مقالات

عوامتين بطة

سعاد محمد

كاتبة ومحامية ومهتمة بالعمل السياسي والثقافي والقانوني..

استيقظنا ذات صباح في «جزيرة البط» على جروب فكاهي انتشر كالنار في الهشيم، ومع انتشاره انقسم الناس إلى قسمين: قسم افترض حُسن النية، وأنه مجرد صفحة فكاهية يهرب بها الإنسان من الواقع، وخاصة أن هناك من المشاهير والفنانين من انضم إليها، والآخر تبنّى نظرية المؤامرة، ورأى أن هناك أيادي خفية هدفها دَسّ السم في العسل.

ولكن، يا عزيزي، أيُّ عسل؟.

فنحن كل ساعة نستيقظ على حادثة قتل أو سرقة، أبشع من سابقتها. أرواح تُزهق بلا سبب، وتتوزع الأسباب بين إهمال، أو ضغوط اقتصادية، أو شرٍّ استفحل في قلوب الناس، فلم يعد للموت هيبة؛ فالمواطن يرى أن القاتل يعيش سنوات في محاكمات، حتى تأخذ العدالة مجراها.

وماذا عن أرواحٍ بريئة، كل إثمها في الحياة أنها جاءت إلى الدنيا؟.

تستيقظ، تفتح عينيها، تتنفس الصعداء: إنه يوم جديد من الشقاء، يوم جديد من المعاناة، يوم جديد يحترق فيه جسدها الضئيل تحت أشعة الشمس، بثياب بالية لا تحمي جسدها من حرارة الشمس، لتعود في آخر اليوم إلى أهلها ببعض الجنيهات التي لا تكفي لوجبة واحدة.

أو أطفالٌ غيرها يتاجر بهم ذويهم في إشارات المرور، تجارة أقسى من تجارة الرقيق، ولابد أن يعودوا بالأموال كاملة، وإلا نُكِّل بهم أشد تنكيل، وكأن تجارة الرقيق لم تنتهِ بعد، فالتاجر هنا هو الوالدان.

وإذا رفعنا رؤوسنا قليلًا، وجدنا أناسًا تلهث وراء لقمة العيش، تحاول أن تعيش وسط أوضاع اقتصادية طاحنة وأسعار متغيرة، كمن يحاول أن يعوم في المحيط بعوامتين بطّة!.

وفي ظل محاولاته المستميتة، يُفاجأ كل يوم بموجة عاتية تُبعده أكثر عن الوصول إلى الشاطئ؛ مرة بتعويم غير متوقع، وتارة بزيادة أسعار سلعة رئيسية، يترتب على زيادتها موجة ارتفاع في أسعار باقي المنتجات، بل ولو تعثرت سمكة في قاع محيط آخر، لتأثرت الأسعار لدينا بالزيادة أيضًا!.

وإن استمر في المقاومة ليصل بأولاده إلى بر الأمان، فوجئ بقرارات غير مفهومة وغير مبررة، وبزيادة مواد دراسية جديدة، في ظل عجز المعلمين وعدم وجود مناهج لها أصلًا، مع زيادة عدد الساعات الدراسية لطلبة المدارس العامة.

طلاب يوفّر بعضهم ثمن المواصلات حتى لا يُرهق أهله، فيأكل الجوع قلبه في يوم دراسي عادي؛ لأنه لا يستطيع تحمّل تكلفة مشتريات يومية، ولا يريد أن يُرهق أهله، مراعيًا أعباء الحياة عليهم.

وكأن صانع القرار يجلس في برج عاجي شاهق، يجعل صرخات المستغيثين طربًا،فيسمعها هتافاتوإطراء وتأييد وكانها  موسيقى لا تنقطع.

ان أبسط وأقل أمنيات المواطن: أن يجد لاولاده تعليمًا مُجديًا لا مُفسدًا، وأن ينجح الأولاد بمجهودهم، وليس بمساعدات خارجية.

فحتى إن غشّوا في المدارس والجامعات، هل سيستمر الغش حتى في العمل؟.

ان الغش افول افات الفساد الذييتحول إلى سوسٍ ينخر في جسد السفينة، ليحوّلها في النهاية إلى هباءٍ منثور؟.

وفي وسط كل هذا العبث، نجد الفرقة الموسيقية التي تعزف، متناسيةً كل هذا العبث، جالسةً في قصورٍ عالية، بعيدةً عن أمواج الواقع.

إننا فعلًا لسنا في قاع الهامور؛ نحن في قاع العبث.

يحاول كل فرد منا أن ينجو بحياته، آملين أن يُنظر إلينا بعين العدل والرحمة.

 

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى