تحديث الرئيسيةشريط الأخبارملفات

«دير سانت كاترين».. تسوية تاريخية تحمي إرث 1600 عام وتفتح آفاق السياحة الروحانية في مصر

على أرض سيناء المباركة وبين أوديتها العتيقة، كُتب فصل جديد من فصول الحفاظ على الهوية والتاريخ، تزامنًا مع استقبال وزارة الخارجية لموافقة مطران دير سانت كاترين على العقد الخاص بالدير ومحيطه الجغرافي، لتبعث برسائل طمأنة لكل عشاق هذا الموقع الأثري والمدرج على قائمة التراث العالمي.

وبالقطع ستستفيد السياحة، لاسيما السياحة الروحية، وسيُترجم هذا الاتفاق كضمانة لاستمرار الدير كملاذ إيماني عالمي يقصده الحجاج والزوار من مختلف أنحاء العالم للتمتع بتجربة روحانية عابرة للزمن والحدود.

وفي هذا السياق، تلقى الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين في الخارج، خطابًا من المطران سيميون، مطران دير سانت كاترين، تضمن الموافقة على توقيع العقد الخاص بالدير والأراضي المحيطة به، تمهيدًا لتوقيعه رسمياً لدى تحديد موعد مراسم التوقيع، وذلك في إطار تنفيذ الحكم القضائي الصادر عن محكمة استئناف الإسماعيلية في 25 مايو 2025، والالتزام الكامل بالتشريعات الوطنية ذات الصلة، بما ينهي كافة المسارات القضائية.

دير سانت كاترين
دير سانت كاترين

جذور النزاع القضائي تعود لـ2015

تعود جذور النزاع القضائي حول دير سانت كاترين والأراضي المحيطة به إلى عام 2015، عندما أقامت جهات حكومية الدعوى رقم 24 لسنة 2015 مدني كلي جنوب سيناء، للمطالبة باسترداد 71 قطعة أرض وأعيان مرتبطة بالدير، إلى جانب مقابل الانتفاع والتعويضات، استنادًا إلى أن بعض هذه الأراضي من أملاك الدولة.

وفي المقابل، تمسك الدير بامتداد حيازته التاريخية للأراضي، وارتباط عدد من المواقع بطبيعتها الدينية والأثرية، فضلًا عن وجود عقود ومستندات تخص بعض القطع، وفي 30 مايو 2022، قضت محكمة جنوب سيناء الابتدائية بطرد واضعي اليد على 29 قطعة أرض وردها إلى الدولة، قبل أن يطعن الطرفان على الحكم أمام محكمة استئناف الإسماعيلية، مأمورية طور سيناء.

وفي 25 مايو 2025، أصدرت محكمة الاستئناف حكمًا فرق بين الأوضاع القانونية للأراضي المتنازع عليها، وأقرت بحق تابعي الدير في الانتفاع بالمواقع الدينية والأثرية، مع اعتبار ملكيتها للدولة بوصفها من الأملاك العامة، كما أقرت الاعتداد بالعقود المبرمة بين الوحدة المحلية لمدينة سانت كاترين والدير بشأن بعض الأراضي، بما ينفي وصف التعدي على القطع المشمولة بها.

من أملاك الدولة العامة..الواقعة ضمن المحميات الطبيعية

أما باقي الأراضي، فاعتبرتها المحكمة من أملاك الدولة العامة الواقعة ضمن المحميات الطبيعية، التي لا يجوز التصرف فيها أو اكتساب ملكيتها بالتقادم، في ظل عدم صدور عقود بشأنها من جهة الولاية المختصة، ولم يمنح الحكم الدير ملكية الأراضي الـ71 جميعها، وإنما ميز بين حق الانتفاع بالمواقع الدينية، والأراضي التي تنظمها عقود قائمة، وغيرها الخاضعة لقواعد حماية المحميات الطبيعية.

وعقب السفير نادر زكي، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، بأن وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، رحب بالخطاب المشار إليه، وأكد اعتزاز مصر بدير سانت كاترين، باعتباره أحد أعرق المعالم الدينية والتراثية في العالم، الذي احتضنته مصر لأكثر من 1600 عام، وامتدادًا لنهجها الراسخ في حماية مقدساتها وتراثها الإنساني.

