ملفات

من 20 إلى 2000 جنيه.. كيف كشفت «الممارسة» ثغرات محاسبة الكهرباء؟

بعد سنوات من الاعتماد على نظام الممارسة في محاسبة وحدات لا تمتلك عدادات كهرباء قانونية، أعلنت الدولة في سبتمبر 2026 إلغاء النظام، في خطوة تستهدف إنهاء التقديرات الجزافية لاستهلاك الكهرباء، وتفتح في الوقت نفسه ملف الخسائر التي تحملتها المنظومة نتيجة الفجوة بين الاستهلاك الفعلي والمبالغ المحصلة.

ويأتي القرار في ظل تساؤلات حول مدى قدرة إلغاء نظام الممارسة على معالجة أوجه القصور في محاسبة استهلاك الكهرباء، في وقت تكشف فيه تقديرات منشورة عن حجم الخسائر المالية المرتبطة بالفقد الفني والتجاري.

محطة الضبعة النووية| مراحل التنفيذ والفوائد الاستراتيجية لمصر

علي عبد النبي: نظام الممارسة يفتح الباب للتلاعب في فواتير الكهرباء ويرفع الفقد التجاري

كشف الدكتور علي عبد النبي، خبير الطاقة النووية ونائب رئيس هيئة المحطات النووية سابقًا، لـ«ليبرالي» خطورة نظام الممارسة من أنه يمثل عوارًا قانونيًا يسمح باستمرار التلاعب في تقدير استهلاك الكهرباء، بما يؤدي إلى زيادة الفقد التجاري وإهدار حقوق الدولة.

وأوضح أن بعض الوحدات قد تُحاسب بمبالغ محدودة شهريًا، رغم أن قيمة استهلاكها الفعلي قد تصل إلى آلاف الجنيهات، بما يكشف حجم الفجوة المحتملة بين ما تستهلكه الوحدات وما تحصل عليه شركات الكهرباء.

وأضاف أن إلغاء نظام الممارسة يستهدف إنهاء التعامل مع الوحدات التي لا تمتلك عدادات كهرباء فعلية، موضحًا أن الوحدة السكنية التي لا يوجد بها عداد قد يُحصَّل منها مبلغ 20 جنيهًا شهريًا على سبيل المثال، رغم أن استهلاكها الحقيقي قد يصل إلى 2000 جنيه، وهو ما يفتح الباب أمام التلاعب في قيمة الفواتير، خاصة في ظل احتمالات حصول بعض الموظفين على مبالغ غير قانونية مقابل تخفيض قيمة الاستهلاك، لتتحمل الوزارة الخسائر المتبقية.

وأشار «عبد النبي» إلى أن هذه الممارسات تنتشر في عدد كبير من القرى المصرية، وتمتد إلى بعض المزارع، ومنها مزارع الدواجن التي تستهلك كميات كبيرة من الكهرباء، لافتًا إلى أن بعض أصحاب هذه الأنشطة يلجأون إلى نظام الممارسة للتحايل على القيمة الفعلية للاستهلاك، التي قد تصل في بعض الحالات إلى آلاف الجنيهات شهريًا.

وأكد أن استمرار هذا النظام يسهم في ارتفاع معدلات الفقد التجاري في الكهرباء، مشيرًا إلى أن نسبة الفقد بالفعل قد تجاوزت 24%، وهو ما يستدعي إعادة النظر في آليات المحاسبة والتحصيل، بما يضمن احتساب الاستهلاك الفعلي ومنع التلاعب في الفواتير.

وشدد خبير الطاقة النووية على ضرورة التوسع في تطبيق الشبكات الذكية، بحيث تتولى الأنظمة الإلكترونية قراءة العدادات وحساب الاستهلاك وتحصيل الفواتير بصورة آلية، دون تدخل بشري مباشر، معتبرًا أن التحول الرقمي في إدارة منظومة الكهرباء من شأنه الحد من فرص الفساد والتلاعب، ورفع كفاءة التحصيل، وتقليل الفقد التجاري.

حافظ سلماوي: الممارسة استمرت رغم إلغائها بسبب المباني المخالفة.. والعدادات الكودية حل فرضه الواقع

ومن جانبه قال المهندس حافظ سلماوي، الرئيس التنفيذي الأسبق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك في حديثه لـ«ليبرالي»، أن نظام الممارسة في توصيل الكهرباء أُلغي منذ فترة بالتزامن مع التوسع في تركيب العدادات الكودية، إلا أنه ظل قائمًا في بعض الحالات المرتبطة بالمباني المخالفة.

