مقالات

التنوير والليبرالية في مصر

تيار في المجتمع يبحث عن قوة سياسية

بقلم وريشة

حسام بدراوي

 

يتكرر سؤالي في حواراتي مع الشباب، وفي اللقاءات العامة والبرامج التلفزيونية: هل يوجد في مصر تيار تنويري ليبرالي حقيقي؟، وإذا كان موجودًا، فلماذا لا نرى حزبًا سياسيًا كبيرًا يعبر عنه، ويستطيع أن يتحول من نخبة ثقافية إلى قوة اجتماعية وسياسية مؤثرة؟

وفي إحدى جلساتنا على مقهى “الحالمون بالغد”، قالت شابة:” ما حقيقة الواقع الليبرالي المصري يا دكتور؟، وهل يصح أن نصف المجتمع المصري بأنه مجتمع ليبرالي، بينما يبدو في كثير من مواقفه محافظًا، وأحيانًا رافضًا للاختلاف؟”.

قلت: “ربما كان من الأدق ألا نقول إن المجتمع المصري ليبرالي بصورة مكتملة، ولا أن نقول إنه نقيض الليبرالية، فالمجتمعات لا تتكون عادة من فكرة واحدة صافية، داخل المجتمع المصري استعداد أصيل للقبول والتعايش، وحب للحياة، واحترام للتنوع، ورغبة في الاستقلال الشخصي، وكلها عناصر يمكن أن تؤسس لثقافة ليبرالية، لكن في المجتمع نفسه أيضًا ميراث أبوي وسلطوي، وخوف من المختلف، وقابلية للوصاية الدينية والاجتماعية والسياسية”.

المصري قد يطالب بالحرية لنفسه، ثم يتردد في منحها لمن يختلف عنه، وقد يرفض تدخل الدولة في حياته الخاصة، لكنه يطالبها بالتدخل في حياة الآخرين، وقد يقبل التنوع ما دام بعيدًا عن أسرته ومحيطه المباشر، ثم يضيق به عندما يصبح الاختلاف قريبًا منه.

لذلك أقول إن في وجدان المصريين قابلية ليبرالية، لكنها لم تتحول بعد إلى ثقافة عامة مستقرة تحترم حرية المختلف، لا حرية المتشابه فقط. وهذا هو الفرق بين التسامح بوصفه مزاجًا شخصيًا، والليبرالية بوصفها نظامًا للحقوق لا يتغير بتغير الأشخاص والأهواء.

قالت: “ولكن لماذا ارتبط وصف “الليبرالي” و”التنويري” في أذهان كثيرين بمعاداة الدين؟”.

قلت:” لأن تيارات الإسلام السياسي، ومعها بعض القوى المحافظة، نجحت منذ بدايات القرن العشرين في تثبيت تعريفات مغلوطة في الوعي العام، فاختلطت الليبرالية بالانحلال، والعلمانية بالإلحاد، والتنوير بازدراء التراث، والدولة المدنية بإقصاء الدين. وساعد على ذلك ضعف الخطاب الليبرالي نفسه، الذي ظل كثيرًا أسير الدوائر الثقافية والجامعات وصالونات المدن، ولم ينزل بما يكفي إلى الشارع والمدرسة والنقابة والقرية ومواقع العمل”.

ولكن المسؤولية لا تقع على الإسلام السياسي وحده. أحيانًا قدم بعض المثقفين التنوير بلغة متعالية أو مستفزة للوجدان العام، وكأنهم يخاطبون مجتمعًا متهمًا لا مجتمعًا يريدون إقناعه.

وأحيانًا اختزل بعض الاقتصاديين الليبرالية في الخصخصة وحرية السوق، حتى بدا الأمر كأن الليبرالية تعني حرية الأغنياء في زيادة ثرواتهم، لا حرية الإنسان وكرامته وحقوقه.

التنوير الحقيقي لا يحتقر الناس ولا يسخر من إيمانهم، بل يدعوهم إلى استخدام العقل، ورفض الوصاية، والتمييز بين المقدس في ذاته وبين اجتهاد البشر في فهمه.

والليبرالية لا تطلب من المؤمن أن يتخلى عن دينه، بل تحمي حقه في الإيمان كما تحمي حق غيره في اختلاف الاعتقاد والضمير.

