تحديث الرئيسيةشريط الأخبارملفات

“الفورمة بأي ثمن”.. تجارة “حقن الريتاتروتيد” تُحول الجيمات إلى صيدليات خفية

تحت شعار “الفورمة بأي ثمن”، وفي عصر أصبحت فيه قيمة الشاب تُقاس -وفقًا لقناعة البعض- بحجم عضلة أو صورة على منصات التواصل الاجتماعي، تراجع مفهوم ممارسة الرياضة من أجل الصحة ليحل محله لدى البعض مفهوم “الرياضة من أجل الاستعراض”.

هذا التحول الفكري، المصحوب بتغيرات في أنماط السلوك الصحي، دفع بعض الشباب نحو أسرع طريق ممكن للوصول إلى الجسد المثالي، وإن كان الثمن استخدام مواد مجهولة المصدر أو تناول منتجات لا يُعرف مصدر إنتاجها أو مدى مطابقتها للمواصفات، متناسين أن الجسم الذي يُبنى بطرق غير آمنة يدفع صاحبه لاحقًا ثمنًا غاليًا من صحته.

وتنتشر المنتجات والمكملات مجهولة المصدر داخل بعض صالات الألعاب الرياضية “الجيم”، فيما تظهر من وقت لآخر مواد جديدة يُروج لها بين الشباب الباحثين عن “الفورمة” وخفض الوزن سريعًا، وكان أحدث ما ظهر في هذا السياق تداول مادة “الريتاتروتيد”.

“الريتاتروتيد” خارج الإشراف الطبي

تجاوز حجم الإنفاق السنوي على المكملات الغذائية في مصر 50 مليار جنيه خلال عام 2024، بزيادة تقارب 30% عن العام السابق.

وفي السياق ذاته، حذر الدكتور أسامة طه، أستاذ واستشاري جراحات السمنة المفرطة بالمنظار والتجميل، من استخدام مادة “الريتاتروتيد” المتداولة حاليًا في السوق، موضحًا أن المادة لا تزال قيد الدراسة والتطوير، ولم تستكمل حتى الآن مراحل الاختبارات والموافقات التنظيمية اللازمة، وبالتالي لا يمكن التعامل معها باعتبارها دواءً معتمدًا للاستخدام العام.

وأكد “طه”، أن براءة اختراع الريتاتروتيد تعود إلى شركة لا تزال تعمل على استكمال مراحل اختبار وتطوير المادة، لافتًا إلى أن الانتهاء من هذه المراحل كان متوقعًا خلال الربع الأخير من عام 2026 أو الربع الأول من عام 2027.

صالات الجيم في مصر “بلا حصر”

رغم أن مادة الريتاتروتيد لا تزال قيد الاختبار حتى كتابة هذه السطور، فإن منتجات تحمل اسمها بدأت في الظهور والتداول في الأسواق، وفقًا لأستاذ جراحات السمنة، مشيرًا إلى أن تداولها يتم بين بعض الشباب داخل صالات الألعاب الرياضية، وليس من خلال القنوات الدوائية الرسمية.

ولا توجد إحصائية رسمية عن إجمالي عدد صالات الجيم في مصر، إلا أن بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2024 ترصد 601 صالة جيم ولياقة بدنية داخل الأندية الرياضية التابعة للقطاع الخاص، بخلاف صالات الجيم المستقلة ومرافق الجيم في الأندية ومراكز الشباب والجهات الأخرى.

وأفاد “طه” بأن بعض المدربين يقومون ببيع هذه المنتجات لرواد الجيم بهدف مساعدتهم على خفض الوزن، محذرًا من خطورة الحصول على مثل هذه المواد من مصادر غير رسمية، خاصة في ظل غياب الضمانات المتعلقة بتركيب المنتج وتركيزه وطريقة تداوله.

“الريتاتروتيد” مادة “مش مظبوطة”

شدد أستاذ جراحات السمنة على أن التحاليل التي أُجريت على بعض المنتجات المتداولة والمتضمنة لمادة” الريتاتروتيد كشفت أن محتوياتها “مش مظبوطة”، على حد قوله، وهو ما يثير مخاوف بشأن مدى مطابقة هذه المنتجات لما هو مكتوب على العبوة.

ونوه “طه” بأن استخدام وسائل إنقاص الوزن بطريقة خاطئة أو الحصول عليها دون إشراف طبي يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة، مؤكدًا أن استخدام أدوية إنقاص الوزن في حد ذاته ليس مرفوضًا، وإنما يجب أن يتم وفق تقييم طبي، موضحًا أن هذه الأدوية تمثل أحد الخيارات المتاحة إلى جانب التدخلات الجراحية، بهدف الوصول إلى نتائج أفضل للمرضى وفقًا لحالتهم الصحية.

بدوره، قال الدكتور أحمد الشاعر، استشاري العلاج الطبيعي والتغذية بجامعة القاهرة، إن الريتاتروتيد “Retatrutide”يمثل جيلًا جديدًا من الأدوية التي تستهدف إنقاص الوزن، موضحًا، أنه يعمل من خلال تنشيط ثلاثة مستقبلات هرمونية.

زيادة في معدل ضربات القلب

 أضاف الشاعر، في تصريحاته لـ”ليبرالي”، أن مادة الريتاتروتيد لا تزال قيد التطوير والدراسة، مؤكدًا أن استخدام أي دواء لإنقاص الوزن يجب أن يسبقه تقييم للحالة الصحية وتحت إشراف طبي متخصص، وليس بناءً على تجارب الآخرين أو رغبة الشخص في الوصول إلى وزن أقل خلال فترة قصيرة.

