلمه أكثر مما ينصفه، فالجاسوسية كانت موضوع الحكاية، أما الإنسان المصري فكان موضوع صالح مرسي الحقيقي؛ الإنسان الذي عاش الهزيمة، واختبر الخوف، وانتظر لحظة يستعيد فيها ثقته بنفسه وبوطنه.
لم يكن يبحث فقط عن “جاسوس” يروي حكايته، وإنما عن إنسان يقف في منطقة رمادية، حيث يصبح الاختيار أصعب من مجرد معرفة الحقيقة،ولهذا جاءت أعماله مشغولة دائمًا بأسئلة أكبر من عالم المخابرات ماذا يعني أن تكون وفيًا؟ كيف يتحول الخوف إلى مقاومة؟ وماذا يفعل الإنسان عندما يصبح الوطن جزءًا من مصيره الشخصي؟.
من جرح الهزيمة إلى حكايات الانتصار
ظهر مشروع صالح مرسي في مرحلة مصرية شديدة التعقيد، جيل خرج من الستينات محملًا بأسئلة الهزيمة والانكسار، ثم وجد نفسه أمام لحظة مختلفة مع حرب أكتوبر وما تبعها من محاولة لاستعادة الثقة.
في هذا المناخ، جاءت كتاباته عن عالم المخابرات لتقدم شيئًا يتجاوز الإثارة، كانت هناك حاجة إلى الحكاية التي تقول إن ما حدث لم يكن نهاية القصة، وإن خلف لحظات الانكسار صفحات أخرى لم تُروَ بعد.
وهنا تكمن خصوصية صالح مرسي: لم يتعامل مع التاريخ باعتباره مجموعة من الوقائع الجامدة، وإنما بحث عن الإنسان الموجود خلف الواقعة.
“رأفت الهجان”.. الحكاية التي تجاوزت الشاشة
حين ارتبط اسم صالح مرسي بـ”رأفت الهجان” لم تعد الحكاية مجرد عمل درامي عن رجل عاش في قلب واحدة من أكثر العمليات الاستخباراتية إثارة للجدل.
تحولت الشخصية إلى حالة جماهيرية، وصار الجمهور يتابع رحلة رجل يعيش سنوات طويلة في منطقة شديدة التعقيد، بين الهوية والمهمة، وبين الحياة الشخصية والواجب.
نجاح الحكاية لم يكن في الأسرار وحدها، وإنما في قدرتها على تحويل عالم مغلق إلى قصة إنسانية يستطيع الجمهور أن يتفاعل معها.
وهنا تحديدًا يظهر مشروع صالح مرسي أن يجعل التفاصيل الاستخباراتية مدخلًا إلى سؤال إنساني.
“دموع في عيون وقحة” البطولة من زاوية أخرى
وفي “دموع في عيون وقحة” لم تكن البطولة مجرد انتصار مباشر أو شخصية خارقة تعرف دائمًا ماذا تفعل.
كان هناك إنسان يواجه مهمة أكبر منه، ويدفع ثمنها نفسيًا وإنسانيًا، ويعيش في مساحة لا تسمح له بأن يكون شخصًا عاديًا.
هذه التفاصيل هي التي جعلت أعمال صالح مرسي مختلفة عن مجرد أدب يعتمد على المطاردات والأسرار. كان مهتمًا بتكلفة البطولة، وبالثمن الذي يدفعه الإنسان عندما يقرر أن يضع نفسه في خدمة قضية أكبر.
لماذا بقي صالح مرسي؟
ربما لأن الزمن تغير، لكن الأسئلة التي كتب عنها لم تتغير، فالخيانة والولاء والخوف والشجاعة والانتماء ليست موضوعات مرتبطة بزمن محدد، ولهذا بقيت أعماله قادرة على العودة إلى الواجهة بعد سنوات طويلة من رحيله، وإذا كان كثيرون كتبوا عن الجاسوسية، فإن قليلين استطاعوا أن يجعلوا القارئ أو المشاهد يهتم بالإنسان الموجود خلف المهمة.
وهذا هو الفارق الذي تركه صالح مرسي، لم يكن يريد أن يقول للجمهور فقط “انظروا ماذا حدث خلف الستار” وإنما كان يقول أيضًا “انظروا ماذا يمكن أن يفعل الإنسان عندما يوضع أمام الاختبار”.
ثلاثون عامًا.. وما زالت الحكاية مفتوحة
في ذكرى رحيله الثلاثين، ربما لا يكون السؤال الأهم كم عملًا ترك صالح مرسي؟ أو كم شخصية من عالم المخابرات كتب عنها؟، السؤال الأهم هو لماذا نجحت حكاياته في البقاء؟، والإجابة ربما تكمن في أنه لم يكتب عن زمنه فقط، بل كتب عن الإنسان داخله، الجاسوسية كانت موضوع الحكاية، لكن الإنسان المصري كان موضوع صالح مرسي الحقيقي.
ولهذا، بعد ثلاثين عامًا من رحيله، لا تبدو أعماله مجرد وثائق درامية عن زمن مضى، وإنما شواهد على جيل كان يبحث عن انتصار، وكاتب عرف كيف يحوّل ذلك البحث إلى حكايات بقيت في الذاكرة.


