الرئيسيةملفات

«ادفع علشان ابنك يتعلم».. تبرعات إجبارية تلاحق أولياء الأمور في المدارس الحكومية

تبرعات اختيارية أم إتاوة.. مدارس قائمة بالجهود الذاتية

رغم ما كفله الدستور المصري من مجانية التعليم في مؤسسات الدولة التعليمية بمراحله المختلفة، وفقًا للمادة 19 التي تنص على إلزامية التعليم حتى نهاية المرحلة الثانوية أو ما يعادلها، وتكفل الدولة مجانيته وفقًا للقانون، فإن الواقع داخل بعض المدارس الحكومية يكشف عن فجوة بين هذا المبدأ وما يواجهه أولياء الأمور على أرض الواقع.

وفي الوقت الذي شهدت فيه الأيام الماضية جولات مكثفة للمحافظين لمتابعة جاهزية المدارس واستعدادها للعام الدراسي الجديد، وما صاحب بعضها من وقائع أثارت جدلاً، من بينها سخرية محافظ القليوبية من مديرة إحدى المدارس، عقب حديثها عن تحملها نفقات من مالها الخاص، تتكرر في المقابل شكاوى أولياء الأمور من مطالبتهم بالمساهمة في تجهيز مدارس أبنائهم، سواء بمبالغ مالية أو بتوفير احتياجات عينية، تحت مظلة “الجهود الذاتية”.

بينما يُفترض أن تتولى الدولة توفير البيئة التعليمية الملائمة داخل مدارسها، تطرح هذه الوقائع تساؤلاً حول حدود الجهود الذاتية، وما إذا كانت قد تحولت في بعض المدارس من مبادرات تطوعية إلى أعباء يتحملها أولياء الأمور بصورة مباشرة أو غير مباشرة، خاصة عندما يتعلق الأمر باحتياجات أساسية مثل المقاعد والتكييفات وأعمال الدهانات والصيانة، أو تبرع مالي مباشر.

تبرعات اختيارية أم إتاوة؟

رصد “ليبرالي” عددًا من الحالات التي تحدث فيها أولياء أمور عن مطالبتهم بالمساهمة في تجهيز مدارس أبنائهم، سواء من خلال مبالغ مالية أو توفير مستلزمات عينية، بل ويصل الأمر للمساومة لقبول الطلاب.

وقال خالد محمد، أحد أولياء الأمور، إن لديه ابنتين مقيدتين بالمرحلة الابتدائية في إحدى مدارس مدينة 6 أكتوبر، موضحًا أن إدارة المدرسة طلبت منه التبرع بمبلغ 5 آلاف جنيه عن كل تلميذة من ابنتيه.

وفي واقعة أخرى بإحدى مدارس منطقة السيدة زينب، أكد أحد أولياء الأمور أن إدارة المدرسة طلبت منه المساهمة بتوفير جهاز تكييف، بينما قال ولي أمر آخر من المنطقة ذاتها إنه طُلب منه إحضار 4 مقاعد للمدرسة.

كما تحدث أحد أولياء الأمور عن مطالبته بتحمل تكلفة دهان 3 فصول، وفي صورة أخرى من صور المساهمات أوضح أحد أولياء الأمور إنه طُلب منه توفير بعض الاحتياجات داخل المدرسة.

 

28.9 مليون تلميذ.. التعليم بين المخصصات والاحتياجات

تأتي هذه الوقائع في ظل ضخامة منظومة التعليم قبل الجامعي في مصر، حيث بلغ عدد التلاميذ نحو 28.9 مليون تلميذ خلال العام الدراسي 2024/2025، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بمتوسط 22 تلميذًا لكل مدرس في المرحلة الابتدائية، و21 تلميذًا في كل من المرحلتين الإعدادية والثانوية العامة، و20 تلميذًا في التعليم الثانوي الفني.

وعلى مستوى البنية التعليمية، بلغ إجمالي عدد المدارس في مصر نحو 62.69 ألف مدرسة خلال العام الدراسي 2025/2026، وفقًا للبيانات الإحصائية الرسمية لوزارة التربية والتعليم، فيما بلغت موازنة قطاع التعليم نحو 428 مليار جنيه في موازنة العام المالي 2026/2027.

كما تبلغ مخصصات هيئة الأبنية التعليمية نحو 25 مليار جنيه، وفقًا للبيانات والمناقشات البرلمانية لعام 2026، وهي الجهة المسؤولة عن تخطيط وإنشاء وصيانة المباني التعليمية بمختلف مراحل التعليم، إلى جانب تخصيصات أخرى لأعمال الصيانة ودعم البنية الأساسية للمدارس.

 

ظاهرة ليست وليدة اللحظة

أكدت الكاتبة الصحفية إيمان رسلان، المتخصصة في الشئون التعليمية، أن  هذه المشكلة ليست وليدة اللحظة على التعليم المصري بل مستمرة منذ عقود، نتيجة انخفاض الموازنات ونسب الإنفاق المخصصة للتعليم مقارنة باتساع أعداد الطلاب وزيادة الكثافات داخل الفصول، وهو ما أدى إلى وجود احتياجات متزايدة لدى المدارس.

وأضافت “رسلان” في تصريح خاص لـ”ليبرالي” أن نقص الموازنات دفع بعض المدارس إلى مطالبة أولياء الأمور بالمساهمة في توفير احتياجات أساسية لاستمرار العملية التعليمية اليومية، قائلًة: “مروحة، ديسك، أدوات نظافة، دهان فصول، كل حاجة”، مشيرة إلى أن هذه الأوضاع قد تتحول إلى مصدر ضغط على أولياء الأمور، خاصة في حالات التحويل أو نقل الطلاب من مدرسة إلى أخرى.

