إعلانات النيابة عبر «واتساب».. ثورة تكنولوجية أم ثغرة تهدد ضمانات العلم؟
«واتساب» يدخل التحقيقات.. محامون: سرعة في الإجراءات ومخاوف بشأن صحة الإعلان

فعّلت هيئة النيابة الإدارية استخدام تطبيق «واتساب» في إجراءات إخطار وإعلان الشهود والمتهمين، مع التأكيد على ضرورة إثبات أرقام الهواتف المفعّل عليها التطبيق بمحاضر التحقيق، وإلزام من يتم التحقيق معه أو الاستماع إلى أقواله بإبلاغ النيابة رسميًا حال تغيير الرقم المسجل، وذلك في إطار تحديث وسائل التواصل وتيسير إجراءات الإخطار والإعلان.
ومع دخول تطبيقات التواصل الاجتماعي إلى إجراءات التحقيق، تطرح الخطوة تساؤلات قانونية حول مدى كفاية الرسائل الإلكترونية لإثبات تحقق الإعلان، والضمانات التي تكفل وصول الإخطار إلى الشخص المعني وعلمه الفعلي بمضمونه، خاصة في ظل احتمالات تغيير أرقام الهواتف، أو استخدام الرقم من جانب أكثر من شخص، أو عدم الاطلاع على الرسالة المرسلة.
ورغم التأخر في إدخال التقنيات الحديثة إلى منظومة العدالة، بحسب ما أكد عدد من المحامين ومطالبتهم بالتوسع في استخدامها، فإن هناك عددًا من التخوفات المشروعة التي أشاروا إليها.
التوسع التكنولوجي ضرورة
قال محمد راضي مسعود، المحامي بالنقض وعضو مجلس النقابة العامة للمحامين، إن النيابة الإدارية تختص في الأساس بشؤون شاغلي الوظائف العامة، ولا تمتد ولايتها إلى المواطنين الذين لا يحملون صفة الموظف العام، موضحًا أن اختصاصها يشمل المخالفات التأديبية التي يرتكبها العاملون بالجهات والوظائف العامة.

وأوضح مسعود، في تصريح خاص لـ«ليبرالي»، أن استخدام تطبيق «واتساب» في إعلان الموظفين واستدعائهم أمام النيابة الإدارية يمكن أن يمثل إجراءً سليمًا، سواء كان الاستدعاء لإبداء الشهادة أو لسؤال الموظف عما هو منسوب إليه من مخالفات، معتبرًا أن هذه الخطوة مهمة، ولا يمكن الجزم بأنها ستؤخر الإجراءات أو تنتقص من حق الموظف في الدفاع عن نفسه من شاغلي الوظائف العامة.
وأضاف أن اختصاص النيابة الإدارية ينصب على المخالفات الإدارية والتأديبية، فإذا تبين لها أن الواقعة تتضمن شبهة جريمة جنائية، فإنها تحيل الأمر إلى النيابة العامة المختصة بالتحقيق في الجرائم الجنائية.
مصر متأخرة جدًا في الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة
وحول إمكانية تعميم استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة في إجراءات النيابات، أكد أن التوسع في استخدام هذه التقنيات أصبح ضرورة، مشيرًا إلى أن مصر متأخرة جدًا في الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في الإجراءات القضائية مقارنة بدول أخرى أقل عمرًا قضائيًا، خاصة أن مصر كانت سببًا رئيسيًا في وضع تشريعات ودساتير لعدد كبير من الدول العربية، وكوننا متأخرين عنهم في هذا المجال أمر مؤسف جدًا.
وبشأن مدى الحاجة إلى تشريع جديد لتقنين الإعلان عبر تطبيقات التواصل، قال عضو مجلس نقابة المحامين إن الأمر يمكن أن يتم تحت إشراف النيابة، التي تتولى التأكد من صحة وسلامة الإجراء، موضحًا أن تطبيق «واتساب» يتيح للمرسل معرفة ما إذا كانت الرسالة قد وصلت وتم الاطلاع عليها.
