التحول الرقمي – من رقمنة الخدمات إلى رقمنة الاقتصاد
في ملف الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، تصل إلى المواطن والمستثمر رسالتان تبدوان أحيانًا وكأن بينهما مسافة كبيرة.
من ناحية، نتحدث عن توسع هائل في البنية التحتية الرقمية، وزيادة سرعات الإنترنت، وتوسع خدمات الحكومة الرقمية، وانتشار المدفوعات الإلكترونية، ونمو قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والاستثمارات في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والتعهيد.
ومن ناحية أخرى، لا يزال المواطن يسأل عن جودة الخدمة، والشركات تسأل عن تكلفة التحول الرقمي، والمستثمر يبحث عن بيئة أكثر سرعة ووضوحًا، والمؤسسات نفسها ما زالت تعاني في بعض الأحيان من تكرار الإجراءات وتعدد الأنظمة وضعف تكامل البيانات.
الرسالتان يمكن أن تكونا صحيحتين في الوقت نفسه، لكن ما ينقصهما هو الإجابة عن السؤال الأهم، ماذا غير التحول الرقمي فعلًا في الاقتصاد؟
فعدد التطبيقات والخدمات الإلكترونية مهم، وعدد المستخدمين مهم، وحجم الاستثمارات مهم، لكن هذه كلها في النهاية وسائل.
الهدف الحقيقي من التحول الرقمي ليس أن نستبدل الورق بشاشة، ولا أن ننقل الإجراء الحكومي من شباك إلى تطبيق، الهدف أن يصبح الاقتصاد نفسه أكثر سرعة وكفاءة وقدرة على المنافسة.
التحول الرقمي ليس مجرد خدمة إلكترونية من السهل أن نقول إن خدمة معينة أصبحت متاحة إلكترونيًا، لكن السؤال الأصعب هو: ماذا حدث بعد ذلك؟
هل انخفض الوقت اللازم للحصول على الخدمة؟.
هل انخفضت تكلفة تقديمها؟.
هل اختفت خطوات وإجراءات كانت بلا قيمة حقيقية؟.
هل أصبحت البيانات تنتقل بين الجهات بدلًا من مطالبة المواطن أو الشركة بتقديم المستند نفسه أكثر من مرة؟.
هل أصبحت القرارات أسرع وأكثر دقة؟.
هل أصبحت الشركات الصغيرة قادرة على الوصول إلى التمويل والعملاء والأسواق بصورة أسهل؟
إذا كانت الإجابة نعم، فنحن أمام تحول رقمي حقيقي، أما إذا كانت التكنولوجيا مجرد واجهة جديدة لنفس الإجراءات القديمة، فنحن لم نحقق تحولًا رقميًا، وإنما قمنا فقط برقمنة البيروقراطية.
وهنا يجب أن نكون أكثر دقة في تعريف النجاح، المشكلة ليست في التكنولوجيا.. وإنما في طريقة استخدامها فا مصر لا تعاني من نقص في التكنولوجيا.
لدينا شركات اتصالات كبيرة، وبنية تحتية تتوسع، وكفاءات بشرية متميزة، وشركات ناشئة، وبنوك ومؤسسات مالية تستثمر بقوة في التكنولوجيا، وقطاع متنامٍ في التعهيد وخدمات تكنولوجيا المعلومات، لكن امتلاك التكنولوجيا لا يعني بالضرورة تحقيق أثر اقتصادي منها.
يمكن لمؤسسة أن تنفق ملايين الجنيهات على أنظمة جديدة، ثم تكتشف بعد ذلك أن الموظفين ما زالوا يستخدمون الملفات الورقية إلى جانب النظام الإلكتروني.
ويمكن لجهة حكومية أن تطلق عشرات الخدمات الرقمية، بينما تظل بعض الإجراءات الخلفية تتم بالطريقة نفسها التي كانت تتم بها قبل إطلاق الخدمة.
ويمكن لشركة أن تشتري نظامًا متقدمًا لإدارة عملياتها، لكن من دون إعادة تصميم العمليات نفسها.
وهنا تظهر واحدة من أهم قواعد التحول الرقمي:
لا يمكن استخدام التكنولوجيا لإصلاح عملية مصممة من الأساس بطريقة خاطئة، إذا كانت دورة العمل تحتاج إلى عشر موافقات، فإن تحويل الموافقات العشر إلى عشر شاشات إلكترونية لا يجعل العملية ذكية. لقد جعلناها إلكترونية فقط.
