نزيف الـ 5 مليارات.. كيف تحول حلم “بنبان” إلى ثقب أسود في موازنة الكهرباء؟
عندما أُطلق برنامج تعريفة التغذية لمجمع “بنبان” في أسوان، كان المشهد يُرسم كقصة نجاح للطاقة النظيفة في مصر، باستثمارات بلغت 2 مليار دولار وقدرة إجمالية تُقدر بـ 1465 ميجاوات.
لكن خلف هذه الأرقام الواعدة، بدأت تطفو على السطح معادلة مالية صعبة تُكبد قطاع الكهرباء نزيفًا بـ 450 مليون جنيه شهريًا، وأكثر من 5 مليارات جنيه سنويًا.
وبين عقود ممتدة لـ 25 سنة تُدفع قيمتها بالدولار، وتقلبات حادة في سعر الصرف، وتطور مذهل هبط بتكلفة الطاقة الشمسية عالميًا من 14.3 سنت إلى سنتين فقط، يجد القطاع نفسه أمام معضلة شراء الكيلووات بسعر يصل لـ 6 جنيهات وبيعه بـ 1.9 جنيه.

استثمارات بـ 2 مليار دولار
وعن حجم الخسائر المتفاقمة سنويًا، يقول الدكتور محمد سليم، رئيس قطاع المراقبة المركزية للأداء بالشركة القابضة لكهرباء مصر سابقًا، إن تعريفة شراء الطاقة المنتجة من مشروع بنبان للطاقة الشمسية تختلف بين المرحلتين، موضحًا أن المرحلة الأولى، التي شملت 100 ميجاوات من خلال شركتين بقدرة 50 ميجاوات لكل شركة، حُددت تعريفتها عند 14.3 سنت، بينما بلغت تعريفة المرحلة الثانية 8.5 سنت، والتي تشمل بقية القدرات البالغة 1465 ميجاوات اسميًا.
ويضم مجمع الطاقة الشمسية في منطقة “بنبان” في أسوان 32 محطة لإنتاج الكهرباء ضمن برنامج تعريفة التغذية بقدرات إجمالية تصل إلى 1465 ميجاوات واستثمارات إجمالية تصل لـ 2 مليار دولار.
وأوضح سليم، أن هذه التعريفات ثابتة بالدولار، إلا أن آلية المحاسبة تختلف بين المرحلتين، مشيرًا إلى أن المرحلة الأولى يتم احتساب 15% من قيمة الطاقة بالجنيه، بينما يتم احتساب 85% بالدولار وقت إصدار الفاتورة، في حين أن المرحلة الثانية يتم احتساب 30% بالجنيه المصري و70% بالدولار.

سداد الـ70% بالدولار وفقًا لسعر الصرف وقت التحصيل
وأشار رئيس قطاع المراقبة المركزية إلى أن الجزء الذي يتم احتسابه بالجنيه المصري في المرحلة الثانية يعتمد على سعر الدولار وقت التعاقد، والذي كان يبلغ حينها نحو 8.80 جنيه للدولار، بينما يتم احتساب نسبة الـ70% بالدولار وفق سعر الصرف وقت إصدار الفاتورة أو التحصيل.
وأكد سليم، أن احتساب قيمة الطاقة المنتجة من القدرات الشمسية لا يتم بمجرد النظر إلى القدرات الاسمية، وإنما وفق حجم الإنتاج الفعلي، موضحًا أن القدرة البالغة 1465 ميجاوات يتم ضربها في 4.8 ساعة يوميًا في عدد أيام السنة 360 ، لتتحول في الأخير إلى عدد ميجاوات ساعة، ثم تُحسب قيمة الطاقة وفق التعريفة المحددة.
وأوضح رئيس قطاع المراقبة المركزية، أن تحديد حجم الخسارة يعتمد على ضرب كمية الطاقة المنتجة في قيمة الشراء، ثم مقارنة ذلك بالقيمة التي تُباع بها لشركات التوزيع، مشيرًا إلى أن الفارق بين القيمتين يمثل الخسارة.

شركة النقل تشتري الكهرباء بـ 6 جنيه وتبيعها بـ 1.9
وكشف سليم، عن أن شركة نقل الكهرباء تشتري الكهرباء من محطات مجمع بنبان وفقًا لتعاقد المرحلة الأولى بـ 3.8 جنيه للكيلو وات ساعة، بينما تشتري الكيلو وات ساعة من محطات المرحلة الثانية بـ 6 جنيه، وتكمن المفاجأة في بيع شركة نقل الكهرباء بعد شرائها الكهرباء من الطاقة الشمسية من محطات مجمع بنبان بـ 1.9 جنيه على جهد الكهرباء الفائق لشركات التوزيع المسئولة عن توصيل الكهرباء للمنازل، لتكون إجمالي الخسارة فيما بين الشراء والبيع تتعدى الـ 450 مليون جنيه شهريًا، وأكثر من 5 مليار جنيه سنويًا.
وأشار سليم إلى أن هذه التعريفة تظل سارية لمدة 25 عامًا، معتبرًا أن امتدادها لهذه الفترة الطويلة يمثل تكلفة طويلة الأجل لا تتناسب مع التطورات التي يشهدها سوق الطاقة.
وأفاد رئيس قطاع المراقبة المركزية، بأن الفارق بين المرحلة الأولى والمرحلة الثانية من المشروع لا يتجاوز عامين، معتبرًا أن ما حدث يعكس أن الجهات المعنية أدركت لاحقًا وجود خطأ في تسعير المرحلة الأولى، وهو ما ظهر في انخفاض التعريفة المحددة للمرحلة الثانية.