وكشف استشاري العلاج الطبيعي والتغذية عن بعض الآثار الجانبية المحتملة للريتاتروتيد، منوهًا بأن الأعراض الأكثر شيوعًا ترتبط بالجهاز الهضمي، ومنها الغثيان والإمساك والإسهال والشعور بالامتلاء والانتفاخ، فضلًا عن إمكانية حدوث زيادة في معدل ضربات القلب، وهو ما يفرض ضرورة المتابعة الطبية وعدم التعامل مع هذه المادة باعتبارها مكملًا غذائيًا أو منتجًا رياضيًا يمكن الحصول عليه واستخدامه دون رقابة.

وأكد الشاعر أن القضية لا تتعلق فقط بالرقم الذي يظهر على الميزان، وإنما بتركيب الجسم وما إذا كان فقدان الوزن يأتي على حساب الدهون أم الكتلة العضلية أيضًا، خاصة بالنسبة للرياضيين ولاعبي كمال الأجسام.

أي استخدام دوائي جديد.. بعد تقييم سريري شامل

وشدد استشاري العلاج الطبيعي والتغذية على أهمية الحصول على كمية كافية من البروتين إلى جانب ممارسة تمارين المقاومة خلال رحلة خفض الوزن، للحفاظ قدر الإمكان على الكتلة العضلية والأداء البدني، منوهًا بأن الاعتماد على الريتاتروتيد وحده، دون نظام غذائي وتدريبي مناسب، لا يمثل الطريق الصحيح للوصول إلى جسم صحي.

وأفاد الشاعر، بأن أي استخدام دوائي يجب أن يكون بعد تقييم سريري شامل وتحت إشراف طبيب مختص، وليس من خلال وصفات متداولة بين المتدربين أو المدربين، أو عبر مصادر غير رسمية ومجهولة المصدر.

وتتزامن التحذيرات الطبية مع مخاوف أخرى داخل صالات الألعاب الرياضية، يرصدها الكابتن أشرف محمد، صاحب أحد صالات الجيم بمنطقة المطرية، والذي قال إن بعض المتدربين أصبحوا يبحثون عن وسائل تساعدهم على خفض الوزن ونسبة الدهون بسرعة، خاصة خلال فترات التجهيز للمسابقات أو فترة الصيف، فيما يُعرف بمرحلة “التنشيف”.

سباق “التنشيف” السريع

أضاف الكابتن أشرف، في حديثه لـ”ليبرالي”، أن مادة الريتاتروتيد بدأت تظهر بين بعض رواد صالات الجيم باعتبارها وسيلة قوية لتقليل الشهية والمساعدة على فقدان الوزن، لافتًا إلى أن المشكلة لا تكمن في الرغبة في خفض نسبة الدهون، وإنما في استخدام مادة دوائية تجريبية خارج الإشراف الطبي وتحويلها إلى وسيلة للحصول على نتائج سريعة.

وشدد على أن دور المدرب يجب أن يقتصر على تنظيم التدريب والتغذية الرياضية، بينما يظل قرار استخدام أي دواء أو حقن لإنقاص الوزن من اختصاص الطبيب، مؤكدًا أن الوصول إلى وزن أقل في وقت قصير لا يستحق المخاطرة بالصحة أو فقدان الكتلة العضلية.

وأشار الكابتن أشرف إلى أن مشكلة الاستخدام العشوائي لا تقتصر على المواد الحديثة المستخدمة في إنقاص الوزن، وإنما تمتد أيضًا إلى الهرمونات والمنشطات التي يلجأ إليها بعض رواد صالات كمال الأجسام بهدف بناء العضلات بصورة أسرع.

المنشطات.. الطريق الأسرع للفورمة

وأفاد بأن الرغبة في الوصول إلى أجسام ضخمة خلال فترة قصيرة تدفع بعض المتدربين إلى استخدام هذه المواد دون معرفة كافية بتأثيراتها، موضحًا أن الأمر لا يقتصر على اللاعبين المحترفين، بل يمتد في بعض الحالات إلى صغار السن، وهو ما يمثل خطورة أكبر بسبب عدم اكتمال نمو الجسم.

وشدد الكابتن أشرف على أن التدريب المنتظم، والنظام الغذائي المناسب، والحصول على قسط كافٍ من الراحة، تمثل الأساس الحقيقي لبناء الجسم وتحسين تكوينه، محذرًا من الانسياق وراء أي مادة يتم الترويج لها باعتبارها حلًا سريعًا لتغيير شكل الجسم.

وأضاف، أن استخدام الهرمونات أو المنشطات بصورة عشوائية ودون فحوصات أو إشراف طبي قد يؤدي إلى اضطرابات هرمونية ومضاعفات صحية، مؤكدًا أن تحقيق نتيجة شكلية سريعة لا ينبغي أن يكون على حساب صحة المتدرب وسلامته.

وحذر الكابتن أشرف من شراء الحقن التي يتم تداولها عبر الإنترنت أو داخل دوائر غير رسمية، مؤكدًا أن المتدرب قد لا يعرف مصدر المادة أو تركيزها أو مكوناتها الحقيقية، منوهًا بأن التعامل مع منتجات غير معتمدة يزيد من المخاطر، خاصة مع عدم ضمان الجرعة أو درجة النقاء أو مطابقة المنتج لما هو معلن عنه، داعيًا المتدربين إلى عدم استخدام أي مادة دوائية لإنقاص الوزن دون الرجوع إلى طبيب متخصص.

زر الذهاب إلى الأعلى