من رقمنة الخدمة إلى رقمنة العملية
المرحلة القادمة يجب أن تنتقل من سؤال:«هل الخدمة أصبحت إلكترونية؟» إلى سؤال أكثر أهمية: هل العملية نفسها أصبحت رقمية؟، وهناك فرق كبير بين الاثنين، الخدمة الرقمية قد تسمح للمواطن بتقديم طلب عبر الإنترنت.
أما العملية الرقمية الحقيقية فتبدأ قبل الطلب، عندما تتوافر البيانات اللازمة لدى الجهة، وتستطيع الأنظمة التحقق منها تلقائيًا، وتنتقل الموافقات إلكترونيًا، ويتم اتخاذ القرار وفق قواعد واضحة، ثم تصل النتيجة للمواطن من دون أن يضطر إلى إعادة تقديم المعلومات التي تمتلكها الدولة بالفعل.
هذا هو الفارق بين Digital Service و Digital Government.
والفارق نفسه موجود في الشركات.
التحول الحقيقي لا يعني فقط إطلاق تطبيق للعميل، وإنما إعادة تصميم رحلة العميل بالكامل، وربط المبيعات والائتمان والتشغيل وخدمة العملاء والبيانات والمخاطر في منظومة واحدة.
عندها تبدأ التكنولوجيا في صناعة قيمة حقيقية، البيانات هي الأصل الجديد وهناك أصل آخر لا يحصل على الاهتمام الكافي في النقاش العام: البيانات.
الاقتصاد الرقمي لا يقوم فقط على الإنترنت والأجهزة والتطبيقات، وإنما يقوم على القدرة على جمع البيانات وإدارتها وتحليلها واستخدامها لاتخاذ قرارات أفضل.
البيانات الموجودة داخل المؤسسات الحكومية والشركات والبنوك والمستشفيات والمصانع والنقل تمثل ثروة اقتصادية حقيقية إذا أمكن استخدامها بطريقة آمنة ومنظمة.
لكن المشكلة أن كثيرًا من المؤسسات لا تزال تتعامل مع البيانات باعتبارها ملفات تخص كل إدارة على حدة، وليس باعتبارها أصلًا مؤسسيًا يمكن أن يخدم المؤسسة كلها.
قد تمتلك المؤسسة عشرات الأنظمة، لكن كل نظام يعمل بمعزل عن الآخر، وقد تمتلك البيانات، لكن لا تستطيع الوصول إليها في الوقت المناسب، وقد تمتلك البيانات، لكن لا توجد حوكمة واضحة تحدد من يملكها ومن يستخدمها وكيف يتم استخدامها، وهنا لا تكون المشكلة في غياب البيانات، وإنما في غياب Data Governance.
والدولة التي تريد بناء اقتصاد رقمي تنافسي تحتاج إلى النظر إلى البيانات باعتبارها جزءًا من بنيتها الاقتصادية، مثل الطرق والموانئ وشبكات الكهرباء والاتصالات.
الذكاء الاصطناعي لن يحل مشكلة غياب الأساس فاليوم أصبح الذكاء الاصطناعي في مقدمة الحديث عن مستقبل التكنولوجيا وهذا طبيعي، لكن هناك خطر أن ننتقل من مبالغة إلى أخرى: من الاعتقاد بأن مجرد إطلاق تطبيق يعني تحولًا رقميًا، إلى الاعتقاد بأن إضافة الذكاء الاصطناعي إلى أي خدمة تعني أننا أصبحنا دولة رقمية متقدمة.
الذكاء الاصطناعي لا يستطيع أن يعوض غياب البيانات الجيدة، ولا يستطيع أن يعوض العمليات المعقدة بلا داعٍ. ولا يستطيع أن يحل محل الحوكمة، ولا يمكنه أن يصنع قيمة حقيقية إذا كانت المؤسسة نفسها لا تعرف ما المشكلة التي تريد حلها.
قبل أن نسأل: «أين نستخدم الذكاء الاصطناعي؟» يجب أن نسأل: أين توجد أكبر تكلفة؟ وأين يوجد أكبر هدر في الوقت؟ وأين تتكرر القرارات؟ وأين توجد بيانات يمكن استخدامها لاتخاذ قرار أفضل؟، عندها يصبح الذكاء الاصطناعي أداة اقتصادية، وليس مجرد عنوان جذاب.