إطلاق برنامج التعريفة في 2014
أطلقت الحكومة برنامج تعريفة تغذية الطاقة المتجددة عام 2014، وتمكنت شركتان فقط من تنفيذ المشروعات في المرحلة الأولى بقدرة 100 ميجاوات، وتبيع القدرات المنتجة بنحو 14.3 سنت دولار لكل كيلووات.
وبدأت المرحلة الثانية من تعريفة التغذية في عام 2016، وتم تنفيذ 32 مشروعاً، وتشتري الشركة المصرية لنقل الكهرباء الكيلووات ساعة من هذه المحطات بنحو 8.4 سنت دولار.
وتابع سليم، بأن مصر أصبحت أمام وضع مختلف في أسعار الطاقة الشمسية حاليًا، موضحًا أن الأسعار تدور في بعض الحالات حول سنتين و2.4 سنت، لافتًا إلى وجود محطات في مصر حاليًا يبيع فيها المستثمر الأجنبي الطاقة الكهربائية لشركة النقل بسعر يصل إلى 2.4 سنت.

تغيرات سعر الصرف أضافت أعباء مالية كبيرة على الكهرباء
شدد رئيس قطاع المراقبة المركزية على أن هذا يعني أن المستثمر الأجنبي يستطيع حاليًا إنشاء محطة لإنتاج الطاقة الشمسية وبيع الكهرباء المنتجة منها بسعر 2.4 سنت، وهو ما يعكس التطور الكبير الذي شهدته تكلفة إنتاج الطاقة الشمسية مقارنة بالأسعار التي كانت محددة في المراحل الأولى من مشروع بنبان.
ولفت سليم إلى أن التقلبات الاقتصادية العالمية، وخاصة التغيرات في سعر الصرف، أضافت أعباء مالية كبيرة على قطاع الكهرباء، نتيجة زيادة الفجوة بين تكلفة شراء الكهرباء وعائدات بيعها، وهو ما يمثل تحديًا أمام تحقيق التوازن المالي لمرفق الكهرباء.
وأوضح، أن الاستفادة الكاملة من مشروع بحجم بنبان تتطلب اتخاذ خطوات تصحيحية مدروسة، من بينها مراجعة العقود مع المستثمرين، بما يساعد على تخفيف الأعباء المالية عن قطاع الكهرباء وضمان الاستدامة المالية للمشروع وخدمة الاقتصاد المصري.

العقود طويلة الأجل أكثر تعرضًا لتقلبات الأسواق العالمية
وأشار إلى أن عقود شراء الكهرباء من مشروع بنبان موقعة بالدولار، ومع تراجع قيمة الجنيه المصري أمام العملة الأمريكية ترتفع تكلفة شراء الكهرباء بشكل كبير على وزارة الكهرباء، في الوقت الذي تحصل فيه الوزارة على إيراداتها بالجنيه المصري، وهو ما يؤدي إلى زيادة الأعباء المالية والديون ويضع ضغوطًا إضافية على موازنة الدولة، ويدفع الوزارة إلى رفع أسعار الكهرباء على المشتركين.
واقترح الدكتور محمد سليم عددًا من الحلول لتخفيف الأعباء المالية الناتجة عن المشروع، في مقدمتها إعادة التفاوض مع المستثمرين للوصول إلى حل مناسب وعادل يضمن حقوق المستثمرين وفي الوقت نفسه يقلل العبء المالي على مرفق الكهرباء.
وأكد أن التعريفة المرتفعة المرتبطة بمشروع بنبان، إلى جانب امتدادها لفترة طويلة، تمثل عبئًا على وزارة الكهرباء والاقتصاد الوطني، خاصة مع تذبذب سعر الصرف، محذرًا من أن العقود طويلة الأجل الممتدة حتى عام 2042 والمقومة بعملة أجنبية تجعل الاقتصاد المصري أكثر تعرضًا لتقلبات الأسواق العالمية، إذ إن كل زيادة في سعر الدولار تعني أعباء إضافية على الدولة.

ونوه بأن مشروع بنبان، الذي كان يمثل حلمًا لإنتاج الطاقة النظيفة، تحول إلى درس مهم في ضرورة التخطيط الاقتصادي السليم، مؤكدًا أنه في حال عدم وضع حلول عاجلة، سيظل المشروع مثيرا للجدل مع مرور السنوات، خاصة في ظل الأعباء الاقتصادية المرتبطة به.
وختامًا حاولت”ليبرالي” التواصل على مدار الأسبوع الماضي مع وزارة الكهرباء ممثلة في الشركة المصرية لنقل الكهرباء للحصول على رد رسمي لما طرحه الدكتور محمد سليم، وفقًا لأرقام وإحصائيات، إلا أننا لم نتقلى رد حتى كتابة هذه السطور.






