بين التحذيرات من تلوث القمح بالأتربة والشوائب، والمخاوف من ارتفاع معدلات الفاقد وتراجع جودة الدقيق، يعود ملف الشون الترابية إلى الواجهة مع اقتراب موسم توريد القمح المحلي لعام 2027، حيث طالبت غرفة صناعة الحبوب باتحاد الصناعات المصرية باستبعاد 63 شونة ترابية تتجاوز سعتها التخزينية 272 ألف طن، محذرة من تداعيات استمرار التخزين في مواقع لا تستوفي الاشتراطات المطلوبة.
لكن هذه المطالبة تفتح بابًا للتساؤل بشأن الوضع الفعلي لهذه الشون؛ ففي الوقت الذي يؤكد فيه مجدي أبو العلا، نقيب الفلاحين بالجيزة، استمرار عدد محدود منها ومعاناته من الإهمال، يشدد رمضان الشحات، المدير السابق للمركز الإعلامي لوزارة التموين، على أن الشون الترابية التقليدية لم تعد موجودة بعد تنفيذ المشروع القومي للصوامع وتطوير منظومة تخزين القمح.
وبين الروايتين، يبرز السؤال حول حقيقة استمرار هذه المواقع، ومدى تأثيرها على سلامة المحصول وجودة الدقيق ورغيف الخبز، في وقت تسعى فيه الدولة إلى تقليل الفاقد وتعزيز كفاءة تخزين القمح المحلي.
غرفة صناعة الحبوب: 63 شونة غير مطابقة تهدد جودة القمح
قال عبد الغفار السلاموني، نائب رئيس غرفة صناعة الحبوب باتحاد الصناعات المصرية، إن الغرفة حصرت 63 شونة ترابية تواجه مشكلات في 7 محافظات، هي المنيا وبني سويف والغربية وكفر الشيخ وأسيوط وسوهاج والفيوم، مطالبًا باستبعادها من خطة توريد القمح لموسم 2027.
وأوضح أن التخزين في الشون التي لا تستوفي الاشتراطات يعرض القمح للأمطار والحشرات والقوارض، فضلًا عن وصوله إلى المطاحن محملًا بنسب مرتفعة من الأتربة والشوائب نتيجة رفعه باستخدام اللوادر.

وأشار إلى أن ذلك يتسبب في أعطال بمعدات النظافة والطحن، ويرفع تكاليف الصيانة، ويؤثر على نسب التصافي وجودة الدقيق البلدي.
وطالب «السلاموني» بقصر استلام القمح المحلي وتخزينه خلال الموسم المقبل على الصوامع والمنشآت المطورة والمميكنة، بما يسهم في الحد من الفاقد، والحفاظ على جودة المحصول، وحماية المال العام وصحة المواطنين.
مجدي أبو العلا: شون ترابية لا تزال قائمة وتعاني الإهمال
من جانبه، أكد مجدي أبو العلا، نقيب الفلاحين بالجيزة، أن عددًا محدودًا من الشون الترابية لا يزال قائمًا، وتتبع وزارة الزراعة، مشيرًا إلى افتقارها إلى التجهيزات اللازمة للتخزين الآمن، في ظل بقاء القمح مكشوفًا دون أسقف تحميه من الأتربة والرمال والأمطار.
وأضاف أن هذه الظروف تجعل المحصول عرضة للتلوث، فضلًا عن تعرضه للطيور وانتشار الحشرات والزواحف والآفات، ما يؤدي إلى زيادة الفاقد وتراجع جودة القمح.

وحذر «أبو العلا» من امتداد آثار المشكلة إلى مراحل الطحن وإنتاج الخبز، موضحًا أن اختلاط القمح بالأتربة والرمال قد يؤثر على جودة الدقيق إذا لم يخضع للتنظيف والغربلة قبل طحنه.
وربط بين هذه المخاطر واحتمال وجود الرمل والحصى في بعض أرغفة الخبز، مطالبًا بتطوير الشون المتبقية وتشديد الرقابة عليها لضمان سلامة المحصول وجودة رغيف الخبز.
مسؤول سابق بالتموين ينفي استمرار الشون الترابية التقليدية
في المقابل، أكد رمضان الشحات، المدير السابق للمركز الإعلامي لوزارة التموين، لـ«ليبرالي»، أن الدولة حققت تطورًا كبيرًا في منظومة تخزين القمح، مشددًا على أن الشون الترابية التقليدية لم تعد موجودة بعد تنفيذ المشروع القومي للصوامع والتوسع في إنشاء مواقع التخزين المطورة.
وأوضح أن الطاقة التخزينية للقمح ارتفعت من نحو 1.2 مليون طن قبل عام 2014 إلى نحو 5.2 مليون طن حاليًا، نتيجة إنشاء الصوامع الحديثة وتطوير منظومة التداول والتخزين.