الاتصالات ليست خدمة فقط.. إنها بنية تحتية للاقتصاد
هناك نقطة أخرى يجب تغيير طريقة النظر إليها وهي أن قطاع الاتصالات لم يعد مجرد قطاع يقدم مكالمات وإنترنت للمواطنين.
الاتصالات أصبحت البنية التحتية التي يعمل فوقها الاقتصاد كله، البنوك، والمدفوعات، والتجارة الإلكترونية، والنقل، والصحة، والتعليم، والخدمات الحكومية، والتصنيع، ومراكز البيانات، والعمل عن بعد، والتعهيد، والذكاء الاصطناعي؛ كلها تعتمد بدرجات مختلفة على جودة الاتصال واستقراره وتكلفته.
ولهذا فإن جودة الإنترنت ليست قضية رفاهية، وأسعار خدمات الاتصالات ليست مجرد فاتورة شهرية للمستهلك، ومراكز البيانات ليست مجرد مبانٍ مليئة بالخوادم، كل ذلك أصبح جزءًا من القدرة التنافسية للدولة.
إذا كانت شركة عالمية تفاضل بين دولتين لإنشاء مركز خدمة أو مركز بيانات أو عمليات تعهيد، فإن جودة الاتصالات واستقرار الطاقة وتوافر الكفاءات وحماية البيانات وسهولة ممارسة الأعمال كلها تدخل في القرار.
ومن هنا يجب أن ننظر إلى قطاع الاتصالات باعتباره قطاعًا ممكّنًا لكل القطاعات الأخرى.
التنافسية تبدأ من تكلفة المعاملة
عندما نتحدث عن الاستثمار والتنافسية، نركز كثيرًا على سعر الأرض والطاقة والضرائب والتمويل، لكن هناك تكلفة أخرى لا تظهر دائمًا في القوائم المالية: تكلفة الوقت والتعقيد.
كم يومًا تحتاج الشركة للحصول على ترخيص؟
كم مستندًا تحتاج إلى تقديمه؟
كم مرة تضطر إلى إدخال البيانات نفسها؟
كم جهة تحتاج إلى مراجعة الطلب؟
كم ساعة عمل ينفقها الموظفون في متابعة إجراءات يمكن أن تتم آليًا؟
هذه كلها تكاليف اقتصادية حقيقية، ولهذا فإن أفضل استثمار في التحول الرقمي ليس بالضرورة النظام الذي يحتوي على أكبر عدد من الخصائص، وإنما النظام الذي يستطيع أن يلغي أكبر قدر من الوقت والتعقيد والتكرار.
إذا وفرنا على آلاف الشركات ساعات عمل كل يوم، فقد خلقنا قيمة اقتصادية أكبر بكثير من مجرد إطلاق تطبيق جديد.
الشمول المالي يبدأ من البنية الرقمية.. لكنه لا ينتهي عندها
الأمر نفسه ينطبق على الشمول المالي، التكنولوجيا فتحت الباب أمام وصول شرائح أكبر من المواطنين إلى الخدمات المالية والمدفوعات الإلكترونية، لكن امتلاك محفظة أو حساب رقمي لا يعني بالضرورة تحقيق الشمول المالي الكامل.
الشمول الحقيقي يعني أن يستطيع المواطن استخدام النظام المالي للحصول على الخدمة التي يحتاجها، وأن يحصل على الائتمان المناسب، ويدفع ويحصّل بسهولة، ويدخل في الاقتصاد الرسمي بصورة أبسط، وأن تستخدم المؤسسات البيانات المتاحة لتقديم منتجات أفضل وأكثر ملاءمة.
وهنا يتقاطع التحول الرقمي مع الإصلاح الاقتصادي نفسه، فكلما انخفضت تكلفة التعامل، وتحسنت قدرة المؤسسات على تقييم المخاطر، وزادت سرعة المدفوعات، وتحسنت جودة البيانات، أصبح الاقتصاد أكثر قدرة على النمو.
نحتاج إلى قياس الأثر.. وليس فقط حجم النشاط فا ربما نحتاج الآن إلى تغيير مجموعة المؤشرات التي نستخدمها للحكم على نجاح التحول الرقمي.