واقترحت أن معالجة المشكلة من جذورها تتطلب إعادة النظر في آليات تمويل المدارس، من خلال تطبيق نموذج يسمح للمدرسة بالاحتفاظ بجزء كبير من مواردها داخلها، على غرار ما يحدث في المدارس الخاصة، مع توريد نسبة من هذه الموارد إلى الدولة للإنفاق على احتياجات المنظومة العامة، مثل طباعة الكتب وتوفير أجهزة الكمبيوتر والتأمينات للمدرسين وبناء المدارس.

وأوضحت أن احتفاظ المدرسة بنسبة، قد تصل إلى 50% من مواردها، يمكن أن يوفر لها تمويلاً مباشرًا لتغطية احتياجات التشغيل والتأهيل والمصروفات اليومية، إلى جانب الاستعانة بالمدرسين، بما يسهم أيضًا في معالجة جانب من أزمة العجز في أعداد المعلمين.

وشددت “رسلان” على أن الهدف ليس تحميل أولياء الأمور أعباء جديدة، وإنما إعادة تنظيم الموارد الموجودة بالفعل داخل المنظومة التعليمية، موضحة أن الدولة تتكفل أصلا بالفئات غير القادرة على سداد المصروفات.

وقالت إن استمرار الوضع الحالي يضع ضغوطًا إضافية على أولياء الأمور، خاصة في ظل ما يتحملونه بالفعل من أعباء الدروس ومجموعات التقوية، مطالبة بالتعامل مع المشكلة من جذورها بدلا من ترك المدارس وأولياء الأمور يواجهونها بصورة متكررة مع بداية كل عام دراسي.

وأكدت أن التبرعات أصبحت في بعض الحالات وسيلة أساسية لتمويل احتياجات المدارس، وهو ما يستدعي تقنينها ووضعها في إطار واضح، بدلا من استمرارها كحل غير رسمي لمواجهة نقص الموارد.

إتاوة تضر بتكافؤ الفرص

شيماء علي خبيرة التعليم
شيماء علي خبيرة التعليم

من جانبها، أكدت الخبيرة التعليمية شيماء علي ماهر مؤسس جروب “بتعليم ولادنا نبني بلدنا”، أن هناك نسبة كبيرة من المدارس الحكومية تستغل أولياء الأمور وتقوم بفرض التبرعات عليهم بالمدارس الحكومية كشرط لقبول أبنائهم أو لأسباب أخرى “سواء كانت مبالغ مالية أو مستلزمات عينية كالمقاعد وطلاء الفصول”،  ليصبح بمثابة “إتاوة” ووسيلة لـ “ليَ الذراع”، وجميعها أبواب خلفية لسد العجز بدون علم الوزارة.

وضربت مثالاً خلال تصريح خاص لـ”ليبرالي” بواقعة تتذكرها لحارس عقار، طُلب منه توفير نحو 20 كرسيًا جديدًا مقابل قبول نجله في إحدى المدارس، موضحة أن الرجل كان يخشى رفض ابنه واضطراره إلى الالتحاق بمدرسة أخرى بعيدة، وهو ما دفعه للتفكير في تحمل تكلفة الكراسي.

وطالبت وزارة التربية والتعليم بتشديد الرقابة على هذه الممارسات، وتخصيص أرقام وقنوات واضحة لتلقي شكاوى أولياء الأمور الذين يتعرضون لمثل هذه الطلبات، مع توقيع عقوبات رادعة على المدارس التي تطلب تبرعات أو مستلزمات كشرط لقبول الطلاب.

وأكدت أن خوف أولياء الأمور على مستقبل أبنائهم يدفع بعضهم إلى الاستجابة لهذه المطالب، قائلة إن ولي الأمر قد يدفع كثيرًا لقبول ابنه، مطالبة في المقابل بإنهاء هذه الممارسات وعدم تحميل الأسر تكلفة احتياجات المدرسة.

ورأت أن الجهود الذاتية والتبرعات لم تعد مجرد حل مؤقت لسد عجز التمويل، وإنما تحولت في بعض المدارس إلى آلية موازية لتمويل المدارس الحكومية، في ظل انخفاض  ومحدودية الموازنات مقارنة بالاحتياجات الفعلية للمدارس.

وأوضحت أن بعض أولياء الأمور يلجأون بالفعل إلى جمع الأموال فيما بينهم لتوفير احتياجات الفصول، مستشهدة بواقعة سابقة قام خلالها أولياء أمور أحد الفصول بجمع أموال لتجديد ودهان الفصل الذي يدرس فيه أبناؤهم.

وحذرت من تأثير هذه الممارسات على مبدأ تكافؤ الفرص في التعليم، موضحة أن عدم قدرة ولي الأمر على دفع المبلغ المطلوب قد يحرم الطالب من الالتحاق بمدرسة قريبة أو بالمدرسة التي يستحق الالتحاق بها، بينما يحصل طالب آخر على المقعد نفسه بسبب قدرة أسرته على تحمل هذه التكلفة.

وأكدت أن الطالب لا ينبغي أن يتحمل تبعات الوضع الاقتصادي لأسرته، مشيرة إلى أن نقل الطالب إلى مدرسة بعيدة بسبب عدم قدرة أسرته على دفع مبالغ أو توفير مستلزمات للمدرسة يمثل إخلالا بمبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى