القرن الأفريقي على حافة الانفجار.. هل تشعل أزمات إثيوبيا حربًا إقليمية؟
لم تعد المخاوف من اتساع الصراع في القرن الأفريقي، مرتبطة بالمواجهات داخل إثيوبيا وحدها، بل باتت تتصل بتشابك الأزمات الداخلية مع التنافس الإقليمي على النفوذ والوصول إلى البحر الأحمر.
ويأتي التحذير الذي أطلقه أعضاء في الكونغرس الأمريكي بشأن احتمال اندلاع حرب إقليمية أوسع، في وقت تتجدد فيه المواجهات في تيجراي ومناطق إثيوبية أخرى، بالتزامن مع تدهور العلاقات بين أديس أبابا وأسمرة.
وتشير تقارير حديثة إلى أن اتفاق بريتوريا الموقع في نوفمبر 2022، والذي أنهى الحرب الكبرى في تيجراي، يواجه ضغوطًا متزايدة مع تجدد القتال وتفاقم الخلافات السياسية والأمنية.
وفي المقابل، حذرت واشنطن رسميًا من أن التوترات بين إثيوبيا وإريتريا قد تمتد آثارها إلى المنطقة بأكملها، ودعت الطرفين إلى ضبط النفس والعودة إلى الحوار.
من أزمة داخلية إلى معادلة إقليمية معقدة
تكمن خطورة المشهد الإثيوبي في أن الصراع لم يعد محصورًا في مواجهة بين الحكومة الفيدرالية وخصومها في إقليم بعينه، بل يتداخل مع انقسامات سياسية وعرقية وأمنية في مناطق متعددة، من بينها تيجراي وأمهرة وعفر.
ويزيد هذا التشابك من صعوبة احتواء المواجهات؛ إذ يمكن أن تتغير التحالفات بين القوى المسلحة، بينما تتباين أهدافها بشأن شكل الدولة الإثيوبية ومستقبل السلطة المركزية.
وتحمل عودة القتال في تيجراي دلالات تتجاوز الخلافات الميدانية، لأنها تعكس تعثر معالجة القضايا التي أبقت جذور النزاع قائمة، بما فيها الترتيبات الأمنية، ومستقبل الإدارة الإقليمية، وعودة النازحين، والخلافات المتعلقة بالأراضي.
ولذلك فإن تجدد المواجهات يثير مخاوف من انهيار ما تبقى من التفاهمات التي أرستها تسوية بريتوريا، وعودة البلاد إلى صراع واسع يصعب حصره جغرافيًا أو سياسيًا.
وتزداد الأزمة تعقيدًا مع تعدد القوى المناوئة للحكومة الفيدرالية، غير أن اجتماع هذه القوى في مواجهة خصم مشترك لا يعني بالضرورة امتلاكها مشروعًا سياسيًا موحدًا أو قدرة مستدامة على التنسيق.
فالتباينات في المصالح المحلية والحسابات السياسية قد تحد من تماسك أي تحالف، لكنها لا تلغي المخاطر التي تفرضها تعدد جبهات القتال على قدرة الحكومة على إدارة الأزمة.
إثيوبيا وإريتريا.. خلافات تتجاوز الحدود
يمثل التدهور في العلاقات الإثيوبية الإريترية أحد أخطر أبعاد الأزمة الحالية، فالدولتان انتقلتا خلال السنوات الماضية من التقارب الذي أعقب اتفاق السلام عام 2018 إلى تصاعد الاتهامات المتبادلة، في ظل خلافات بشأن الأمن الإقليمي ومستقبل العلاقات بينهما.
وفي أكتوبر 2026، أفادت تقارير بانقطاع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بعد خطوات إثيوبية شملت إغلاق السفارة في أسمرة وطرد دبلوماسيين إريتريين، وردت إريتريا بالمثل، ويعكس هذا التطور مستوى التدهور في العلاقة بين الطرفين، لكنه لا يعني وحده أن المواجهة العسكرية أصبحت حتمية.
وتبرز قضية الوصول إلى البحر الأحمر باعتبارها محورًا استراتيجيًا في هذا الخلاف، فإثيوبيا، التي فقدت منفذها البحري المباشر عقب استقلال إريتريا عام 1993، تعتمد بصورة كبيرة على موانئ دول الجوار في تجارتها الخارجية.
وتسعى أديس أبابا إلى تأمين وصول موثوق إلى البحر، بينما تنظر أسمرة إلى التحركات الإثيوبية المرتبطة بالموانئ والسواحل من منظور سيادتها وأمنها القومي.
ولا تكمن حساسية المسألة في الاحتياجات التجارية الإثيوبية وحدها، بل في ارتباط أي ترتيب بحري محتمل بتوازنات القوة في المنطقة، فالوصول التجاري إلى ميناء بموجب اتفاق تفاوضي يختلف قانونيًا وسياسيًا عن أي تحرك يُفهم باعتباره مساسًا بالسيادة أو محاولة لفرض واقع جديد بالقوة، ومن هنا، فإن غياب تفاهم واضح ومقبول من الأطراف المعنية يجعل الملف البحري قابلًا للتحول إلى مصدر دائم للتوتر.