من المهم أن نعرف عدد الخدمات الرقمية، لكن الأهم أن نعرف:
كم ساعة تم توفيرها على المواطنين؟
كم تكلفة تم تخفيضها على الشركات؟
كم إجراء تم إلغاؤه؟
كم عدد المعاملات التي أصبحت تتم دون تدخل بشري؟
كم نسبة البيانات التي يتم تبادلها بين الجهات بدلًا من طلبها من المواطن؟
كم ارتفعت إنتاجية الموظف؟
كم انخفضت تكلفة تقديم الخدمة؟
كم استثمارًا جديدًا أصبح ممكنًا بسبب البنية الرقمية؟
وكم وظيفة عالية القيمة تم خلقها في قطاع التكنولوجيا والتعهيد والخدمات الرقمية؟
هذه هي المؤشرات التي تحول الحديث عن الرقمنة من حديث تكنولوجي إلى حديث اقتصادي.
الدولة مطالبة بأن تكون أول نموذج للتحول
كما أن الدولة لا يمكنها أن تطلب من القطاع الخاص التحول رقميًا بينما تظل بعض إجراءاتها معقدة، لا يمكن أن تطلب من المواطن استخدام الخدمات الرقمية إذا لم تكن التجربة الرقمية أفضل فعلًا من التجربة التقليدية.
المواطن لن يستخدم التطبيق لأنه «رقمي»، سيستخدمه إذا كان أسرع وأسهل وأوضح، والشركة لن تستثمر في التحول الرقمي لأنه «اتجاه عالمي»، ستستثمر عندما ترى عائدًا واضحًا على الاستثمار.
وهنا يجب أن تكون الدولة نموذجًا في إعادة تصميم العمليات، وتكامل البيانات، واستخدام الذكاء الاصطناعي، وقياس الإنتاجية، وتبسيط الإجراءات.
التحول الرقمي لا ينجح عندما تكون التكنولوجيا مسؤولية إدارة الـ IT وحدها، إنه قرار إداري واقتصادي في المقام الأول، القطاع الخاص أيضًا أمام مسؤولية مختلفة ولا يمكن تحميل الدولة وحدها مسؤولية التحول الرقمي.
القطاع الخاص يحتاج إلى الانتقال من شراء التكنولوجيا إلى إدارة التكنولوجيا كاستثمار، ليس السؤال: «كم أنفقنا على الـ Digital Transformation؟» بل:
ماذا حصلنا مقابل ما أنفقناه؟
هل انخفضت تكلفة التشغيل؟
هل ارتفعت الإيرادات؟
هل تحسنت تجربة العميل؟
هل انخفضت المخاطر؟
هل أصبحت القرارات أسرع؟
هل زادت إنتاجية الموظفين؟
هل أصبح من الممكن تقديم منتج لم يكن ممكنًا تقديمه من قبل؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تحكم الاستثمار في التكنولوجيا.
لا نحتاج إلى مزيد من التطبيقات بقدر ما نحتاج إلى مزيد من التكامل
ربما تكون هذه هي النقطة الأهم، التحدي القادم ليس أن يكون لدينا تطبيق لكل خدمة، التحدي أن تعمل الخدمات والبيانات والأنظمة معًا.
المواطن لا يهتم بأي جهة حكومية تمتلك قاعدة البيانات، والشركة لا يهمها أي إدارة داخل المؤسسة تمتلك النظام.
هو يريد تجربة واحدة بسيطة، ومن هنا يصبح التكامل أهم من عدد الأنظمة، وتصبح قابلية التشغيل البيني أهم من امتلاك كل جهة نظامًا مستقلًا، وتصبح جودة البيانات أهم من حجمها.
الاقتصاد الرقمي الحقيقي هو الاقتصاد الذي تتحرك فيه البيانات بكفاءة وأمان، وليس الاقتصاد الذي تتكاثر فيه التطبيقات.
نحتاج إلى رسالة جديدة عن التحول الرقمي
نحتاج إلى أن يتغير الخطاب من لدينا خدمات رقمية أكثر إلى:
لدينا اقتصاد يعمل بكفاءة أكبر بسبب التكنولوجيا.
ومن:
لدينا تطبيق جديد
إلى:
ألغينا إجراءً كان يستغرق أيامًا
ومن:
استثمرنا في نظام جديد
إلى:
خفضنا تكلفة التشغيل ورفعنا الإنتاجية.