قال شاب:” إذن دعنا نبدأ من التعريفات، لأن الخلاف يبدو أحيانًا خلافًا حول الكلمات أكثر منه حول المعاني. ما الفرق بين التنوير والليبرالية والعلمانية والدولة المدنية؟”.

قلت: هذا سؤال ضروري، لأن خلط المصطلحات صنع معارك وهمية كثيرة،

التنوير، في جوهره، منهج في التفكير، إنه دعوة إلى استخدام العقل، وطرح الأسئلة، ومراجعة الموروث، وعدم التسليم لسلطة لمجرد أنها قديمة أو شائعة”.

والتنوير لا يعني أن العقل يعرف كل شيء، بل يعني ألا ندعي اليقين فيما لا نملك عليه دليلًا، وألا نغلق باب المعرفة أمام السؤال والبحث.

أما الليبرالية فهي فلسفة سياسية وحقوقية تجعل الإنسان وكرامته وحريته محورًا لنظام الحكم. وهي تقوم على حرية الفكر والضمير والتعبير، والمساواة أمام القانون، وحماية الملكية الخاصة، واحترام التعددية، والفصل بين السلطات، وخضوع الحاكم للقانون، وتداول السلطة، وحماية حقوق الأقلية في مواجهة طغيان الأغلبية.

والعلمانية ليست دينًا مضادًا للدين، ولا فلسفة تفرض الإلحاد على المجتمع. إنها صيغة لتنظيم علاقة الدولة بالمؤسسات الدينية، بحيث لا تحتكر جماعة دينية الحكم باسم الله، ولا تستخدم الدولة مؤسساتها لفرض تفسير ديني واحد على مواطنين مختلفين في العقيدة والاجتهاد.

أما الدولة المدنية فهي دولة الدستور والقانون والمواطنة، لا يحكمها رجال الدين بوصفهم وكلاء عن السماء، ولا تحكمها مؤسسة مسلحة بوصفها صاحبة حق دائم في السلطة.

مؤسسات الدولة جميعًا تعمل داخل اختصاصاتها، والسيادة للقانون، والشرعية للشعب، والمواطنة أساس الحقوق والواجبات.

هذه المفاهيم ليست مترادفة، لكنها تتقاطع وتتساند: التنوير يحرر العقل، والليبرالية تحمي الفرد، والعلمانية تصون حياد الدولة، والدولة المدنية تحول هذه المبادئ إلى نظام حكم.

 قالت شابة أخرى:” وهل الليبرالية فلسفة غربية مستوردة لا جذور لها في مصر، كما يقول خصومها؟”.

 قلت:” الأفكار الكبرى لا تحمل جواز سفر واحدًا، نعم، تبلورت الليبرالية السياسية الحديثة في أوروبا خلال عصر التنوير، وفي مواجهة الملكية المطلقة والامتيازات الوراثية وحكم الكنيسة باسم الدين، وغالبًا ما ينسب إلى جون لوك دور تأسيسي في الدفاع عن الحقوق الطبيعية للإنسان في الحياة والحرية والملكية، وعن أن شرعية الحكم تأتي من رضا المحكومين لا من حق إلهي يختص به الملوك”.

لكن انتقال فكرة من حضارة إلى أخرى لا يجعلها غريبة عن الإنسان، فالطب الحديث نشأ في تجارب دول متعددة، ولم نقل إن علاجه غريب عن أجسادنا.

والعلم ملك للبشرية، وكذلك القيم التي تثبت قدرتها على حماية الكرامة والحرية.

ثم إن مصر لم تكن مجرد متلق سلبي للأفكار، فمنذ القرن التاسع عشر نشأ فيها تيار واسع حاول أن يصوغ التقدم بلغة مصرية وعربية وإسلامية.

رأى رفاعة الطهطاوي في التعليم والمواطنة وتنظيم الدولة أبوابًا للنهضة، وحاول محمد عبده تحرير العقل الديني من الجمود، وفتح باب الاجتهاد، والتوفيق بين الإيمان والعقل.

وطرح قاسم أمين سؤال وضع المرأة باعتباره سؤالًا عن نهضة المجتمع كله، ودافع أحمد لطفي السيد عن حرية الفرد والقومية المصرية وعن الجامعة بوصفها بيتًا للعقل المستقل.