وأضاف المتحدث الرسمي، أن وزير الخارجية جدد التأكيد على التزام مصر الثابت والممتد عبر القرون بصون دير سانت كاترين، وعدم المساس بالمكانة الروحية والدينية للدير، مؤكدًا ما يحظى به الدير من قيمة تاريخية فريدة، تجسد قيم التسامح والتآخي والتعايش بين الأديان والحضارات.

تسوية النزاع تدعم نمو القطاع السياحي

وفي السياق ذاته، قال عاطف عبد اللطيف، الخبير السياحي، ورئيس جمعية مسافرون للسياحة والسفر، وعضو مجلس إدارة جمعية مستثمري جنوب سيناء، إن التوصل إلى حل لأزمة دير سانت كاترين والأراضي المحيطة بالدير، تُمثل خطوة مهمة للحفاظ على المكانة الدينية والتاريخية للدير، وإنهاء الخلافات القانونية بما يضمن استقرار الأوضاع والحفاظ على خصوصية هذا الموقع ذي القيمة الروحية والتراثية الكبيرة.

وأضاف «عبد اللطيف» في تصريحه لـ«ليبرالي»، أن الوصول إلى تسوية واضحة ومتوازنة، يُحقق مصلحة جميع الأطراف، من خلال احترام الوضع التاريخي والديني للدير، ومراعاة الأطر القانونية المنظمة للأراضي، ودعم استقرار المنطقة ويحافظ على أحد أبرز المقاصد الدينية والثقافية في مصر، بخلاف دعم كبير لتحقيق أرقام قياسية متواصلة لقطاع السياحة رغم التوترات المحيطة بالمنطقة.

وفي هذا الإطار، كشف شريف فتحي، وزير السياحة، أن القطاع استقبل نحو 135 مليون سائح خلال الفترة من 1 يوليو 2014 حتى 30 يونيو 2026، قضوا خلالها 1.37 مليار ليلة سياحية، فيما بلغت الإيرادات السياحية نحو 125 مليار دولار.

20 مليون سائح مستهدف بنهاية 2026

وأضاف «فتحي»، أن السياحة المصرية حققت خلال عام 2025 أداءً استثنائيًا وغير مسبوق، حيث استقبلت مصر 19 مليون سائح، محققة رقمًا قياسيًا جديدًا بمعدل نمو بلغ 21% مقارنة بعام 2024، في إنجاز يعكس القوة المتنامية للمقصد السياحي المصري على الساحة الدولية.

وأفاد وزير السياحة، بأن مصر استقبلت 12.8 مليون سائح خلال الفترة من يناير وحتى سبتمبر 2026، مع توقعات بوصول أعداد السائحين الوافدين إلى 20 مليون سائح بنهاية العام الجاري.

وشدد رئيس جمعية مسافرون للسياحة والسفر على أن أهمية حل الأزمة لا تقتصر على إنهاء الخلاف القانوني، بل تمتد إلى تعزيز الثقة في المقصد السياحي المصري، لا سيما لدى منظمي الرحلات والشركات الدولية المهتمة بإدراج المواقع الدينية والتاريخية ضمن برامجها السياحية.

مشروع «التجلي الأعظم» يدعم تحويل سانت كاترين إلى مقصد متكامل

وأفاد «عبد اللطيف»، بأن وضوح الوضع القانوني والحفاظ على المكانة الخاصة للدير من شأنهما دعم جهود الترويج لسانت كاترين باعتبارها مقصدًا للسياحة الروحانية والثقافية، مع ضرورة أن تتكامل هذه الخطوة مع الحفاظ على التراث التاريخي والبيئي للمدينة، وعدم الإخلال بطبيعتها التي تمنحها خصوصية بين المقاصد السياحية المصرية.

