319 مليون جنيه دون علم أصحابها.. واقعة تعيد سؤال الانضباط إلى التمويل غير المصرفي
هشام عز العرب حذر مبكرًا.. ونواب العدل نقلوا الملف إلى البرلمان.. والرقابة المالية تحدثت عن إجراءات أكثر صرامة.. ثم جاءت واقعة التمويلات التعليمية لتعيد فتح الملف

عاد ملف الانضباط في سوق التمويل غير المصرفي إلى صدارة المشهد من جديد، بعد الكشف عن واقعة تمويلات تعليمية بلغت قيمتها 319 مليون جنيه، وسُجلت بأسماء 619 ولي أمر دون علمهم، بحسب ما أعلن إسلام عزام، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، تفاصيلها خلال مداخلة مع الإعلامية لميس الحديدي في برنامج “الصورة” المذاع على قناة النهار.
الواقعة تأتي بعد أشهر من تحذيرات ومطالبات برلمانية بضرورة تعزيز الرقابة على أنشطة التمويل وحماية العملاء، لتطرح من جديد أسئلة حول آليات منح التمويل، وكيفية التحقق من موافقة العميل، ومدى كفاية الإجراءات الرقابية القائمة لمنع تسجيل التزامات مالية باسم مواطنين دون علمهم.
والأهم أن الواقعة لم تأت من فراغ. فتحذير عز العرب أعقبه تحرك داخل مجلس النواب، عندما تقدم نواب حزب العدل علي خالد خليفة ومحمد فؤاد وحسام الخشت بطلبات إحاطة بشأن ممارسات في أنشطة التمويل غير المصرفي، وطالبوا بتشديد الرقابة وحماية العملاء.
ونوقش الملف بالفعل داخل اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب بحضور إسلام عزام، الذي تحدث عن إجراءات أكثر صرامة تستهدف ضبط السوق، لذلك، تعيد واقعة الـ319 مليون جنيه طرح سؤال لم يعد متعلقًا بالحاجة إلى الضبط، وإنما بما تم تنفيذه بالفعل من الإجراءات التي سبق الإعلان عنها.
كيف يصبح شخص مدينًا دون أن يعرف؟
جوهر الواقعة ليس قيمة التمويل وحدها، على ضخامتها، وإنما المسار الذي سمح بإنشاء الالتزام، فأي عملية تمويل يفترض أن تبدأ بعميل يعرف أنه يطلب التمويل، ويوافق على شروطه، ويتم التحقق من هويته وإرادته، قبل أن تنشأ المديونية باسمه.
وفي الواقعة الأخيرة، وصل الأمر إلى ظهور التزامات ائتمانية على أولياء أمور دون علمهم، بحسب ما تم الكشف عنه، وهنا تبرز أسئلة تتعلق بالعملية نفسها: من حصل على بيانات أولياء الأمور؟ وكيف استخدمت؟ ومن تحقق من هويتهم؟ وأين الموافقة الصريحة على التمويل؟ وما حدود الدور الذي لعبته المدرسة في استكمال الإجراءات نيابة عن شركة التمويل؟.
هذه ليست تفاصيل إجرائية هامشية، فإذا كان هناك مسار يسمح لطرف وسيط باستكمال إجراءات تنتهي بمديونية مسجلة على مواطن دون تحقق مباشر من موافقته، فإن المسألة تصبح مرتبطة بسلامة منظومة منح التمويل نفسها.
ويزداد الأمر أهمية لأن أثر المديونية لا يتوقف عند قيمة الأقساط، وإنما يمتد إلى السجل الائتماني للعميل لدى I-Score، وما يمكن أن يترتب عليه لاحقًا عند التعامل مع البنوك وشركات التمويل.

البرلمان فتح الملف قبل الواقعة
طلبات الإحاطة التي سبق أن تقدم بها علي خالد خليفة ومحمد فؤاد وحسام الخشت لم تكن مرتبطة بأزمة المدرسة الحالية، وإنما جاءت في إطار مطالب أوسع بضبط ممارسات القطاع المالي غير المصرفي.
وخلال مناقشة الملف أمام اللجنة الاقتصادية، كان أحد المحاور الرئيسية هو كيفية تحقيق التوازن بين النمو السريع للقطاع وحماية المتعاملين معه.