ثم جاءت ثورة 1919 لتقدم لحظة فارقة في بناء الهوية الوطنية الجامعة، حين تقدم الانتماء إلى مصر على الانقسام الديني، ورفع المسلم والمسيحي راية وطن واحد.

وجاء دستور 1923 والحياة النيابية، على ما شابها من عيوب وتدخلات، ليؤكدا إمكان بناء دولة دستورية تتعدد فيها الأحزاب والصحف والآراء.

وفي الثقافة والفكر، فتح طه حسين أبوابًا واسعة أمام حرية البحث والتعليم والحق في المعرفة، وناقش علي عبد الرازق العلاقة بين الدين والحكم.

ودافع سلامة موسى عن العلم والتحديث، ثم تواصل الجدل مع أجيال لاحقة من المفكرين والمبدعين. لم يكن هؤلاء جميعًا أصحاب مدرسة واحدة، ولم يتفقوا في كل شيء، لكنهم اشتركوا في الإيمان بأن النهضة لا تتحقق من دون تحرير العقل والإنسان من الوصاية.

إذن، التيار التنويري الليبرالي في مصر ليس جسمًا مستوردًا وُضع فجأة في بيئة غريبة، بل هو جزء من صراع مصري ممتد بين العقل والنقل، وبين المواطنة والتمييز، وبين الدولة الدستورية والحكم المطلق، وبين حرية الإنسان والوصاية عليه.

 قال أحد الحالمين:“إذا كانت هذه الجذور عميقة، فلماذا تراجع التيار الليبرالي؟”.

 قلت:” لأن التاريخ لا يتحرك في خط مستقيم. التجربة الليبرالية المصرية قبل يوليو 1952 لم تكن مثالية؛ فقد خضعت لضغوط الاحتلال البريطاني، وتدخل القصر، وعدم اكتمال العدالة الاجتماعية، وضعف مشاركة قطاعات واسعة من الفلاحين والفقراء. ومع ذلك كانت هناك حياة حزبية وصحافة متنوعة وبرلمان وجامعات مستقلة نسبيًا ومساحة للصراع السياسي والفكري”.

بعد 1952 أُلغيت الأحزاب، وتوسعت الدولة في السيطرة على السياسة والإعلام والاقتصاد والعمل الأهلي. حققت ثورة يوليو إنجازات اجتماعية مهمة لا يصح إنكارها، وفي مقدمتها توسيع فرص التعليم والحراك الاجتماعي ودعم الاستقلال الوطني، لكنها في المقابل أضعفت التعددية السياسية، ورسخت فكرة التنظيم الواحد والزعيم الذي يتحدث باسم الأمة.

ومع الوقت، نشأت أجيال لا تعرف السياسة بوصفها عملًا مجتمعيًا يوميًا، بل بوصفها نشاطًا تسمح به الدولة أو تمنعه.

وحين أعيدت الأحزاب في صورة محدودة، كانت مؤسسات المجتمع قد فقدت كثيرًا من قدرتها على التنظيم المستقل.

ثم جاء الانفتاح الاقتصادي في عهد الرئيس السادات من دون انفتاح سياسي موازٍ بالمفهوم الليبرالي. فتح الاقتصاد جزئيًا، لكن دولة القانون والحياة الحزبية المستقلة لم تتطورا بالقدر نفسه.

كما استخدمت الدولة التيارات الدينية في مواجهة خصومها اليساريين والناصريين، فازداد حضور الخطاب الديني المنظم في الجامعات والنقابات والمجتمع.

وفي العقود التالية، ظل المجال العام محكومًا بقيود شديدة. وكانت النتيجة أن القوى الليبرالية امتلكت كتابًا ومفكرين وشخصيات عامة، لكنها لم تمتلك دائمًا مؤسسات مستقرة تتجدد فيها القيادة، وتبني كوادرها، وتصل إلى الناس خارج مواسم الانتخابات.

قال الشاب:“ولكن ظهرت أحزاب كثيرة تصف نفسها بأنها ليبرالية. لماذا لم تستطع أن تتجمع في حزب كبير؟”.

