نبيلة مكرم مع نساء الجمالية.. مؤسسة “فاهم” مافهمش حاجة
من نعم الله عليا إني سكنت الجمالية، واختلطت بأهلها الحقيقيين، رأيت منهم وجوها غير تلك التي يراها الناس بخارجها، ليس فقط بحكم العشرة الطويلة، لكن أيضًا لاعتبارات الصحافة وما فرضته عليا من اختلاط بالبشر وسماع قصصهم، ومعرفة تفاصيلها اليومية، ولأن للجمالية نفحات يطول شرحها، فقد علمتني من ضمن ما تعلمت أن أصبح لسان أهلها وحالهم ولا أقبل عليهم ذلا ولا منون .. لذا سأكتب لكم عن مبادرة “إنتي إزاي قوية كده؟” في الجمالية.
في الثالث والعشرون من أغسطس، تلقيت دعوة لحضور فاعلية “إنتي إزاي قوية كده؟” لمؤسسة فاهم التي ترأسها الوزيرة السابقة نبيلة مكرم، وذلك في مؤسسة الجمالية للحرف اليدوية، ولأنني أعرف صاحب المؤسسة وهدفه النبيل من تأسيس مبادرته في قلب الجمالية، فقد قبلت الدعوة على غير عادتي، وذهبت.
أعرف المكان، في شارع النحاسين، تأخرت الوزيرة عن الوصول في الموعد، فهي لا تعرف الجمالية حق المعرفة، كان المكان مزدحمًا بنساء الجمالية، ربما لا أعرف الكثيرات منهن، لكني أميز علامات الشقاء والكد على وجوه الجميع، جاءت الوزيرة، سلمت على الجميع ثم بدأت الفعالية بسؤالها للنساء ..هو إنتي قوية كده إزاااااااي؟.
حكت الوزيرة أنها تقدم مبادرتها للحكي والفضفضة للمرة الثالثة في الجمالية، بعد المرة الأولى في المطرية، حيث تفضل حضور الفعاليات الشعبية في رمضان، ومشاركة نساء الخير لف المحشي وصنع الزلابية، وفي المرة الثانية قدمت مبادرتها لنساء الساحل الشمالي..فرد عليها نسوة الجمالية ..ااااه الـVIP .
ضحكت الوزيرة معلقة ..لا والله مش زي ما إنتوا فاهمين كل الستات عندهم هموم مهما كانوا.
صدقت الوزيرة، أنا أعرف همها وابتلائها الذي كتمته عن نساء الجمالية، وجاءت من بعيد تسعى لأن تحثهم على الفضفضة وتقدم الدعم النفسي لنساء يعملن بالشارع والجراجات ويبعن السبح والمراوح الورق، كلهن بلا استثناء ضحية أزواج انطاع، وأهل انقطعت بهم الحيل، فلم يستطيعوا أن يقدموا يد المساعدة لبناتهن، أو تركوهم عامدين ليلقوا مصيرهم المحتوم، أعطت الوزيرة الميكرفون للنساء الواحدة تلو الأخرى لتستمع لقصتها وتسالها سؤال واحد ..إنتي قوية كده إزااااي؟!!!.
لم تكن أيا من النساء الجالسات في حلقة مستديرة حميمية تخلو من الرسميات حول الوزيرة السابقة، قويات، كلهن جبلتهن الحياة على مواجهة أقدارهن.
ذهب المايك لـ “بركة “سايسة الجراج القريب، ربما ركنت الوزيرة سيارتها لديها وهي لا تعرف، سألتها الوزيرة ..احكي يا ست بركة إنتي قوية كده إزااااي؟ .
ردت بركة ..من ربنا ..أنا طالع عين أمي!!!.
ضحكت النساء لكن الوزيرة ردت ..لا لا يا بركة ما بنقولش كده !.
حكت بركة عن أبنائها ولد وبنت، الذين انكبت على رعايتهم وتربيتهم بعد رحيل الزوج، تخرج الولد من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، والبنت من أكاديمية طيران، تفخر بأبنائها وبقوتها، تسألها الويزة لما تحبي تنفسي عن نفسك بتعملي ايه يا بركة؟.
بتخانق مع الحكومة؟ قاصدة الشرطة ومضايقتها لها كسايس في الجمالية، تفاجأت الوزيرة من رد بركة وأعادت التنبيه.. ما بنقولش كده !.
أعطت المايك لشيماء، الجالسة بجوار بركة، فتاة عشرينية، الهم الذي تحمله على كتفها مجاورا لطفلتها الصغيرة على الكتف الثاني، لم يستطع أن يمحو عن وجهها براءة طفولته، سالتها الوزيرة ذات السؤال..إنتي قوية كده إزااااي يا شيماء ؟ .
ابتسمت شيماء وحكت عن زوجها الذي تركها بأفعال أمه، وأمها التي تخلت عنها وكفلها زوج أمها وساعدها، لكن من يتكفل بعلبة لبن بـ٣٠٠ جنيه لطفلتها كل يومين؟، كان ضروريا أن تبحث عن عمل، جاءت من فيصل لرحاب الحسين، تبيع المراوح الورقية، تكسب ما تستطيع أن تسد به جوع ابنتها وتواصل العمل ليل نهار كي تدفع إيجار شقتها، صفقت الوزيرة لشيماء ومعاناتها، وطالبتنا جميعا أن نصفق، فصفقنا، لكن كان صوت بكاء طفلة شيماء أعلى من صوت التصفيق.
استكملت الوزيرة جلسة الحكي والفضفضة، حكت جميع النساء مآسيهن، ودعمتهن الوزيرة بـ”معلش”، ثم طلبت الكلمة وتكلمت.
“أنا شيماء جلهوم صحفية وكاتبة من الجمالية..أرحب بحضرتك طبعا وأتمنى تحكي حضرتك كمان عن ابتلاءك لنساء الجمالية حتى يتعلمن من تجربتك؟”.
أوقفتني الوزيرة ..أنا مش جاية أتكلم عن نفسي ..إركني إنتي بقى والأسئلة دي.
ثم سمحت لصحفي جاء معها أن يسألها سؤال عن لماذا اخترتي اسم المبادرة إنتي قوية كده إزااااي؟ .
يرافق الوزيرة في جلسة الحكي والفضفضة في الجمالية ..معالجة نفسية، أعطتها الفرصة لتمنح نساء الجمالية مجموعة من النصائح عن حب الذات والاستعانة والأصدقاء وفتح الباب لمجي التعويض من الله في صورة شخص يرسله خصيصًا للست بركة أو لشيماء أو لعلية! .
ومع فريق المصورين والصحفي الابن، اللذين صوروا الوزيرة الصور التي أرادتها، وفيديو جماعي تهتف فيه نساء الجمالية باسم المبادرة …إنتي قوية كده إزااااي؟ .
كان هناك أيضًا سيدة تبدو عليها سمت الجمهورية الجديدة، مسئولة عن نصف ساعة من الأغاني، فارتفع صوت عمرو دياب ..لولا البنات يا ولا، لم يندمج أهالي الجمالية مع صوت الساحل الشمالي، فغنت الوزيرة ولم ترقص نساء الجمالية .
في النهاية أكل النساء أطباقًا من المحشي والباذنجان المخلل، أما الوزيرة فقد نالها أطباقا مغلفة وضعت في شنطة خصيصا لها لأنها تحب “الأكل الشعبي” .
انتهت فاعلية مؤسسة ” فاهم” في الجمالية ..وعادت شيماء لتبيع المروحة الورق في ميدان الحسين، وعادت طفلتها تبحث عن علبة اللبن ..ولم يفهم أحد.