وأشار «سلماوي» إلى أن هذا النظام يرتبط بشرطة الكهرباء، موضحًا أن 30% من قيمة المبالغ المحصلة تذهب إلى الشرطة، مقابل 70% لصالح قطاع الكهرباء، ووصف الممارسة بأنها تعد كمحضر سرقة تيار كهربائي متجددًا.

وأضاف أن هذه الممارسة تقوم على تحديد قيمة مالية ثابتة يُحاسب المشترك على أساسها شهريًا، بدلًا من احتساب استهلاكه الفعلي من الكهرباء، وذلك في حالات توصيل التيار إلى عقارات مخالفة أو غير مصرح بتوصيل الكهرباء إليها، ما يجعل أن من يحاسب بها يزيد استهلاكه للكهرباء وهو مطمئن بأنه لن تزيد قيمة فاتورة استهلاكه مهما استهلك.

ولفت «سلمان» إلى أن مخالفات البناء شهدت زيادة عقب ثورة يناير، ما دفع إلى ظهور العدادات الكودية عام 2016، في محاولة للتعامل مع ظاهرة توصيل الكهرباء إلى المباني المخالفة.

ومع ذلك، استمر العمل بنظام الممارسة في بعض الحالات، خاصة العقارات المقامة على أراضٍ زراعية أو أراضٍ مملوكة للدولة، وكذلك المباني التي تتجاوز الارتفاعات المسموح بها بما يخالف اشتراطات الطيران المدني.

وأشار إلى أنه امتد أيضًا ليشمل مباني مخالفة جرى التصالح عليها مع الدولة، في حين ظلت هناك حالات أخرى لم تتمكن من التصالح أو رُفضت طلبات التصالح الخاصة بها، ما أبقى مشكلة توصيل الكهرباء إلى تلك العقارات قائمة.

واختتم «سلماوي» حديثه بالتأكيد أن انتشار المباني المخالفة يمثل أحد الأسباب الرئيسية وراء استمرار هذه الإشكالية، معتبرًا أن العدادات الكودية ليست بالضرورة خطوة إيجابية في حد ذاتها، وإنما أصبحت حلًا فرضه واقع المخالفات العمرانية وصعوبة التعامل مع توصيل الكهرباء إلى تلك المباني.

55  مليار جنيه خسائر الفقد بالكهرباء سنويًا.. و43 مليارًا بسبب الفقد التجاري

كشفت بيانات وإحصائيات رسمية صادرة عن الدكتور محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، والتقارير الدورية للشركة القابضة لكهرباء مصر، عن أرقام دقيقة تُحدد حجم النزيف المالي والفني في منظومة الكهرباء.

إذ تبلغ القيمة المالية الإجمالية للفقد بشبكات الكهرباء (بنوعيه الفني والتجاري) نحو 55 مليار جنيه سنويًا، وتستحوذ خسائر الفاقد التجاري — الناتجة عن سرقات التيار والتوصيلات غير القانونية — على النسبة الأكبر بقيمة تُقدر بـ 43 مليار جنيه سنويا، ما يعادل أكثر من 78% من إجمالي خسائر الفقد في القطاع.

وفي تفصيل نسب الفقد الفني والتجاري وفقا للتصريحات الوزارية، يصل إجمالي الفاقد الكلي بشبكات التوزيع إلى نحو 16.7%، تتوزع بين أقل من 7% لفقد تجاري (سرقات مباشرة وتعديات)، ونحو 10% لفقد فني بشبكات التوزيع.

وفي المقابل، يُسجل الفقد الفني في شبكات النقل والضغط العالي نسبًا تتراوح بين 4% إلى 5%، وهي نسبة متوافقة مع المعدلات الفنية العالمية.

أما على صعيد التوزيع الجغرافي، أظهرت تقارير خريطة الفقد الدورية الصادرة عن الشركة القابضة تباينًا واضحًا بين شركات التوزيع التسع، حيث تصدرت شركة جنوب القاهرة لتوزيع الكهرباء القائمة بأعلى معدل فقد تراوح بين 27% و36% في نطاقاتها الأكثر كثافة وسكنية عشوائية.

وجاءت شركة جنوب الدلتا في المرتبة الثانية بنسبة 26%، تليها شمال الدلتا (23.5%)، والبحيرة (23.2%)، وشمال القاهرة (23.1%)، وفي المقابل، حققت شركة الإسكندرية لتوزيع الكهرباء النسبة الأقل على مستوى الجمهورية بمعدل فقد لم يتجاوز 14%.

زر الذهاب إلى الأعلى