 قلت:” لأن الحزب السياسي لا يُبنى بإعلان المبادئ فقط. الحزب شبكة ممتدة من الثقة والتنظيم والعمل المحلي والتدريب والتمويل الشفاف والقيادة المتداولة، بعض الأحزاب الليبرالية بدأ من القمة لا من القاعدة، وتمحور حول شخصيات أكثر مما تمحور حول برنامج ومؤسسات، وبعضها انشغل بالخلافات الداخلية، أو ظهر وقت الانتخابات ثم اختفى بعدها، أو تحدث بلغة لا تمس الحياة اليومية للمواطن”.

كذلك لم ينجح التيار الليبرالي دائمًا في الربط بين الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية، المواطن الذي لا يجد مدرسة جيدة لطفله، ولا علاجًا لمرضه، ولا فرصة عمل تحفظ كرامته، لن يقتنع بخطاب يحدثه عن حرية السوق وحدها، وقد يسأل بحق: حريتي في أن أفعل ماذا، إذا كنت محرومًا من أدوات الاختيار أصلًا؟.

على الجانب الآخر، بنى الإسلام السياسي تنظيماته عبر عقود من العمل في المساجد والجمعيات والنقابات والخدمات الاجتماعية.

أختلف جذريًا مع مشروعه السياسي، لكن لا يجوز تجاهل قدرته التنظيمية. لقد بنى تنظيمًا قبل أن يصل إلى الحكم، بينما حاول كثير من الليبراليين الوصول إلى الحكم قبل أن يبنوا تنظيمًا اجتماعيًا حقيقيًا.

وتعلمنا تجربة ما بعد يناير 2011 أن الحضور الإعلامي لا يساوي وجودًا سياسيًا، وأن عدد المتابعين لا يصنع حزبًا، وأن الاتفاق على رفض خصم مشترك لا يكفي لبناء مشروع للمستقبل. انقسمت القوى المدنية، وتنازعت على التفاصيل والقيادات، ولم تنجح في تقديم خطاب موحد يربط الحرية بالأمن، والديمقراطية بالكفاءة، والحقوق بالعدالة الاجتماعية.

قالت الشابة:“هل معنى ذلك أن الديمقراطية قد تأتي بمن يقضي عليها؟”.

 قلت:“نعم، وهذه ليست فرضية نظرية. الديمقراطية ليست مجرد صندوق انتخاب. الانتخابات عنصر أساسي لا غنى عنه، لكنها لا تكفي وحدها، الديمقراطية الليبرالية تعني أيضًا دستورًا يحمي الحقوق، وقضاءً مستقلًا، وإعلامًا حرًا، وفصلًا بين السلطات، وتداولًا حقيقيًا للسلطة، وضمانات تمنع الأغلبية من سحق الأقلية، قد تأتي الانتخابات بأغلبية عددية، لكن الأغلبية لا تملك الوطن ولا ضمائر الناس”.

إذا وصلت جماعة إلى الحكم ثم حصنت قراراتها من الرقابة، أو أضعفت القضاء، أو أرادت تغيير هوية الدولة بالقوة، أو عاملت من لم ينتخبها كأنه أقل وطنية، فإنها تكون قد استخدمت جسر الديمقراطية للوصول إلى السلطة ثم بدأت في هدم الجسر.

وقد رأينا في مصر بعد انتخاب الرئيس محمد مرسي بفارق محدود كيف أُصدر إعلان دستوري يحصن قرارات الرئيس مؤقتًا من الطعن، وتصاعد شعور قطاعات واسعة بأن أغلبية انتخابية ضئيلة تريد الاستئثار بالدولة وإقصاء ما يقارب نصف المجتمع. كان الخوف حقيقيًا من أن تتحول الديمقراطية إلى مدخل لحكم ديني مغلق لا يسمح بتداول السلطة إلا مرة واحدة.

ولكن الأمانة الفكرية تفرض علينا أن نطبق المبدأ نفسه على كل سلطة، لا على خصومنا فقط. فالدولة التي تواجه الإسلام السياسي لا تصبح ليبرالية تلقائيًا. وحين تُعدل القواعد الدستورية بما يطيل بقاء الحاكم، أو يضيق المجال أمام المنافسة السياسية، أو تضعف قدرة المجتمع على المحاسبة، فإننا نستخدم مرة أخرى أدوات تبدو ديمقراطية لتقليل مضمون الديمقراطية.