عندما نتحدث عن الاستثمار والتنافسية، نركز كثيرًا على سعر الأرض والطاقة والضرائب والتمويل.
لكن هناك تكلفة أخرى لا تظهر دائمًا في القوائم المالية:
تكلفة الوقت والتعقيد.
كم يومًا تحتاج الشركة للحصول على ترخيص؟
كم مستندًا تحتاج إلى تقديمه؟
كم مرة تضطر إلى إدخال البيانات نفسها؟
كم جهة تحتاج إلى مراجعة الطلب؟
كم ساعة عمل ينفقها الموظفون في متابعة إجراءات يمكن أن تتم آليًا؟
هذه كلها تكاليف اقتصادية حقيقية.
ولهذا فإن أفضل استثمار في التحول الرقمي ليس بالضرورة النظام الذي يحتوي على أكبر عدد من الخصائص، وإنما النظام الذي يستطيع أن يلغي أكبر قدر من الوقت والتعقيد والتكرار.
إذا وفرنا على آلاف الشركات ساعات عمل كل يوم، فقد خلقنا قيمة اقتصادية أكبر بكثير من مجرد إطلاق تطبيق جديد.
الشمول المالي يبدأ من البنية الرقمية.. لكنه لا ينتهي عندها
الأمر نفسه ينطبق على الشمول المالي، التكنولوجيا فتحت الباب أمام وصول شرائح أكبر من المواطنين إلى الخدمات المالية والمدفوعات الإلكترونية، لكن امتلاك محفظة أو حساب رقمي لا يعني بالضرورة تحقيق الشمول المالي الكامل.
الشمول الحقيقي يعني أن يستطيع المواطن استخدام النظام المالي للحصول على الخدمة التي يحتاجها، وأن يحصل على الائتمان المناسب، ويدفع ويحصّل بسهولة، ويدخل في الاقتصاد الرسمي بصورة أبسط، وأن تستخدم المؤسسات البيانات المتاحة لتقديم منتجات أفضل وأكثر ملاءمة.
وهنا يتقاطع التحول الرقمي مع الإصلاح الاقتصادي نفسه.
فكلما انخفضت تكلفة التعامل، وتحسنت قدرة المؤسسات على تقييم المخاطر، وزادت سرعة المدفوعات، وتحسنت جودة البيانات، أصبح الاقتصاد أكثر قدرة على النمو.
نحتاج إلى قياس الأثر.. وليس فقط حجم النشاط
ربما نحتاج الآن إلى تغيير مجموعة المؤشرات التي نستخدمها للحكم على نجاح التحول الرقمي.
من المهم أن نعرف عدد الخدمات الرقمية.
لكن الأهم أن نعرف:
كم ساعة تم توفيرها على المواطنين؟
كم تكلفة تم تخفيضها على الشركات؟
كم إجراء تم إلغاؤه؟
كم عدد المعاملات التي أصبحت تتم دون تدخل بشري؟
كم نسبة البيانات التي يتم تبادلها بين الجهات بدلًا من طلبها من المواطن؟
كم ارتفعت إنتاجية الموظف؟
كم انخفضت تكلفة تقديم الخدمة؟
كم استثمارًا جديدًا أصبح ممكنًا بسبب البنية الرقمية؟
وكم وظيفة عالية القيمة تم خلقها في قطاع التكنولوجيا والتعهيد والخدمات الرقمية؟
هذه هي المؤشرات التي تحول الحديث عن الرقمنة من حديث تكنولوجي إلى حديث اقتصادي.
الدولة مطالبة بأن تكون أول نموذج للتحول، كما أن الدولة لا يمكنها أن تطلب من القطاع الخاص التحول رقميًا بينما تظل بعض إجراءاتها معقدة، لا يمكن أن تطلب من المواطن استخدام الخدمات الرقمية إذا لم تكن التجربة الرقمية أفضل فعلًا من التجربة التقليدية.
المواطن لن يستخدم التطبيق لأنه «رقمي»، سيستخدمه إذا كان أسرع وأسهل وأوضح، والشركة لن تستثمر في التحول الرقمي لأنه «اتجاه عالمي»، ستستثمر عندما ترى عائدًا واضحًا على الاستثمار.