وأضاف أن الشون المطورة تستقبل القمح لفترات محدودة لا تتجاوز 15 يومًا، قبل نقله إلى مراحل التخزين التالية، مشيرًا إلى وجود نحو 60 صومعة حقلية، تبلغ سعة الواحدة منها 5 آلاف طن، مع توجه لزيادة هذه السعة إلى 10 آلاف طن.
ولفت «الشحات» إلى أن مواقع التخزين المطورة تعتمد على أرضيات وتجهيزات مناسبة، فيما تتيح الصوامع الحديثة أنظمة تهوية وعمليات غربلة تساعد على فصل الشوائب وبقايا الطين عن الحبوب، بما يسهم في الحفاظ على جودتها والحد من الفاقد.
وأشار إلى أن الفاقد من القمح كان يتراوح سابقًا بين 10 و15% نتيجة الاعتماد على أساليب التخزين التقليدية، بينما تراجعت هذه النسبة إلى الصفر، بحسب تقديره، بعد التوسع في إنشاء الصوامع الحديثة وتطوير منظومة التخزين.
وشدد على أن المشكلة الأساسية التي واجهت الشون القديمة تمثلت في ارتفاع معدلات الفاقد بسبب ظروف التخزين غير المناسبة، موضحًا أن التوسع في إنشاء الصوامع استهدف الحفاظ على المحصول وتقليل الهدر، إلى جانب رفع كفاءة تخزينه وتداوله.
تضارب التصريحات يفتح باب التساؤلات حول أزمة القمح
تكشف التصريحات عن تباين واضح في تقييم واقع الشون الترابية؛ فبينما تطالب غرفة صناعة الحبوب باستبعاد 63 شونة من منظومة توريد القمح في موسم 2027، يؤكد «أبو العلا» استمرار عدد محدود منها ومعاناته من الإهمال، في حين ينفي «الشحات» وجود الشون الترابية التقليدية، مستندًا إلى التطور الذي شهدته منظومة التخزين والتوسع في الصوامع الحديثة.
ويثير هذا التباين تساؤلات بشأن طبيعة المواقع التي شملها حصر غرفة صناعة الحبوب، وما إذا كانت لا تزال تعمل ضمن منظومة توريد القمح أم أنها مواقع غير مطورة لم تعد مدرجة رسميًا ضمن المنظومة المعتمدة.
كما يطرح تساؤلات حول مدى ارتباط المخاطر التي تتحدث عنها الغرفة بارتفاع الفاقد فقط، أو امتدادها إلى تلوث المحصول بالأتربة والشوائب وتأثير ذلك على جودة الدقيق ورغيف الخبز.
وتكتسب القضية أهمية إضافية في ظل حجم احتياجات مصر من القمح؛ إذ يتراوح الاستهلاك السنوي بين 18 و20 مليون طن، وفقًا لبيانات وزارة التموين، بينما سجل الإنتاج المحلي نحو 10 ملايين طن خلال العام الزراعي 2024/2025، بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
وتستهدف الحكومة توريد نحو 3.5 إلى 4 ملايين طن من القمح المحلي لصالح منظومة التموين والخبز المدعم.
وفي ظل هذه الاحتياجات، تظل سلامة تخزين القمح والحد من الفاقد والحفاظ على جودة المحصول من الملفات المؤثرة في كفاءة منظومة الإمداد، فيما يبقى حسم الجدل حول الشون الـ63 مرتبطًا بتحديد وضعها الفعلي ومدى مطابقتها للاشتراطات المعتمدة.