لقد أعلنت في وقتها رفضي تعديل الدستور بما سمح للرئيس عبد الفتاح السيسي بفترة رئاسية ثالثة، ومدّ مدة الرئاسة إلى ست سنوات؛ لأن المبدأ عندي لا يتغير بتغير الأشخاص. لا يمكن أن أدافع عن الحرية في مواجهة رجال الدين ثم أتخلى عنها أمام رجال السلطة. ولا يصح أن أرفض استبداد الأغلبية حين تمارسه جماعة دينية، ثم أقبل تضييق المجال السياسي باسم الاستقرار أو الضرورة.

الدولة القوية ليست الدولة التي تضعف مواطنيها، بل التي تقوى بقانونها ومؤسساتها وثقة الناس فيها. والاستقرار الذي يعتمد على غياب السياسة قد يؤجل الأزمات، لكنه لا يحلها. أما الاستقرار المستدام فيقوم على شرعية متجددة، ومشاركة حقيقية، وقواعد لا تتغير لمصلحة من يحكم.

 قال شاب آخر: ألا توجد ليبرالية من دون ديمقراطية كاملة؟ هناك من يتحدث عن «الأوتوقراطية الليبرالية» أو«المستبد المستنير» الذي يحقق التحديث ويحمي الحريات الاجتماعية.

 قلت: قد توجد في التاريخ أنظمة تمنح بعض الحريات الاقتصادية أو الاجتماعية تحت حكم فردي، وقد يحقق حاكم مستنير إصلاحات مهمة. لكن المشكلة أن الحقوق التي يمنحها الحاكم بإرادته يستطيع سحبها بإرادته. وما لم تتحول الحرية إلى حق يحميه الدستور والقضاء، فإنها تظل منحة لا ضمانة.

قد يكون الاستبداد مستنيرًا في جيل، ثم يصبح مظلمًا في الجيل التالي. لذلك لا أبني مستقبل الوطن على صلاح فرد، بل على صلاح المؤسسات. الحاكم الجيد مهم، لكن النظام الجيد هو الذي يمنع الحاكم السيئ من تحويل الدولة إلى ملك خاص، ويمنع الحاكم الجيد نفسه من تجاوز الحدود بحجة النوايا الحسنة.

 قالت واحدة من الحالمات:“بقي السؤال الاقتصادي. هل الليبرالية تعني أن تترك الدولة السوق يفعل ما يشاء؟”.

قلت:“هذا هو أحد أكثر الاختزالات شيوعًا. الليبرالية الكلاسيكية ارتبطت تاريخيًا بحرية السوق، وحماية الملكية الخاصة، وتقليل تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي. لكن التجربة الإنسانية أثبتت أن السوق، على أهميته في الابتكار والاستثمار وتخصيص الموارد، لا يضمن وحده العدالة، وقد ينتج احتكارًا وفوارق هائلة في الفرص والثروة”.

أنا أؤمن بالليبرالية الاجتماعية أو الإصلاحية، لا بالرأسمالية المنفلتة ولا بالاشتراكية التي تحتكر فيها الدولة وسائل الإنتاج.

الليبرالية الاجتماعية تقف في منطقة وسط تجمع الحرية بالعدالة، لكنها ليست خليطًا مرتبكًا بين نظامين؛ إنها فلسفة واضحة ترى أن حرية الإنسان لا تكتمل إذا حُرم من التعليم والصحة والقدرة على العمل والمشاركة.

أنا مع اقتصاد السوق، ومع احترام الملكية الخاصة، ومع القطاع الخاص بوصفه المحرك الأساسي للاستثمار والإنتاج وخلق فرص العمل. وهذه ليست هبة تمنحها الحكومة متى شاءت وتسحبها متى شاءت، بل جزء من حق المواطن في المبادرة والحركة الاقتصادية.

وفي الوقت نفسه، أنا مع دولة قوية بالقانون، تنظم السوق وتمنع الاحتكار والفساد وتضارب المصالح، وتضمن المنافسة العادلة، وتحمي العامل والمستهلك والبيئة، وتوفر تعليمًا جيدًا ورعاية صحية وحماية اجتماعية، وتفتح أمام الطفل الفقير طريقًا حقيقيًا للصعود.