وهنا يجب أن تكون الدولة نموذجًا في إعادة تصميم العمليات، وتكامل البيانات، واستخدام الذكاء الاصطناعي، وقياس الإنتاجية، وتبسيط الإجراءات.
التحول الرقمي لا ينجح عندما تكون التكنولوجيا مسؤولية إدارة الـ IT وحدها، إنه قرار إداري واقتصادي في المقام الأول، القطاع الخاص أيضًا أمام مسؤولية مختلفة ولا يمكن تحميل الدولة وحدها مسؤولية التحول الرقمي.
القطاع الخاص يحتاج إلى الانتقال من شراء التكنولوجيا إلى إدارة التكنولوجيا كاستثمار، ليس السؤال: «كم أنفقنا على الـ Digital Transformation؟» بل:
ماذا حصلنا مقابل ما أنفقناه؟
هل انخفضت تكلفة التشغيل؟
هل ارتفعت الإيرادات؟
هل تحسنت تجربة العميل؟
هل انخفضت المخاطر؟
هل أصبحت القرارات أسرع؟
هل زادت إنتاجية الموظفين؟
هل أصبح من الممكن تقديم منتج لم يكن ممكنًا تقديمه من قبل؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تحكم الاستثمار في التكنولوجيا.
لا نحتاج إلى مزيد من التطبيقات بقدر ما نحتاج إلى مزيد من التكامل
ربما تكون هذه هي النقطة الأهم.
التحدي القادم ليس أن يكون لدينا تطبيق لكل خدمة، التحدي أن تعمل الخدمات والبيانات والأنظمة معًا، المواطن لا يهتم بأي جهة حكومية تمتلك قاعدة البيانات، والشركة لا يهمها أي إدارة داخل المؤسسة تمتلك النظام، هو يريد تجربة واحدة بسيطة.
ومن هنا يصبح التكامل أهم من عدد الأنظمة، وتصبح قابلية التشغيل البيني أهم من امتلاك كل جهة نظامًا مستقلًا، وتصبح جودة البيانات أهم من حجمها.
الاقتصاد الرقمي الحقيقي هو الاقتصاد الذي تتحرك فيه البيانات بكفاءة وأمان، وليس الاقتصاد الذي تتكاثر فيه التطبيقات.
نحتاج إلى رسالة جديدة عن التحول الرقمي، نحتاج إلى أن يتغير الخطاب من: «لدينا خدمات رقمية أكثر»، إلى:«لدينا اقتصاد يعمل بكفاءة أكبر بسبب التكنولوجيا».
ومن:«لدينا تطبيق جديد» إلى: «ألغينا إجراءً كان يستغرق أيامًا»، ومن: «استثمرنا في نظام جديد» إلى: «خفضنا تكلفة التشغيل ورفعنا الإنتاجية». ومن: «استخدمنا الذكاء الاصطناعي» إلى: «اتخذنا قرارًا أفضل وأسرع لأننا استخدمنا البيانات والذكاء الاصطناعي بصورة صحيحة».
هذه ليست مجرد اختلافات في المصطلحات، إنها اختلافات في طريقة إدارة الدولة والاقتصاد للتحول الرقمي.
وفي النهاية، لا تقاس قوة الدولة الرقمية بعدد التطبيقات التي أطلقتها، ولا بعدد الأنظمة التي اشترتها، ولا حتى بحجم الاستثمارات التكنولوجية وحده.
تقاس بقدرتها على استخدام التكنولوجيا لتقليل تكلفة الاقتصاد، وتسريع دورة الأعمال، ورفع إنتاجية العامل، وتحسين جودة القرار، وتوسيع الوصول إلى الخدمات، وخلق فرص استثمار وعمل جديدة، التحول الرقمي الحقيقي لا يعني أن يصبح كل شيء إلكترونيًا.
يُعني أن يصبح الاقتصاد نفسه أكثر ذكاءً، وأسرع، وأقل تكلفة، وأكثر قدرة على المنافسة، وهنا تحديدًا يجب أن تنتقل مصر من مرحلة رقمنة الخدمات إلى مرحلة رقمنة الاقتصاد، لأن الهدف النهائي ليس أن يعيش المواطن في دولة تستخدم تكنولوجيا أكثر، الهدف أن يعيش في دولة تعمل بشكل أفضل بسبب التكنولوجيا.