وأشار إلى أنه في حال تمسك المعلن إليه بعدم علمه بالإعلان أو بعدم اطلاعه عليه، فإن القانون يكفل له الحق في الطعن على الإجراء الذي تم في غيبته، مؤكدًا أن ضمانات الدفاع تظل قائمة ولا تنتقص بمجرد استخدام وسيلة إلكترونية في الإعلان.
تسريع الإجراءات
قال ماجد حنا، الأمين العام المساعد لاتحاد المحامين العرب، إن استخدام تطبيق «واتساب» في إعلانات النيابة قد يسهم في تسريع الإجراءات وعدم تعطيل الفحص والتحقيق في القضايا، إلا أن هناك بعض التخوفات القانونية المرتبطة بمدى تحقق العلم الفعلي بالإعلان.

وأضاف حنا، في تصريح خاص لـ«ليبرالي»، أنه لا يوجد إثبات صريح أو رسمي يدل على رؤية الرسالة أو العلم بها، موضحًا أن مجرد إرسال رسالة عبر «واتساب» لا يضمن بالضرورة وصولها إلى الشخص أو اطلاعه عليها.
وقال: «ممكن الإنسان ما يشوفش الرسالة، وأنا واحد من الناس مش بشوف الواتساب كتير، ممكن كل أسبوع أشوف رسائل كتيرة متراكمة».
وأضاف أن الشخص قد يرى محتوى الرسالة من الخارج دون أن يفتحها، وبالتالي لا توجد، من وجهة نظره، ضمانة قاطعة تثبت رؤيته للرسالة أو علمه الرسمي بمضمون الإعلان.
وأشار إلى أن الإعلان الإلكتروني يشبه في جانب منه الإجراءات التقليدية التي كانت تتم من خلال المحضرين أو إرسال خطابات من المحكمة إلى الشخص لإخطاره بوجود قضية أو إجراء قانوني بحقه، موضحًا أن الوسائل الإلكترونية قد تمثل إنجازًا في إجراءات التقاضي وتسهم في سرعة الفصل في القضايا، لكنها في الوقت نفسه تحمل بعض المخاوف التي تحتاج إلى اختبار عملي.
وأكد أن من أبرز التخوفات احتمالية تغيير الشخص هاتفه أو رقم هاتفه، ووصول الإعلان إلى رقم لم يعد يستخدمه، ثم اعتباره معلنًا قانونًا رغم عدم علمه الفعلي بالإجراء، متسائلًا: «أنا مش عارف إن فيه تليفون، إن حد هيبعتلي إعلان، أعلن مين؟».
وفيما يتعلق بإمكانية استمرار إجراءات الإعلان التقليدية إلى جانب الإعلان عبر «واتساب»، أوضح أن الإجراءات التقليدية يمكن أن تظل متاحة في بعض الحالات، بحيث يتم اللجوء إلى الطرق المعتادة للإعلان، وفقًا لما تقرره الجهة القضائية المختصة.
التجربة الجديدة.. بين الإيجابيات والسلبيات
وحول مدى استقرار الإعلان الإلكتروني من الناحية القانونية، قال الأمين العام المساعد لاتحاد المحامين العرب إن التجربة لا تزال جديدة، وبالتالي لا يمكن اعتبارها اتجاهًا قانونيًا مستقرًا في الوقت الحالي، مؤكدًا أن التطبيق العملي هو الذي سيكشف مزاياها وأوجه القصور فيها.
وتابع: «نحتاج تجربة عملية للإعلان الإلكتروني، ونرى إذا كان فعلًا أدى ما هو مطلوب منه أو أدى قصد المشرع أو لم يؤدِّ»، مشيرًا إلى أن أي تشريع جديد تظهر جوانبه الإيجابية وسلبياته أو أوجه القصور فيه بعد دخوله حيز التطبيق.