إن حرية التملك لا ينبغي أن تعني حرية الاحتكار، وحرية الاستثمار لا تعني شراء النفوذ، والعدالة الاجتماعية لا تعني أن تمتلك الدولة المصانع والفنادق والشركات وتنافس المواطنين بأموالهم وبسلطة التنظيم في الوقت نفسه.

الدولة في تصوري منظم وضامن وحَكَم، وليست تاجرًا يحتكر الملعب ويضع القواعد ويختار المنافسين ثم يحاسب نفسه. وتتدخل عندما يعجز السوق عن حماية المصلحة العامة، لكن تدخلها يجب أن يكون محددًا بالقانون، خاضعًا للشفافية والمساءلة، وألا يتحول إلى توسع دائم في ملكية الدولة بلا رقابة أو كفاءة.

إن التجربة الشيوعية أثبتت أن سحب الملكية والمبادرة من الأفراد، واحتكار الدولة لوسائل الإنتاج والسياسة معًا، قد يحقق مساواة شكلية، لكنه كثيرًا ما انتهى إلى مساواة في الندرة، وتضخم البيروقراطية، وانتشار الفساد، وغياب المحاسبة.

وفي المقابل، أثبتت الرأسمالية المنفلتة أن الثروة إذا انفصلت عن المسؤولية الاجتماعية قد تشتري السياسة والإعلام، وتحول تكافؤ الفرص إلى شعار فارغ.

المعادلة التي أدافع عنها هي: اقتصاد سوق تنافسي، ودولة قانون قوية؛ قطاع خاص يقود الاستثمار والتشغيل، ودولة تضمن التعليم والصحة والحماية الاجتماعية؛ ملكية خاصة مصونة، وعدالة تحول دون توارث الفقر والحرمان.

 قال الشاب:” إذن ما خلافك مع الناصريين، خصوصًا أن كثيرين منهم يتحدثون أيضًا عن العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني؟”.

 قلت:“أغلب الناصريين أصدقائي، والعديد من أسرة الرئيس جمال عبد الناصر أحبائي، وأنا أقدر مشروع الاستقلال الوطني والانحياز إلى الفقراء وتوسيع التعليم والحراك الاجتماعي. ولا أريد أن أحاكم تيارًا معاصرًا فقط بما جرى في خمسينيات وستينيات القرن الماضي؛ فالأفكار تتطور، ومن حق الناصريين أن يعيدوا صياغة مشروعهم بما يناسب القرن الحادي والعشرين”.

لذلك لا أضع خطًا فاصلًا مصطنعًا بين الليبرالية الاجتماعية والناصرية المعاصرة ما لم تتحدد المواقف العملية: هل يؤمنون حقًا بالتعددية وتداول السلطة وحرية الصحافة واستقلال المجتمع المدني؟ هل ما زالوا يرون أن ملكية الدولة الواسعة لوسائل الإنتاج هي الطريق الطبيعي للعدالة؟ هل يدافعون عن القطاع العام حتى إذا استمر في الخسارة وتراجع المنتج وتحمل المواطن التكلفة؟

يمكن أن نلتقي حول العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني وحق الجميع في التعليم والصحة، لكن الخلاف يظهر إذا أصبحت الدولة هي المالك الأكبر والحَكم الأكبر والفاعل السياسي الأكبر في الوقت نفسه، أو إذا قُدمت الحرية بوصفها ترفًا يمكن تأجيله إلى ما بعد تحقيق التنمية. خبرتنا تقول إن الحرية المؤجلة تُؤجل دائمًا، وإن غياب المحاسبة يفسد حتى المشروعات التي بدأت بنوايا اجتماعية نبيلة.

 قالت الشابة:“وماذا عن الدين؟ عندما تقول إن الدولة لا دين لها، يشعر بعض الناس أنك تنكر هوية المجتمع أو تتجاهل النص الدستوري الذي يجعل الإسلام دين الدولة”.

