اقتصاد

الدولار يسجل 56.35 جنيهًا.. هل يواصل الارتفاع أم يتجه إلى الاستقرار؟

رشاد عبده لـ«ليبرالي»: الأموال الساخنة والتوترات الإقليمية وراء صعود الدولار.. والتهدئة قد تدفعه إلى التراجع

شهد سعر الدولار أمام الجنيه المصري موجتين رئيسيتين من الارتفاع خلال عام 2026؛ الأولى خلال شهري مارس وأبريل، عندما تجاوز مستوى 54 جنيهًا، والثانية خلال أكتوبر الجاري، إذ سجل في ختام تعاملات اليوم 56.35 جنيهًا.

وأثار هذا الارتفاع مخاوف بشأن احتمالات استمرار صعود الدولار وانعكاسه على أسعار السلع والخدمات، وسط تساؤلات عن أسباب الضغوط الحالية على سوق الصرف، وما إذا كان السعر مرشحًا لمزيد من الارتفاع أم أن التهدئة الإقليمية قد تفتح المجال أمام استقراره أو تراجعه.

الأموال الساخنة وخروج المستثمرين

قال الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي، إن الأموال الساخنة تمثل أحد أبرز أسباب الاضطرابات التي تشهدها الأسواق وارتفاع سعر الدولار، موضحًا أن هذه الاستثمارات تتدفق إلى مصر خلال فترات الاستقرار بحثًا عن العوائد المرتفعة وأسعار الفائدة الجاذبة، لكنها قد تغادر سريعًا عند اندلاع اضطرابات إقليمية، حتى إذا لم تكن مصر طرفًا مباشرًا فيها.

وأضاف «عبده»، في تصريحات خاصة لـ«ليبرالي»، أن المستثمرين في هذه الأموال يطلبون تحويل استثماراتهم إلى العملات التي دخلوا بها، بما يتيح لهم الخروج من السوق، مشيرًا إلى أن ارتفاع العائد على أذون الخزانة المصرية مقارنة بأسعار الفائدة في عدد من الأسواق العالمية يمثل عامل جذب رئيسيًا لهذه التدفقات، لكنه يجعل السوق عرضة لتقلباتها عند تغير الظروف.

وأشار إلى أن وزير المالية السابق أقر بالاعتماد على الأموال الساخنة، واصفًا إياها بأنها تشبه «زومبا»، في إشارة إلى سرعة دخولها وخروجها من السوق، مضيفًا أن المطالبات برفع أسعار الفائدة تزايدت أيضًا خلال تولي وزير المالية الحالي، استنادًا إلى ارتفاع معدلات التضخم، وهو ما أدى إلى زيادة تكلفة الاقتراض الحكومي عبر أذون وسندات الخزانة.

التوترات الإقليمية تضغط على الأسواق

ربط «عبده» ارتفاع الدولار بتصاعد التوترات الإقليمية، في ظل المواجهات بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وما يصاحبها من مخاوف بشأن أمن الطاقة والملاحة في المنطقة.

وأشار إلى أن اضطرابات المنطقة واستهداف منشآت نفطية سعودية من جانب الحوثيين، وفقًا لما ذكره، زادت حالة القلق في الأسواق، في وقت تشهد فيه أسعار النفط ارتفاعات ملحوظة، إذ تجاوزت 110 دولارات للبرميل ووصلت إلى مستويات تراوحت بين 112 و115 دولارًا.

وأوضح أن المستثمرين يترقبون تطورات الأوضاع السياسية والعسكرية، وما قد تفضي إليه من تصعيد أو تهدئة، لافتًا إلى أن استمرار التوترات والتهديدات التي تطال منشآت الطاقة وخطوط الأنابيب قد يدفع المستثمرين إلى تقليص استثماراتهم في الأسواق المعرضة للمخاطر، بما يزيد الضغوط على سعر الصرف.

وأضاف أن حالة عدم اليقين بشأن تطورات المواجهات الإقليمية تنعكس على قرارات المستثمرين، إذ تتزايد مخاوفهم من اتساع نطاق الصراع وتأثيره على إمدادات الطاقة وحركة التجارة، وهو ما ينعكس بدوره على الأسواق المالية وأسعار العملات.

العرض والطلب يحددان مسار الدولار

قال الخبير الاقتصادي إن خروج أكثر من 10 مليارات دولار من الأموال الساخنة خلال الأيام الأولى للأزمة، إلى جانب خروج مبالغ إضافية لاحقًا، أسهم في زيادة الضغوط على سوق الصرف.

وأوضح أن سعر الدولار، باعتباره سلعة، يتحدد وفقًا لآليات العرض والطلب، مشيرًا إلى أن تحرير سعر الصرف، في إطار الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، يعني السماح للسعر بالتحرك وفقًا لحجم المعروض والطلب، بدلًا من تثبيته بصورة مستمرة.

واعتبر «عبده» أن ارتفاع الدولار في ظل الأزمات الإقليمية لا يعني بالضرورة وجود حالة من الذعر في الأسواق، بل قد يكون انعكاسًا للضغوط على المعروض من النقد الأجنبي وزيادة الطلب عليه.

ولفت إلى أن تأثيرات التوترات لا تقتصر على خروج الأموال الساخنة، وإنما تمتد إلى مصادر أخرى للنقد الأجنبي، من بينها السياحة التي قد تتأثر باضطرابات المنطقة، وإيرادات قناة السويس في ظل تهديدات الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب، فضلًا عن احتمالات تأثر تحويلات المصريين العاملين في دول الخليج.

وأضاف أن ارتفاع أسعار النفط واحتمالات إغلاق مضيق هرمز يفرضان ضغوطًا إضافية على موارد النقد الأجنبي، في وقت يرتفع فيه الطلب على الدولار من جانب المستوردين والتجار الراغبين في تأمين احتياجاتهم من السلع تحسبًا لاستمرار الأزمة، وهو ما قد يزيد الطلب على العملة الأمريكية ويرفع تكلفة الاستيراد.

هل يواصل الدولار الارتفاع أم يتراجع؟

قال «عبده»، إن ارتفاع الدولار من نحو 51 جنيهًا إلى 56 جنيهًا يمثل زيادة تقارب 10%، معتبرًا أنها ليست زيادة «مرعبة»، خاصة في ظل ارتفاع أسعار بعض الخدمات الأساسية، مثل المياه والكهرباء، بنسب تتجاوز 20%، بحسب تقديره.

وأضاف أن اتجاه الدولار خلال الفترة المقبلة سيظل مرتبطًا بتطورات الأوضاع الإقليمية؛ إذ قد يؤدي اتساع نطاق الحرب أو تصاعد المواجهات بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل واستمرار تهديدات الملاحة إلى مزيد من الضغوط على سعر الصرف.

في المقابل، أشار إلى أن نجاح الوساطات الدولية والإقليمية، بما فيها جهود مصر وباكستان وتركيا وقطر، في احتواء التصعيد وتهدئة الأوضاع، قد يساعد على استعادة الاستقرار في الأسواق ويدعم احتمالات تراجع الدولار.

واختتم الخبير الاقتصادي بالإشارة إلى أن مسار سعر الصرف سيظل رهينًا بتطورات المشهد الإقليمي، ومدى انعكاسها على حركة الاستثمارات الأجنبية وتدفقات النقد الأجنبي، إلى جانب مستويات الطلب على الدولار في السوق المحلية.

زر الذهاب إلى الأعلى