تزايد سيطرة الحوثيين على أجزاء حيوية في الشمال.. إلى أين يتجه الوضع في اليمن؟
سيطرت القوات الحوثية على أجزاء واسعة من الساحل في اليمن المطل على البحر الأحمر، بما في ذلك مناطق عند مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وشملت السيطرة مدينة المخا وبلدة ذوباب وجزيرة ميون الواقعة عند مدخل المضيق، وهو ما يمنح الجماعة ورقة ضغط استراتيجية على حركة الملاحة في المنطقة.
وتزامنت هذه التطورات مع اشتباكات بالقرب من محافظة مأرب الغنية بالنفط، بين مقاتلي جماعة الحوثي والقوات الحكومية المدعومة من السعودية، في مؤشر على اتساع نطاق المواجهات باتجاه مناطق أكثر أهمية من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية.
ومن شأن استمرار التقدم الحوثي نحو المناطق الشرقية الغنية بالموارد، وعلى رأسها مأرب، أن يهدد مصادر الدخل الرئيسية للحكومة المعترف بها دوليًا، ويزيد من مخاطر تفاقم الأزمة الإنسانية التي يعانيها ملايين اليمنيين.
وبحسب الأمم المتحدة، أجبر التصعيد أكثر من 100 ألف شخص على النزوح، واضطر كثير منهم إلى خوض رحلة محفوفة بالمخاطر عبر البحر للوصول إلى جيبوتي المجاورة، في أكبر تغيير تشهده خطوط المواجهة في الحرب الأهلية اليمنية منذ أن أسهمت هدنة برعاية الأمم المتحدة في تجميدها خلال أبريل 2022.
كيف تصاعد الصراع في اليمن؟
في عام 2023، كانت السعودية والحوثيون يجرون مفاوضات بشأن اتفاق شامل لوقف إطلاق النار على مستوى البلاد، كان من شأنه تخفيف القيود المفروضة على المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة وفتح الطريق أمام تسوية أوسع.
لكن الخطة لم تُنفذ، خصوصًا مع اندلاع أزمة البحر الأحمر أواخر عام 2023 واستمرارها خلال 2024، عندما صعّد الحوثيون هجماتهم على حركة الملاحة التجارية، ردًا على الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة.
ومنذ ذلك الحين، لم تبدِ الرياض استعجالًا واضحًا لإحياء المسار الدبلوماسي، في ظل استمرار التوترات العسكرية والسياسية في المنطقة.
لماذا تحرك الحوثيون الآن؟
قال المتحدث العسكري باسم جماعة الحوثي، يحيى سريع، إن التصعيد يأتي نتيجة سنوات من الحرب والحصار السعودي، كما ربطت الجماعة الجولة الأخيرة من القتال بضربة استهدفت مدرج مطار صنعاء في 13 يوليو، ونفذتها القوات الحكومية اليمنية بدعم سعودي.
وأدى الهجوم، بحسب الرواية الحوثية، إلى إجبار طائرة إيرانية كانت تقل ضباطًا من الحرس الثوري الإيراني على العودة.
التصعيد مع السعودية
أعلن الحوثيون انتهاء وقف إطلاق النار مع السعودية، وأعقب ذلك هجوم على مطار مدينة أبها السعودية، قبل أن تعلن الجماعة لاحقًا فرض حصار بحري،
كما أطلقت حملة صاروخية في أوائل أغسطس، قبل بدء الهجوم البري في 3 سبتمبر، في إطار تصعيد تدريجي بين الجانبين.
العامل الاقتصادي
يرى الحوثيون في السيطرة على باب المندب ورقة ضغط اقتصادية محتملة، بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية للمضيق بالنسبة لحركة التجارة العالمية.
وتطرح الجماعة، وفقًا للرؤية الواردة في هذا السياق، إمكانية توظيف المضيق كورقة تفاوضية للحصول على مكاسب مالية وسياسية، في سيناريو يشبه استخدام إيران لموقعها الاستراتيجي في مضيق هرمز.
هل تمثل السيطرة على باب المندب نقطة قوة لإيران؟
تمنح السيطرة الحوثية على مناطق قريبة من باب المندب إيران، وفق تقديرات أمنية، ورقة استراتيجية إضافية في منطقة تشكل واحدة من أهم نقاط الاختناق البحرية عالميًا.
وتشير مصادر أمنية يمنية إلى وجود قائد إيراني بارز يُدعى عبد الرضا شهلاي ميدانيًا للإشراف على جزء من العمليات الأخيرة التي شهدها اليمن خلال سبتمبر.
ماذا يعني التصعيد للحرب الأهلية في اليمن؟
دخل الصراع اليمني مرحلة جديدة عام 2014، عندما استولى الحوثيون على العاصمة صنعاء، منتزعين السيطرة عليها من حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي، في ظل تراجع شعبيتها آنذاك.