 قلت:” أنا لا أنكر هوية المجتمع، ولا أطلب من الناس أن يخفوا إيمانهم. المجتمع المصري في أغلبيته مسلم، وفيه مسيحيون أصحاب جذور عميقة في هذه الأرض، وفيه درجات متعددة من التدين والاجتهاد. لكن الدولة ليست إنسانًا يصلي أو يصوم أو يُحاسب في الآخرة؛ الدولة شخصية قانونية ومؤسسات وظيفتها أن تخدم المواطنين جميعًا بالمساواة”.

يمكن للدستور أن يعبر عن ثقافة الأغلبية وتاريخها، لكن هذا التعبير لا ينبغي أن يتحول إلى انتقاص من مواطنة المختلف، أو إلى احتكار جماعة بعينها لحق تفسير الدين وفرضه بالقوة العامة. المعيار الحقيقي ليس العبارة المكتوبة وحدها، بل ما إذا كان المواطن المصري، مسلمًا كان أو مسيحيًا أو صاحب اعتقاد مختلف، يقف أمام القانون والدولة على قدم المساواة.

احترام الدين وحرية العقيدة مبدأ ليبرالي أصيل، وأراه كذلك متسقًا مع آيات واضحة في القرآن: “وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”.

“ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين”.

“يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا”.

هذه المعاني تقرر أن الإيمان لا يصنعه الإكراه، وأن التعدد جزء من الوجود الإنساني، وأن الاختلاف مدخل للتعارف لا ذريعة للإقصاء. وأنا لا أحتاج إلى دولة تجبرني على الإيمان؛ لأن الإيمان الذي يحتاج إلى شرطي يحرسه يفقد معناه الأخلاقي والروحي.

قال الشاب:“لكن هل يمكن أن تحمي الدولة القيم العامة من دون أن تتحول إلى وصي على الضمائر؟”.

 قلت:” بالطبع. حياد الدولة لا يعني غياب القانون أو قبول الاعتداء والفوضى. الدولة الليبرالية تتدخل لحماية الحقوق، ومنع العنف والتمييز والاستغلال، وحماية الأطفال والضعفاء، والحفاظ على النظام العام. لكنها لا تفرض على جميع المواطنين نمطًا دينيًا أو أخلاقيًا خاصًا ما دام سلوكهم لا يعتدي على حقوق الآخرين.

الحد الفاصل هو الضرر والحق، لا ذوق الحاكم ولا تفسير رجل الدين. فالدولة تحاسب الإنسان على فعله الذي يضر غيره، لا على أفكاره الكامنة في ضميره. وهي تحمي حرية العبادة كما تحمي دور العبادة، لكنها لا تحول الإيمان إلى شهادة صلاح سياسي، ولا تجعل التدين الظاهر بديلًا عن النزاهة والكفاءة واحترام القانون.

 قالت إحدى الحالمات:“إذا أردنا بناء تيار تنويري ليبرالي حقيقي، فمن أين نبدأ؟ من حزب سياسي جديد؟”.

 قلت:” الحزب مهم، لكنه ليس نقطة البداية الوحيدة، وربما لا يكون البداية أصلًا. التيار الفكري يسبق الحزب ويغذيه. نحن نحتاج إلى مشروع ثقافي وتعليمي واجتماعي طويل النفس، يعمل في المدرسة والجامعة والإعلام والفن والنقابات والعمل الأهلي، ويجعل الحرية والمواطنة والعقل النقدي خبرة يومية لا كلمات في وثيقة حزبية”.

نحتاج إلى تعليم لا يلقن الطفل الإجابة، بل يدربه على السؤال؛ ولا يعاقبه على الاختلاف، بل يعلمه أدب الحوار. نحتاج إلى مدرسة لا تميز بين الأطفال بسبب الدين أو الجنس أو الطبقة، وإلى جامعة تحمي حرية البحث، وإلى إعلام يشرح الأفكار بدل أن يحول الخلاف إلى تخوين وصراخ.

ونحتاج إلى خطاب ليبرالي يصل إلى المواطن بلغته ومشكلاته. أن نشرح له أن استقلال القضاء يحمي بيته وملكيته، وأن حرية الصحافة تكشف الفساد الذي يدفع ثمنه، وأن المنافسة تمنع الاحتكار وارتفاع الأسعار، وأن تداول السلطة يحمي الدولة من أخطاء الفرد، وأن التعليم الجيد ليس خدمة للفقراء بل استثمار في قوة مصر كلها.