وأوضح رئيس جمعية مسافرون للسياحة والسفر، أن منطقة سانت كاترين تمتلك مقومات سياحية متنوعة لا تقتصر على زيارة الدير، بل تشمل السياحة الجبلية وتسلق الجبال ومشاهدة الشروق والغروب، إلى جانب السياحة البيئية والاستشفائية والأنشطة المرتبطة بالطبيعة، منوهًا بأن حل الأزمة في الوقت الحالي سيُتيح فرصة للاستفادة بصورة أكبر من هذه المقومات، خاصة بالتزامن مع مشروع «التجلي الأعظم».

ولفت «عبد اللطيف» إلى أن مشروع «التجلي الأعظم»، يمكن أن يدعم تحويل المدينة إلى مقصد متكامل، شريطة استكمال الخدمات والترويج لها في الأسواق الخارجية، وتوفير برامج سياحية واضحة بالتعاون بين شركات السياحة ومنظمي الرحلات الدوليين.

25 مليار جنيه تكلفة مشروع «التجلي الأعظم»

ويستهدف مشروع «التجلي الأعظم»، تحويل سانت كاترين إلى مقصد عالمي للسياحة الروحانية والجبلية والتراثية، ووفقًا  للهيئة العامة للاستعلامات، قُدرت نسبة تنفيذ المشروع بـ 97.5%، باستثمارات 25 مليار جنيه.

وتابع رئيس جمعية مسافرون للسياحة والسفر، أن شرم الشيخ وسانت كاترين تمثلان نمطين سياحيين متكاملين في جنوب سيناء، فالأولى تتمتع بمقومات السياحة الشاطئية والترفيهية، وتتميز الثانية بالسياحة الدينية والروحانية والثقافية والبيئية، وهو ما يتيح إعداد برامج سياحية تجمع بين المدينتين وتزيد مدة إقامة السائح داخل مصر، ويزيد أيضًا من الإنفاق.

وأشار «عبد اللطيف» إلى أهمية ربط سانت كاترين بشرم الشيخ ودهب وطابا ونويبع، ضمن برامج متنوعة تستهدف السائحين المهتمين بالمزارات الدينية والطبيعة وتسلق الجبال والتأمل، بما يسمح للسائح التعرف على أكثر من منتج سياحي خلال الرحلة نفسها، فضلًا عن سرعة تشغيل مطار سانت كاترين وتوفير رحلات جوية مباشرة ومنتظمة أو عارضة من الأسواق المستهدفة، إلى جانب إطلاق حملات ترويجية في المعارض والبورصات السياحية الدولية.

واقترح إعداد برامج تجمع بين السياحة الروحانية في سانت كاترين والسياحة الشاطئية في شرم الشيخ، بدلًا من اقتصار الزيارة على المرور السريع بأحد المقاصد.

تطوير سانت كاترين..فرصة للاستثمار وخلق فرص عمل

بدورها، قالت سمر عبد الحليم، الخبيرة السياحية، وعضو غرفة شركات السياحة والسفر، والمديرة الإقليمية بإحدى شركات السياحة العالمية، إن جنوب سيناء تمتلك مقومات سياحية متنوعة تجمع بين الشواطئ والجبال والمحميات الطبيعية والمواقع التاريخية والدينية، بما يتيح تنويع البرامج السياحية وعدم اقتصارها على السياحة الشاطئية في شرم الشيخ.

وأضافت «عبد الحليم» في تصريحها لـ«ليبرالي»، أن تطوير منطقة سانت كاترين، يُعد فرصة للتنمية والاستثمار وخلق فرص عمل، مشددة على ضرورة تحقيق التوازن بين التوسع السياحي والحفاظ على الهوية الثقافية للمجتمعات المحلية.

وأشارت الخبيرة السياحية إلى أن القيمة السياحية للمنطقة لا ترتبط بدير سانت كاترين وحده، بل تمتد إلى المزارات الدينية المحيطة بالدير، ومكانة المنطقة لجميع الديانات السماوية، وهو ما يمنحها خصوصية يمكن الاستفادة منها في جذب المهتمين بالسياحة الروحية والثقافية، وربطت بين تطوير سانت كاترين ومشروعات البنية التحتية والخدمات السياحية، وبين قدرة المنطقة على استقطاب مزيد من الزائرين.

زر الذهاب إلى الأعلى