ومنذ عام 2022، ظلت خطوط المواجهة مجمدة إلى حد كبير، مع سيطرة الحوثيين على معظم مناطق شمال غرب البلاد، مقابل احتفاظ القوات المدعومة من السعودية بنفوذها في أجزاء من الجنوب والشرق.
ويعيد التصعيد الأخير رسم خريطة الصراع، خصوصًا مع انتقال المواجهات إلى مناطق ترتبط بمصادر الطاقة والموانئ والممرات البحرية.
ماذا يعني التصعيد بالنسبة إلى الاتفاق مع واشنطن؟
في حال حصر الحوثيون مواجهتهم مع الرياض، فإن ذلك قد يعكس رغبة في الحفاظ على التزامهم باتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه سلطنة عُمان بين واشنطن والحوثيين في مايو 2025، مع تجنب فتح مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
كما يسمح ربط مطالب الجماعة بالرواتب والموانئ والرحلات الجوية بفصل المطالب الاقتصادية المحلية عن الصراع الإقليمي الأوسع، ودفع السعودية نحو التفاوض بشأن اتفاق ثنائي.
ويمثل إبقاء المسار الدبلوماسي مفتوحًا أمام الرياض جزءًا مهمًا من استراتيجية الحوثيين؛ إذ يتيح لهم طرح إمكانية إنهاء الأزمة عبر اتفاق مع السعودية، رغم أن تنفيذ عدد من المطالب يتطلب أيضًا موافقة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
وفي هذا السياق، التقى مسؤولون أمريكيون ممثلين عن الحوثيين في السفارة الأمريكية بالعاصمة العمانية مسقط، بعد أن أثارت المكاسب الميدانية التي حققتها الجماعة مخاوف بشأن حركة الملاحة عبر باب المندب.
وأفادت تقارير بأن الحوثيين طمأنوا واشنطن إلى أن السفن غير المرتبطة بالسعودية لن تكون هدفًا لهجماتهم.
ورغم مطالب الرياض للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشن ضربات مباشرة ضد الحوثيين، أحجمت واشنطن حتى الآن عن توسيع المواجهة، في ظل تعقيدات الصراع الإقليمي مع إيران.
إلى أين تتجه الحرب؟
تبرز محافظة مأرب ومدينة تعز كأهداف محتملة للحوثيين بعد تقدمهم في المناطق القريبة من مضيق باب المندب.
وتكتسب مأرب أهمية خاصة لاحتوائها على جزء كبير من موارد النفط والغاز في اليمن، ولذلك فإن فقدانها سيشكل ضربة قوية للموارد المالية للحكومة المعترف بها دوليًا، كما قد يفتح الطريق أمام الحوثيين للتقدم نحو محافظة حضرموت، أكبر محافظات اليمن، والتي تتشارك حدودًا طويلة مع السعودية.
ويمثل هذا السيناريو، في حال حدوثه، تطورًا ذا تداعيات مباشرة على أمن الحدود السعودية وموازين القوى داخل اليمن.
وفي المقابل، تعاني القوات الحكومية من حالة انقسام، إلى جانب الخسائر التي تكبدتها في الساحل الغربي، وهو ما يزيد من صعوبة مواجهة التقدم الحوثي.
وأعلنت الجماعة أيضًا إسقاط طائرة مقاتلة سعودية من طراز F-15 فوق مأرب باستخدام صاروخ محلي، في تطور يعكس تصاعد المواجهة العسكرية.
ماذا يعني الوضع الآن؟
لم تتمكن أي حكومة أو قوة سياسية في التاريخ الحديث من فرض هيمنة عسكرية وسياسية كاملة على الأراضي اليمنية.
ورغم أن الحوثيين نجحوا في ترسيخ نفوذهم العسكري في معظم مناطق الشمال الغربي، فإن الصراع لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة، في ظل غياب تسوية سياسية شاملة تجمع مختلف الأطراف.
ويظل التحدي الأساسي أمام الحوثيين هو الانتقال من تحقيق المكاسب العسكرية إلى القدرة على الحفاظ عليها سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، خصوصًا أن السيطرة على الأراضي والممرات البحرية لا تعني بالضرورة امتلاك القدرة على إدارة البلاد أو الحصول على قبول سياسي واسع.
وبينما يمثل باب المندب ورقة استراتيجية مهمة في الصراع، فإن استمرار الحرب يضع اليمن أمام معادلة أكثر تعقيداً، جماعة تمتلك نفوذًا عسكريًا متزايدًا، وحكومة تسعى للحفاظ على ما تبقى من مناطق نفوذها، وقوى إقليمية ودولية تخشى أن يتحول أحد أهم الممرات التجارية في العالم إلى ساحة جديدة للصراع.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى مستقبل الحرب مرتبطًا بقدرة الأطراف على تحويل المكاسب العسكرية إلى تسوية سياسية، بدلًا من استمرار الصراع على الأرض وتوسيع دائرة المواجهة.