كما نحتاج إلى تجديد داخل التيار نفسه: قيادات شابة، وتمثيل حقيقي للمرأة، ووجود خارج القاهرة والإسكندرية، وتمويل شفاف، وممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب قبل المطالبة بها في الدولة. لا يمكن لحزب يقوده الشخص نفسه إلى الأبد أن يقنع المجتمع بتداول السلطة، ولا لحزب يحتقر الناس أن يطلب أصواتهم، ولا لليبرالي يدافع عن حريته أن يصمت عن حرية خصمه.

الليبرالية تُختبر عندما ندافع عن حق من نختلف معه، ما دام ملتزمًا بالقانون ولا يستخدم الحرية لهدم حقوق الآخرين. أما الدفاع عن حرية من يشبهنا فقط فليس ليبرالية، بل مصلحة جماعية ضيقة.

 قال الشاب:“بعد هذا كله، كيف تعرف نفسك سياسيًا واجتماعيًا؟”.

 قلت:” أنا مؤمن بالليبرالية الاجتماعية الإصلاحية. أساند الحرية الفردية في إطار القانون الذي يحميها وينظمها حتى لا تتحول إلى اعتداء أو فوضى. وأؤمن بمدنية الدولة، وسيادة الدستور، والفصل بين السلطات، وتداول السلطة، والمساواة أمام القانون، وتكافؤ الفرص، وحرية الضمير والتعبير، وحقوق الأقليات”.

وأؤمن في الوقت نفسه بدور الدولة التنظيمي والضامن للعدالة الاجتماعية، وبمسؤوليتها عن إتاحة تعليم جيد ورعاية صحية كريمة، وعن بناء قدرات الناس حتى تصبح الحرية قدرة فعلية على الاختيار، لا كلمة جميلة لا يملك الفقير أدوات ممارستها.

أنا ليبرالي إصلاحي بهذا المعنى، ووطني عشقي هو مصر، وأنتمي إلى الإنسانية عابرًا للحدود. إيماني بالله عميق ويخص ضميري، وديني هو إسلام الحرية والعقل والحكمة والتسامح والتدبر ومكارم الأخلاق، واحترام البيئة، واحترام معتقدات الآخرين، بل والدفاع عن حريتهم وحقوقهم.

ديني هو إسلام سيدنا محمد الذي قال: “إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، والذي جاء بالحنيفية السمحة، وقال: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”.

أنا لا أدافع عن مجتمع بلا دين، بل عن دولة لا تميز بين مواطنيها على أساس الدين. ولا أدعو إلى إخراج الإيمان من الضمير، بل إلى منع استخدامه سلاحًا للاستيلاء على الدولة أو الحجر على العقل. ولا أختار بين الحرية والعدالة، لأن الحرية بلا عدالة قد تصبح امتيازًا للأقوى، والعدالة بلا حرية قد تصبح وصاية باسم الفقراء.

إن التيار التنويري الليبرالي في مصر موجود في تاريخها وثقافتها ووجدان قطاعات واسعة من شعبها، لكنه ما زال يبحث عن لغة تصل إلى الناس، وعن مؤسسات تحمي استمراره، وعن شجاعة تعلن مبادئه من دون مواربة، وعن تواضع يجعله يتعلم من المجتمع بدل أن يكتفي بإلقاء الدروس عليه.

مصر لا تحتاج إلى نسخة مستوردة من تجربة أخرى، بل إلى ليبرالية مصرية تنبع من تاريخها، وتحترم تدين شعبها، وتحمي تنوعه، وتجمع حرية الإنسان إلى العدالة الاجتماعية، وتعيد بناء المجال العام على أساس المواطنة والعقل والقانون.

إنني ما زلت أحلم بغد أكثر إشراقًا، لكنني تعلمت أن الأحلام وحدها لا تصنع الغد. الغد يحتاج إلى وعي وتنظيم ومؤسسات، وإلى مواطن لا يطلب حريته وحده، بل يدافع عن حرية الجميع.

وما زلت أعمل من أجل ذلك الغد.

زر الذهاب إلى الأعلى