وتحدث رئيس هيئة الرقابة المالية وقتها عن إجراءات تستهدف زيادة الانضباط، في استجابة للمخاوف التي طرحها النواب. لكن الواقعة الأخيرة تضع فاعلية هذه الإجراءات أمام اختبار عملي. فالمعيار ليس فقط صدور قواعد جديدة، وإنما قدرتها على منع إنشاء التزام مالي باسم شخص لم يطلبه أو يوافق عليه.
حسام الخشت يعود إلى الملف
بعد الكشف عن الواقعة، عاد النائب حسام الخشت إلى الملف الذي سبق أن تحرك فيه برلمانيًا، وتقدم بسؤال جديد إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير المالية بشأن الرقابة على شركات التمويل الاستهلاكي وضوابط منح التمويل التعليمي.
وطلب الخشت الكشف عن الإجراءات التي اتخذتها الهيئة العامة للرقابة المالية لفحص الواقعة، ومدى سلامة المستندات والموافقات التي استندت إليها عمليات التمويل، وكذلك قانونية الحصول على بيانات أولياء الأمور واستخدامها.
كما طالب بمعرفة عدد عمليات التمويل التعليمي التي نفذتها الشركة محل الواقعة، وعدد الحالات التي تم إلغاؤها أو تصحيح بياناتها الائتمانية، وما إذا كانت الهيئة قد رصدت وقائع أخرى مماثلة في قطاع التمويل الاستهلاكي.
ويمتد السؤال البرلماني إلى ما سبق الإعلان عنه أمام اللجنة الاقتصادية، إذ طالب الخشت بتوضيح الإجراءات التي أشار إليها إسلام عزام لضبط القطاع المالي غير المصرفي، وما تم تنفيذه منها، والضوابط المزمع اتخاذها لضمان عدم تحميل أي مواطن التزامًا ائتمانيًا دون موافقة قانونية صريحة وقابلة للإثبات.
لماذا لم تمنع الرقابة الواقعة؟
تحرك هيئة الرقابة المالية لمعالجة أوضاع أولياء الأمور وتصحيح البيانات الائتمانية يمثل الجانب العاجل من القضية، لكنه يفتح في المقابل سؤالًا حول الرقابة السابقة على منح التمويل.
فإزالة المديونية تعالج النتيجة، بينما يبقى المطلوب تحديد الحلقة التي سمحت بإنشائها من الأساس. كما أن تحديد ما إذا كانت الواقعة حالة منفردة أم أن هناك حالات مشابهة يصبح ضروريًا، خاصة مع اتساع نشاط التمويل الاستهلاكي وتزايد الاعتماد على أطراف وسيطة في تسويق المنتجات والخدمات.
ومن هنا، ينتقل التحقيق من مسؤولية الشركة والمدرسة في الواقعة المحددة إلى سؤال أوسع عن كفاية قواعد التحقق من العملاء، واستخدام بياناتهم، وحدود تفويض الأطراف الثالثة في إجراءات التمويل.
“فؤاد” يعيد التذكير بتحذير عز العرب
وعقب مداخلة إسلام عزام، أعاد محمد فؤاد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، النقاش إلى التحذير المبكر الذي أطلقه هشام عز العرب.
وكتب فؤاد عبر حسابه على منصة “إكس”: “مداخلة يشيب لها الولدان! 319 مليون جنيه تقترضهم مدرسة نيابة عن أولياء أمور، بينما توكل الشركة للمدرسة استكمال الإجراءات ولا يعلم عنها أولياء الأمور شيئًا!”.
وأضاف: “تحدث هشام عز العرب عن ضرورة ضبط القطاع المالي غير المصرفي قبل عدة شهور. ربما نعي أن هذا الانضباط ما عاد يحتمل التأجيل”.
وتضع الواقعة الأخيرة هيئة الرقابة المالية أمام أسئلة تتجاوز حذف المديونيات وتصحيح سجلات المتضررين، إلى كيف مرت هذه العمليات من الأساس، وما الذي نُفذ من إجراءات الضبط التي سبق الإعلان عنها، وهل توجد حالات أخرى مماثلة؟
وهي الأسئلة التي أعاد حسام الخشت وضعها رسميًا أمام الحكومة، لتعود قضية انضباط القطاع المالي غير المصرفي إلى البرلمان مرة أخرى، ولكن هذه المرة بعد واقعة فعلية بقيمة 319 مليون جنيه.