البحر الأحمر.. ساحة تتقاطع فيها المصالح الدولية
تتجاوز أهمية البحر الأحمر الحسابات الإثيوبية والإريترية، نظرًا إلى دوره الحيوي في حركة التجارة العالمية وارتباطه بأمن قناة السويس والممرات البحرية المؤدية إلى المحيط الهندي، وأي تصعيد عسكري في محيطه قد يرفع المخاطر على الملاحة وسلاسل الإمداد، كما قد يدفع دولًا إقليمية ودولية إلى تعزيز حضورها السياسي والأمني لحماية مصالحها.
ويأتي ذلك في منطقة تعاني بالفعل من أزمات متداخلة، أبرزها الحرب في السودان والتوترات المحيطة بالبحر الأحمر والقرن الأفريقي، ومن شأن اتساع الصراع الإثيوبي أن يخلق ضغوطًا إضافية على دول الجوار، سواء عبر النزوح والاحتياجات الإنسانية أو عبر احتمالات امتداد التوترات إلى الحدود والممرات التجارية.
كما أن إثيوبيا ليست طرفًا منفصلًا عن الملفات الاستراتيجية الأخرى في المنطقة؛ فخلافها مع مصر بشأن سد النهضة، والتوترات المرتبطة بمذكرة التفاهم الإثيوبية مع أرض الصومال عام 2024 بشأن الوصول إلى البحر، أسهما في تعقيد علاقاتها الإقليمية.
وتتشابك هذه الملفات مع حسابات الأمن القومي لدول المنطقة، من دون أن يعني ذلك أن جميع الخلافات ستتحول بالضرورة إلى مواجهة عسكرية واحدة.
وهنا تظهر خطورة ما يمكن وصفه بـ«تداخل الأزمات»: فالتصعيد في ملف قد يؤثر في حسابات الأطراف في ملف آخر، وقد يدفع الدول إلى إعادة تقييم تحالفاتها ومواقفها الدبلوماسية، لكن هذا الترابط لا يجعل نشوب حرب إقليمية أمرًا محسومًا؛ بل يوضح أن فرص الاحتواء تتراجع كلما تراكمت الأزمات من دون قنوات اتصال فعالة أو ترتيبات سياسية قابلة للتنفيذ.
التحذير الأمريكي.. محاولة لاحتواء التصعيد قبل اتساعه
تكتسب التحركات الأمريكية أهمية في ضوء إدراك واشنطن أن تجدد الحرب في إثيوبيا قد يهدد الاستقرار الإقليمي ويعقّد المصالح المرتبطة بأمن البحر الأحمر.
وقد دعت وزارة الخارجية الأمريكية، في بيان صدر في الثالث من أكتوبر، إثيوبيا وإريتريا إلى احترام سيادة الدول المجاورة، وضبط النفس، والعودة إلى الحوار وفق إطار السلام الموقع عام 2018.
كما ناقش وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، في اتصال هاتفي في 14 أكتوبر، تصاعد التوترات مع إريتريا، مؤكدًا دعم خفض التصعيد والحلول القائمة على الحوار.
وفي هذا السياق، فإن مطالبة أعضاء في الكونغرس الإدارة الأمريكية بتعيين مبعوث دبلوماسي، ودفع الأطراف نحو وقف إطلاق النار واستئناف المحادثات، تعكس توجهًا نحو تحرك أكثر انخراطًا في الأزمة.
وتشمل المطالب التي وردت في التقرير استخدام أدوات الضغط الدبلوماسي، والنظر في عقوبات محددة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
غير أن نجاح هذه الأدوات سيعتمد على قدرة واشنطن على التواصل مع مختلف الأطراف، وعلى استعداد القوى المتصارعة لتقديم تنازلات، فالعقوبات قد ترفع كلفة التصعيد، لكنها لا تشكل وحدها بديلًا عن مسار سياسي، كما أن الوساطة الخارجية لا تضمن وقف القتال إذا ظلت القضايا الأساسية محل النزاع دون معالجة.
وتواجه الولايات المتحدة أيضًا تحديًا يتمثل في الحفاظ على قنوات تواصل مع الحكومة الإثيوبية، وفي الوقت نفسه التعامل مع القوى الأخرى المؤثرة في النزاع، بما يسمح بتقليل مخاطر التصعيد من دون أن يُنظر إلى الوساطة باعتبارها انحيازًا لطرف على حساب آخر.
هل تتجه المنطقة إلى حرب إقليمية؟
لا يمكن الجزم بأن القرن الأفريقي يتجه حتمًا إلى حرب إقليمية شاملة، لكن اجتماع المواجهات الداخلية في إثيوبيا مع التوتر الإثيوبي الإريتري وتنافس المصالح حول البحر الأحمر يرفع مستوى المخاطر.
وتكمن نقطة التحول المحتملة في انتقال الصراع من المواجهات الداخلية إلى اشتباك مباشر بين الدولتين، أو في توسع الدعم الخارجي للأطراف المتنازعة بطريقة تجعل احتواء الأزمة أكثر صعوبة.
وتظل الحسابات العسكرية والسياسية لكل طرف عاملًا حاسمًا في تحديد مسار الأحداث، إلى جانب قدرة القوى الإقليمية والدولية على منع سوء التقدير وإبقاء الخلافات ضمن المسارات الدبلوماسية.
وفي المقابل، فإن استمرار القتال وتراجع الثقة بين الحكومتين الإثيوبية والإريترية قد يضيّقان مساحة التسوية ويزيدان من كلفة أي تأخر في التحرك.