تخوفات مشروعة
من جانبه، قال الدكتور هيكل الراوي، المحامي، إن هناك تخوفات مشروعة يجب الانتباه إليها، أهمها: ماذا لو أجري تحقيق أو اتخذ إجراء في مواجهة شخص دون علمه، وكان رقم هاتفه غير مثبت أصلًا لدى النيابة؟

وأضاف الراوي، في تصريح خاص لـ«ليبرالي»، أن امتلاك جهة التحقيق لرقم هاتف شخص لا ينبغي بذاته أن يعني أن هذا الرقم أصبح عنوانًا قانونيًا لإعلانه، خصوصًا إذا لم يكن الشخص قد مثل أمام النيابة، ولم يُثبت الرقم بمحضر التحقيق، ولم يقر باعتماده وسيلة للإخطار والإعلان، لافتًا إلى أن المسألة هنا لا تتعلق بمجرد وصول رسالة، وإنما بضمان نسبة الرقم إلى صاحبه وتحقيق العلم الحقيقي بالإجراء.
وأكد أن التحول الرقمي في العدالة أمر مطلوب، لكن يجب ألا يكون على حساب ضمانات الدفاع وحق الشخص في العلم بالإجراءات التي تتخذ في مواجهته.
وأشار إلى أن تفعيل «واتساب»، وفقًا للتنظيم الحالي، ينبغي فهمه باعتباره وسيلة حديثة للإخطار والإعلان في الإطار الذي حدده المنشور، وليس باعتباره إلغاءً تلقائيًا لوسائل الإعلان التقليدية.
وشدد على ضرورة أن يكون استخدام الوسيلة الإلكترونية داعمًا للإجراءات وضامنًا لسرعتها، لا سببًا في إضعاف ضمانات العلم اليقيني.
وأكد أن التحدي الحقيقي ليس في إدخال «واتساب» إلى منظومة العدالة، وإنما في وضع الضمانات التي تمنع أن يتحول التطور التكنولوجي من وسيلة لتيسير الوصول إلى العدالة إلى وسيلة لإثبات إعلان لم يتحقق به العلم الحقيقي.
وأوضح الراوي أن الحل يكمن في إنشاء قاعدة بيانات دقيقة تربط أرقام الهواتف بالبيانات الرسمية للمواطنين، بحيث يتم تسجيل رقم الهاتف باسم صاحبه عند استخراج بطاقة الرقم القومي أو رخصة القيادة، وكذلك عند الحصول على بطاقات التموين أو كروت المعاشات أو بطاقات الخدمات المخصصة لذوي الإعاقة.
وأشار إلى أن تطبيق هذا النظام من شأنه أن يتيح للدولة، خلال سنوات قليلة، حصر أرقام الهواتف الحقيقية المسجلة بأسماء أصحابها، بما يسهل الاعتماد عليها في إرسال الإعلانات والإخطارات والإنذارات الرسمية.
حملة توعية
واقترح أن تطلق الدولة حملة توعية عبر مختلف الوسائل، سواء التلفزيون أو الإنترنت أو الرسائل النصية، لدعوة المواطنين إلى التأكد من أن رقم الهاتف المستخدم بحوزتهم مسجل باسمهم، مع منحهم فترة لتوفيق أوضاعهم قبل بدء الاعتماد على أرقام الهواتف كوسيلة رسمية للإعلان.
وأوضح أن المواطن، بعد التأكد من تسجيل الرقم باسمه، يمكن إخطاره رسميًا بأي إعلان أو إخطار أو إنذار على الرقم المسجل لدى الجهات المختصة، بحيث تكون مسؤولية تحديث بيانات الهاتف واضحة ومحددة.
وشدد كذلك على ضرورة تنظيم عدد خطوط الهاتف المسجلة باسم الشخص الواحد، معتبرًا أنه لا ينبغي أن يمتلك الفرد عددًا كبيرًا من الخطوط باسمه دون مبرر واضح، مع استثناء الشركات التي يمكن ربط خطوطها بالسجل التجاري والبيانات الخاصة بالشركاء والمساهمين والموظفين، بما يضمن معرفة المستخدم الفعلي لكل خط.
وضرب مثالًا بالتجربة السعودية، موضحًا أنه عند دخول الزائر إلى المملكة يتم، وفقًا لما ذكره، توفير خط هاتف مرتبط بالبيانات البيومترية الخاصة به، بما في ذلك بصمة الإصبع وبصمة العين، ويكون استخدامه مرتبطًا بمدة الزيارة، معتبرًا أن ربط خطوط الاتصالات بالهوية والبيانات الرسمية يسهم في إحكام المنظومة ومنع إساءة استخدامها.






